التفاصيل
مشروع قانون التعديل الأول لقانون المحكمة الاتحادية العليا لسنة 2020  / (الانتهاكات الدستورية والمعالجات)

مشروع قانون التعديل الأول لقانون المحكمة الاتحادية العليا لسنة 2020 / (الانتهاكات الدستورية والمعالجات)

2020-09-25 11:04:00

الدكتور مصدق عادل / أستاذ القانون الدستوري والقضاء الدستوري / كلية القانون - جامعة بغداد

في الوقت الذي ينتظر فيه العراقيون من مجلس النواب العراقي استكمال المتطلبات القانونية لإجراء الانتخابات النيابية المبكرة، ومن بينها استكمال قانون المحكمة الاتحادية العليا لاختصاصها بالمصادقة على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب وفق المادة (93/سابعاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، غير أننا نتفاجأ بإصرار وعزم مجلس النواب بالتصويت على مشروع قانون التعديل الأول لقانون المحكمة الاتحادية العليا لسنة ٢٠٢٠ رغم الانتهاكات الدستورية والقانونية العديدة التي شابته والتي تتمثل بالآتي:

1- إنَّ مشروع القانون يتعارض مع نص المادة (92) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي تنص على أنه (ثانياً: تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانون يسن بأغلبية (ثُلثي) أعضاء مجلس النواب)، حيث لاحظنا أنَّ المادة (1/أولاً) من مشروع القانون تحصر تشكيل المحكمة بالقضاة فقط، خلافاً للمادة أعلاه التي تشترط مراعاة التشكيلة المختلطة للمحكمة من (القضاة + فقهاء القانون+ خبراء الفقه الإسلامي).

2- عدم مراعاة مشروع القانون في تسمية أعضاء المحكمة الاتحادية قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية بالعدد 4/5 الهيئة العامة/2020 الصادر في 17/3/2020 المتضمن إلغاء الحكم بإلغاء المرسوم الجمهوري بتسمية القاضي الاحتياط في عضوية المحكمة الاتحادية العليا، بسبب عدم الوقوف على رأي مجلس القضاء الأعلى بشأن الترشيح، إذا ما علمنا أنَّ الامتناع عن تطبيق قرارات القضاء يشكل جريمة تنطبق وأحكام المادة (329) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل.

3- لم يتضمن مشروع القانون معالجة مسألة تحديد عمر رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا في الاستمرار بالخدمة وتحديدها بإكمال السن القانوني للإحالة إلى التقاعد المحدد في قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014 أو قانــون تمديـد خدمـة القضـاة رقـم (39) لسنــة 2012، الذي حدد في المادة (1/أولاً) منه هذا العمر لرئيس وأعضاء محكمة التمييز بإكمال أي منهم الـ(68) الثامنة والستين من العمر بناءً على الحاجة وبتقرير طبي يؤيد قدرته البدنية والذهنية، وهو الأمر الذي نرى وجوب إضافته إلى مشروع القانون قبل التصويت عليه، تطبيقاً لمبدأ مساواة جميع القضاة أمام القانون وفق المادة (14) من الدستور، ومن ثم تحديد عمر رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بـ (٦٨) عاماً، وأسوة بأقرانهم من القضاة العاملين في محكمة التمييز الاتحادية ، وبالأخص إذا ما علمنا أنَّ بعض أعضاء المحكمة الاتحادية العليا قد ناهز عمرهم (94) سنة.

4- لأن تأملنا المادة (١/أولاً) من مشروع القانون نجد أنها تطرقت إلى تسمية أعضاء جدد للمحكمة، وكذلك إضافة أعضاء احتياط في المحكمة، وهو الأمر الذي يتوجب معه مراعاة نصاب انعقاد جلسة مجلس النواب الذي اشترطته المادة (92/ثانياً) من الدستور المتمثل بـ (أغلبية ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب).

5- كما أنَّ المادة (1/ثانياً) من مشروع القانون منحت اقتراح ترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا إلى المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، ولا يوجد سند دستوري وقانوني لتقديم (المحكمة الاتحادية العليا) على (مجلس القضاء الأعلى)، فمع الاقرار بتمتع المحكمة الاتحادية العليا بالاستقلال الإداري والمالي وفق المادة (91/أولاً) من الدستور، نجد بالمقابل تمتع مجلس القضاء الأعلى بالاستقلال ذاته في المواد (19/اولاً) و(87) و(88) من الدستور، وكذلك المادة (1) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم (45) لسنة 2017[1].

