التفاصيل
العلوية القضائية لمحكمة التمييز الاتحادية

العلوية القضائية لمحكمة التمييز الاتحادية

القاضي كاظم عباس / عضو محكمة التمييز الاتحاديه

2020-09-11 13:18:00

لا يخفى على المختصين والمهتمين بالشأن القضائي والقانوني بأن العلوية القضائية ترتبط مصيريا وتدور وجوداً وعدما بالرقابة القضائية لمحكمة على محكمة أخرى فلا يتصور وجود علوية قضائية لمحكمة على أخرى بدون رقابة ٠
وعلى ضوء هذا الأساس المنطقي السليم نكاد نجزم بأن كافة الدول أقرت بالنظم القضائية الخاصة بها مبدأ العلوية القضائية في صلب تشريعاتها الوطنية للمحكمة التي تمارس الرقابة القضائية على الأحكام والقرارت القضائية التي تصدرها محاكم الموضوع وهذا ما تبناه النظام القضائي في دول العراق ومصر وسوريا ولبنان والكويت والمغرب وتونس والجزائر والأردن والكثير الكثير من الدول الأخرى العربية والأجنبية ٠
ومفهوم العلوية القضائية يرتبط بهاجس السعي لتحقيق العدالة والعدل ودحض الظلم وذلك من خلال تبني نظام مراجعة وفحص للأحكام والقرارت القضائية التي تصدرها محاكم الموضوع ومدى صحتها من الناحية القانونية ويتم ذلك من خلال محكمة أعلى وهذا النظام الأمن يسمى قانوناً طرق الطعن بالأحكام والقرارات القضائية والتي حصرها المشرع العراقي في المادة ١٦٨من قانون المرافعات المدنية العراقي وبهذه الوسائل أي الطرق القانونية يتمكن المحكوم عليه من طلب إعادة النظر في الحكم أو القرار القضائي الصادر من محكمة الموضوع ضده إذا أعتقد بعدم صحة الحكم ٠
ولا يتحقق هذا الأمر ألذي له مساس بتحقيق العدالة إلا بالأحتكام إلى محكمة أعلى لتدقيق الحكم القضائي وتقرير مدى صحته للقانون من عدمه ويكون قرارها الفيصل في ذلك وتكون بحق تلك المحكمة قمة الهرم في النظام القضائي للبلد ٠
وهذا ما تبناه المشرع العراقي في قانون المرافعات المدنية وفي قانون التنظيم القضائي ونص على العلوية القضائية ابتداء في المادة ٣/١٦٠ من قانون المرافعات المدنية والتي نصت على ما يلي ( الحكم الذي صدر من المحكمة يبقى مرعيا ومعتبرا ما لم يبطل او يعدل من قبل المحكمة نفسها أو يفسخ او ينقض من محكمة أعلى وفق الطرق القانونية ) وفلسفة المشرع من هذا النص يرتبط بقدسية وصلابة الحكم أو القرار القضائي وحرمة التجاوز عليه وتوفير الحماية القانونية له بطرق وقائية لاتسمح لأي جهة في كافة سلطات الدولة التلاعب او الاستهانة به إلا من خلال طرق الطعن القانونية ٠
لأن قدسية الحكم القضائي وحجيته هي الغاية الأساس في العمل القضائي والذي بصدوره يقطع دابر النزاع٠ وهنا تتجلى العلوية القضائية بأوضح صورها عندما تمارس المحكمة الأعلى دورها بالرقابة على الحكم أو القرار القضائي على الرغم من قدسيته وفاعليته فالمحكمة الأعلى وحدها فقط الحق بموجب القانون التصدي لموضوع النزاع مرة ثانية وإصدار قرار في موضوع النزاع وقمة علوية الهرم القضائي في العراق محكمة التمييز الاتحادية و بدون منازع وهذا ليس كلام عابر او إنشاء يقال هنا او هناك او فكرة طوبائية بل حقيقية قانونية واضحه ركيزتها النص القانوني٠
إذ أن المشرع العراقي أكمل ما ابتدأه في قانون المرافعات المدنية ونص صراحة في المادة ١٢من قانون التنظيم القضائي رقم ١٦٠ لسنة ١٩٧٩ المعدل على علوية محكمة التمييز الاتحادية على كافة المحاكم والهيئات القضائية في العراق والتي نصت على ما يلي ( محكمة التمييز الاتحادية هي الهيئة القضائية العليا التي تمارس الرقابة القضائية على جميع المحاكم ٠٠٠الخ ) . وماجاء به هذا النص من وضوح وصراحة جعل الأمر محسوما من الناحية القانونية بعلوية محكمة التمييز الاتحادية على بقية المحاكم والهيئات القضائية الأخرى بما فيها المحكمة الاتحادية العليا والنص أعلاه واضح وضوح الشمس بصورة جلية لا لبس فيه ولا يمكن حجبه بغربال ولا يحتاج إلى اي تفسير أو اجتهاد في فهمه او قبوله لأن القاعدة القانونية تقول ( لامساغ للأجتهاد في مورد النص / المادة ٢ من القانون المدني العراقي ) ٠
ولأن محكمة التمييز الاتحادية هي محكمة قانون وليس محكمة وقائع وجوهر أعمالها الرقابة والإشراف على صحة تطبيق المحاكم الأخرى للقانون في الأحكام والقرارت القضائية المطعون بها أمامها .