6- من الناحية الدستورية فإنه ليس بالإمكان التسليم المطلق للمحكمة الاتحادية العليا بالاستقلال الإداري التام في اختيار أعضائها من القضاة، يستوي في ذلك القضاة العاملين في محكمة التمييز الاتحادية أو قضاة الصنف الأول العاملين في المحاكم الأخرى، إذ إنَّ المادة (90) من الدستور منحت مجلس القضاء الأعلى الحق الحصري والاصيل في إدارة شؤون الهيئات القضائية، ومن بينها ترشيح أي قاضي للعمل خارج مجلس القضاء الأعلى أو تشكيلاته، يستوي في ذلك العمل في المحكمة الاتحادية العليا أو مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أو غيرها من الجهات الأخرى.

ولقد تم التأكيد على الاختصاص الحصري الممنوح لمجلس القضاء في المادة (91/اولاً) من الدستور، التي منحته إدارة شؤون القضاء والاشراف على القضاء الاتحادي.

وهو الامر الذي يمكن معه القول بعدم جواز اقتراح المحكمة الاتحادية العليا من تلقاء نفسها أي قاضي من العاملين في مجلس القضاء الأعلى، لتسميته عضواً في المحكمة الاتحادية العليا إلا بعد ترشيحه من مجلس القضاء الأعلى أو محكمة التمييز الاتحادية العليا باعتبارها الهيئة القضائية العليا في مجلس القضاء[2].

وأنَّ الاخذ بخلاف ما تقدم معناه إفراغ النصوص الدستورية المتعلقة بتوزيع الاختصاصات بين القضاء العادي والدستوري من جهة، فضلاً عن عدم المحافظة على استقلال مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية العليا من جهة أخرى.

وللخروج من هذا المأزق الدستوري والقانوني الذي تسببت به المحكمة الاتحادية العليا بسبب إصدار قرارها بالعدد (38) لسنة 2019 المتضمن عدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 فإننا نقترح الأخذ بأحد الحلين العاجلين الآتيين:

المقترح الأول: تعديل المادة (1) من مشروع القانون باعتناق اقتراح تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا من قبل مجلس القضاء الأعلى، كون الاستقلال الإداري الذي تتمتع به المحكمة ينهض بعد تعيين أعضاء المحكمة، وليس في المرحلة السابقة على ذلك.

الحل الثاني: تعديل المادة (١) من مشروع القانون بجعل اقتراح تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا مناطاً بمحكمة التمييز الاتحادية ومحكمة تمييز كوردستان-العراق، وفي حالة تعذر ذلك - بسبب كثرة عدد أعضائها- يصار إلى تشكيل لجنة مصغرة من بين قضاة محكمة التمييز الاتحادية ومحكمة تمييز كوردستان- العراق لترشيح القضاة - الأصليين والاحتياطيين - المناسبين للعمل في المحكمة الاتحادية العليا.

وبهذه الحلول المذكورة أعلاه نضمن عدم انتهاك مجلس النواب لنصوص الدستور والقوانين النافذة والقرارات القضائية من جهة، فضلاً عن المحافظة على مبدأ استقلال كلّ من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا في آن واحد، دون أنْ نغفل عن تحقق التكامل بين مكونات السلطة القضائية في العراق، باعتبارها السلطة المناط بها تطبيق سيادة القانون، وكذلك ضمان انتخابات عادلة ونزيهة لجميع أبناء الشعب العراقي بوجود محكمة اتحادية تراعى فيها الاعتبارات الدستورية والقانونية عند مصادقتها على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب وفصلها في صحة عضوية أعضاء المجلس.



[1] - تنص المادة (1) من قانون مجلس القضاء الأعلى (يؤسس مجلس يسمى ( مجلس القضاء الاعلى) يتمتع بالشخصية المعنوية و الاستقلال المالي و الإداري).

[2] - تنص المادة (12) من قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 المعدل على أنَّ (محكمة التمييز هي الهيئة القضائية العليا التي تمارس الرقابة القضائية على جميع المحاكم ما لم ينص القانون على خلاف ذلك).