ومن هذا نتلمس الحكمة التشريعية التي دعت المشرع العراقي في قانون التنظيم القضائي النافذ وكذلك في قانون السلطة القضائية الملغي رقم ٢٦ لسنة ١٩٦٣( المادة ١٠ منه ) على التفرد بالنص الصريح بالعلوية القضائية لمحكمة التمييز الاتحادية حصرا ٠
ووفقا لهذا المرتكز القانوني السليم نستغرب ماسيثار بين حين وآخر من هنا او هناك بالدعاية للمحكمة الاتحادية العليا والترويج بالعلوية القضائية لها بدون اي سند أو نص دستوري او قانوني٠وهذا مفهوم بدون اي لبس من المادة ٩٢/أولا من دستور العراق لسنة ٢٠٠٥ والتي نصت على ما يلي ( المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا واداريا ) ومن صراحة هذا النص لا تعتبر المحكمة الاتحادية العليا أعلى هيئة قضائية في العراق ولو كان الأمر كذلك لصرح المشرع الدستوري الذي لاتنقصه بعد النظر او الشجاعة و لم يسقط منه ذلك سهوا بل لحكمة وبعد نظر تلمسها المشرع الدستوري لم يسبغ وصف العلوية للمحكمة الاتحادية العليا في صلب الدستور٠ و إزاء هذا فإن وصف العلوية لأي هيئة قضائية يجب أن يكون كادرها البشري من حيث التشكيل العددي والانعقاد من القضاة فقط ومن مصاديق ذلك التشكيل والتكوين العددي لمحكمة التمييز الاتحادية والذي ينحصر بالقضاة فقط لا غير فهي هيئة قضائية خالصة٠
بينما المحكمة الاتحادية العليا لاتتمتع بالصفة القضائية الصرفة وهذا واضح من المادة ٩٢/ ثانيا من الدستور والتي أشارت إلى تكوينها فهي تتكون من خليط من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون وبهذا فإن العنصر الشخصي من حيث التكوين ليس قضائيا صرفا في المحكمة الاتحادية العليا بل يشترك في تكوينها والانعقاد والتصويت فقهاء المسلمين وفقهاء القانون الأكاديميين وبهذا حتى وصفها من قبل المشرع الدستوري بأنها هيئة قضائية وبصورة مجردة فيه أشكال كبير ٠
زد على ذلك لا يوجد اي نص قانوني لا في قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ٣٠ لسنة ٢٠٠٥ ولا في أي قانون آخر ينص صراحة او دلالة على منح العلوية القضائية للمحكمة الاتحادية العليا على باقي الهيئات القضائية الأخرى ٠
كما أن الأحتجاج والتمسك بالعلوية القضائية للمحكمة الاتحادية العليا نظرا للأختصاصات التي تضطلع بها ومنها حمايتها لحقوق الإنسان وفض المنازعات بين سلطات الدولة واختصاصاتها ٠فهذا الطرح جدل في غير محله لأن المهام والصلاحيات لأي هيئة قضائية او محكمة شيء والعلوية شيء آخر ولا يمكن الجمع بينهما وذلك لعدم وجود مسوغ قانوني بذلك وهذا شيء منطقي ناتج عن فقدان ضابط الترجيح الذي يجعل موضوع نزاع قضائي معين أعلى وأهم من موضوع نزاع قضائي معين آخر .
ولتبسيط الفكرة والصورة وفهمها لانضرب مثلا من نسج الخيال بل نطرح مثلا من نتاج الواقع العراقي الذي عشناه ونعيشه وهما نزاعان قضائيان متعاصران شغلا الرأي العام تصدى لأحدهما القضاء ممثلا بمحكمة التمييز الاتحادية والآخر أمام المحكمة الاتحادية العليا والنزاعان هما الدعوى الدستورية المقامة أمام المحكمة الاتحادية العليا من قبل مجلس الوزراء منذ أكثر من أربع سنوات ولم تحسم لحد الان بخصوص قيام إقليم كوردستان العراق بتصدير النفط وبيعه إلى الخارج ومدى موافقة ذلك للدستور من عدمه وهذه القضية على قدر من الأهمية لتعلقها بالثروة الوطنية والقضيةالثانية دعوى جريمة سبايكر التي راح ضحيتها أكثر من ١٧٠٠ شهيد والتي تم حسمها قضائيا بتجريم الجناة وإنزال بحقهم عقوبة الإعدام شنقا حتى الموت وإطلاق سراح الأبرياء الذين لم يثبت اشتراكهم بالجريمة من قبل القضاء وكان لمحكمة التمييز الاتحادية القول الفصل بالقضية بما لها من رقابة على صحة او عدم صحة الاحكام القضائية الصادرة بهذه القضية وأصدرت قراراتها بما لها من علوية قضائية٠ والاستفهام الذي يطرح نفسه وبقوة من هو أهم او اقدس هل نزاع دعوى تصدير النفط وبيعه أم نزاع دعوى جريمة سبايكر هنا ضابط الترجيح بأهمية هذا النزاع على حساب النزاع الآخر مفقود وبالنتيجة لا يمكن أن تكون المهام او الاختصاص الشامل المكاني او النوعي مرجحا لعلوية محكمة على محكمة أخرى .
ولو نسلم جدلا بالعلوية القضائية على أهمية المهام التي تقوم بها المحكمة فإن مما لا خلاف به أن الإنسان وحياته أعظم واقدس قيمة من التراب وما فيه من ثروات لأن النزاعات التي تتعلق بمساس مباشر بحياة الإنسان أعظم من كافة النزاعات القضائية الأخرى التي تتعلق بصحة قانون ما او اختصاص سلطة بموضوع معين دون الأخرى لذا تكمن أهمية وعلوية محكمة التمييز الاتحاديه والتي أعطاها المشرع أخطر مهمة في العمل القضائي برمته وهي نظر القضايا للأشخاص المحكومين بالإعدام شنقا حتى الموت وبصورة تلقائية بلا طعن وإذا تمسكنا بالعلوية القضائية على أساس المهام . 
فإن موضوع مهمة المصادقة على أحكام الإعدام للأشخاص وإنهاء حياتهم أو نقضها عن أشخاص ومنح الحياة لهم . اهم وأخطر من كافة مهام المحكمة الاتحادية العليا ومع ذلك فإن العلوية القضائية الحقيقة لمحكمة التمييز الاتحادية قد جاءت بنصوص قانونية صريحة بالإضافة إلى مهامها الأخرى كما ونوعا ٠
أما بخصوص إيراد المشرع الدستوري والقانوني بمفردة ( العليا ) والتي أنتهى بها العنوان الرسمي للمحمكة الاتحادية فمثل هذا الوصف اللغوي لا يمكن اعتباره جواز سفر للعلوية القضائية لهيئة او محكمة على أخرى لأن هذا يتنافى مع المنطق الدستوري والقانوني وذلك لعدم انفراد المحكمة الاتحادية بهذا الوصف في الدستور اذا وردت بأكثر من نص ومنها ( المحكمة الجنائية العليا والمفوضية العليا لحقوق الانسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات ) بينما المشرع الدستوري في العراق أستعمل مفردة ( الأعلى ) حصرا بمجلس القضاء الأعلى و هذه المفردة ابلغ وأسمى وأكثر شمول من مفردة ( العليا ) ورغم ذلك فقطعا لا يعتبر مجلس القضاء الأعلى هو أعلى سلطة قضائية او أعلى من بقية سلطات الدولة الأخرى ولا يمكن الترويج والسير بمثل هكذا إتجاه .
لأن مهام كل سلطة تختلف عن مهام السلطات الأخرى لهذا ليس هناك أي فائدة عملية ترجى من البحث عن العلوية بينها ولهذا لم يصرح مجلس القضاء الأعلى ولم يتبنى يوم من الأيام بأن له العلوية على المحكمة الاتحادية العليا بالاستناد إلى مفردة ( الأعلى ) التي وردت في عنوانه الرسمي ٠
جل ما نقوله أن العلوية القضائية ليست بشيء من بهرجة السلطة او جزء من مقامات الرئاسة أو برتوكول معين وهذه القشور و للأسف الشديد يتصارع عليها البعض وبتطرف تدفعهم بذلك داء النرجسية المصابين به يواصلون الليل بالنهار من أجل تضليل الآخرين بأمور ما انزل الله بها من سلطان ليس لها أي وجود سوى في ذهن من تبناها و بعيدة كل البعد عن الدستور والقانون٠
أن العلوية القضائية هي شرعية قانونية وواقع عملي وعلمي متجسد يوميا في النظام القضائي العراقي عن طريق الممثل الشرعي الوحيد لهذه للعلوية القضائية وهي محكمة التمييز الاتحادية وكل من يقول خلاف ذلك كاذب ومخادع .