التفاصيل
كورونا ودوره الكاشف لمديات النبل والفضيلة والصبر عند القضاة

كورونا ودوره الكاشف لمديات النبل والفضيلة والصبر عند القضاة

القاضي صباح الداوودي

2020-10-12 08:42:00

لا يخفى على أحد المديات الجسام من الخطورة على الأفراد والمجتمعات من الآثار التي ترتبت على ظهور فايروس كورونا والتي كانت إحداها إبتداءاً متمثلة في إضطرار الغالبية القصوى إن لم يكن الجميع قد آثروا الإنعزال وأتخاذ الحجر الأختياري درءاً لمخاطر الإصابة بها ,,
وربما كان إتخاذ هذا الحجر والإنعزال الإختياري والذي فرضته ظروف الخطر المحدق يبدو سهلا للقاريء وللمتكلم عنه إن حوصر ضمن إطار النظرية لكن من عاش الإنعزال الأختياري هذا ومن ذاق مرارة الإرتهان ضمن دائرة محبس المنزل خشية من الإستعداء بهذا المرض يشعر بمديات المرارة النفسية التي تولدت إثر ذلك ,,
إن أحدث الدراسات الطبية الحديثة تشير الى أن من التداعيات الخطيرة لهذا المرض المرعب وما ترتبت عليها من ظروف إتخاذ الحيطة والحذر وما تبعتها من الإلتزام الصحي البالغ وأتخاذ طريقة الإنعزال والحجر الإختياري هو أن الغالبية من البشر على الأرض سوف يعانون لأشهر طوال ولربما سنوات هاجس الخوف الذي وقر في الأنفس لا بسبب الإصابة بالمرض هذا وإنما بسبب الحجر والإنعزال الأختياري وذلك لأن تلك العزلة تورث الكآبة وتزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض النفسية لا لشيء سوى ان الإعتزال والعزلة عن الناس لأشهر وضمن إطار المنزل سوف يولد الشعور بنوع من التوحد ونوع من الكآبة ورغم عدم إلمامنا بتفاصيل هذا الموضوع علميا لعدم اختصاصنا إلا أن المعروف بصورة عامة هو أن هجر الناس ولو جزئيا سوف يؤثر في الفرد وتجعله عرضة للإصابة بأمراض من أعراضها الإنزواء وحب الإنعزال ومن هنا وبعد هذه المقدمة التي كان لا بد منها يتبين للناس مدى خطورة عمل القاضي والمدعي العام والذي يوجب بطبيعته ويفرض عليهما عدم مخالطة بقية الأفراد في المجتمع والظهور والتواجد في الأماكن والتجمعات العامة في المجتمع إلا في حدود معينة ما يعني أنه عمل يوجب ويفرض نوعا من الإنعزال على من يضطلع به ,,
لكن ورغم المحاذير ورغم الشروط الصعبة ورغم تقيد القاضي وعضو الإدعاء العام بتلك الشروط إلا أننا نرى بأنهم يتأقلمون مع وقت قصير مع هذه الحياة التي قوامها التقليل البالغ في العلاقات الإجتماعية وتقييد بالغ للكثير من الحريات الشخصية والحركة ضمن الحدود الدنيا داخل المكان - رغم صلاحياتهما السلطوية العالية والواسعة - لكن هذا التأقلم بدوره سوف يؤدي الى تأثر بقية أفراد الأسرة , أسرة القاضي والمدعي العام بنمط حياة أبيهم القاض أو المدعي العام وهو تأثر سوف يلازمهم طويلا وربما يؤثر في توجيه مسار حياتهم لاحقا ,,
إن المقصود من إجراء مقارنة ضمنية بين الواقع الذي فرضته ظروف ظهور فايروس قاتل في العالم على حياة الأفراد من جهة وبين الواقع الحياتي للقضاة والإدعاء العام في عموم المجتمعات الإنسانية في العالم هو القول بأن القضاة هم أناس يعيشون حياتاً صعبة وليست مرفهة كما يتصورها البعض وهم معرضون للكثير من الأمراض الجسدية والنفسية بسبب طبيعة عملهم الخاصة ولاتتوقف النتائج والآثار السيئة من جراء نمط الحياة المعينة هذه عليهم فحسب وإنما تتعدى لتشمل أولادهم وفلذات أكبادهم الذين تُفرض عليهم ظروف الحيطة الأمنية والأعراف الخاصة بعمل القضاة والمدعين العامين والحذر من التخالط الإجتماعي الواسع النطاق ولتحديد وتقييد وتحييد واضح في حريتهم ,,
ولهذا يمكن القول بأن ظهور الكرونا قد كشف عن مدى شجاعة القضاة ومدى أصطبارهم على نمط معيشة معين ظهر للناس فجأة بأنه نمط معيشة قاس جدا وليس من السهولة بالإمكان التأقلم معه من بقية البشر ,هذا من جهة , ومن جهة اخرى تبين للقضاة والعاملين في سلك القضاة بأنهم ومن خلال سعيهم للمحافظة على هيبة العمل القضائي وإتخاذهم التقيد بنمط عيش محدود الحرية سواءا جغرافيا ومكانيا او حتى كميا ونوعيا بأنهم يرزحون تحت طائلة حمل ثقيل في الحياة وهو حمل وأمانة ورسالة ثقيلة ومما تنوء الجبال عن حملها ما يعني في النتيجة بأنهم إن أحسنوا وأستقاموا أكثر فلا شك أنهم من ورثة الأنبياء مقاماً ومكانة عند الله والله أعلم ,,
لهذا ومثلما يُقال بأن لكل ضارة نافعة ومثلما جاء في محكم التنزيل (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) فإنه يمكن القول بأن ظهور هذا الوباء العالمي الفتاك قد بين من ضمن ما بين مدى علو وسمو مكانة القضاة ومدى صبرهم وشدة إصطبارهم وأحتمالهم لأعباء الحياة الثقيلة وهو أصطبار يجب على المجتمعات والدول عموما النظر اليها بإحترام أكثر وبعرفان بالجميل أغزر مثلما يجب عليهم أن يقفوا ويفكروا الف مرة قبل الإقدام على وصف معيشة القضاة بأنها عيشة ملوك أو أثرياء إذ أنهم يدفعون ثمن تلك العيشة المنمطة بالدرجات الدنيا من الحرية في كل شيء غاليا من عمرهم ومن عمر أولادهم وأسرهم ,,
ولهذا أيضا يجب أن تعمل الحكومات والمجتمعات على توفير كل سبل سد حاجات القضاة ضمن الإطار القانوني حتى يتم تقدير تضحياتهم حق قدرها وفي هذا الإتجاه يجب على الدول والمجتمعات العمل على إصدار القوانين التي تكفل وتضمن الحياة الكريمة لأسر وأطفال القضاة وربما كان أول خطوة في ذلك الإتجاه يتمثل في ضرورة عدم المس برواتب القضاة تحت أي ظرف كان وسواءا للمستمرين في الخدمة أو للمتقاعدين عنه والعمل على سن تشريعات تضمن بقاء رواتبهم التقاعدية حتى بعد مماتهم ليستلمها اولادهم حتى بعد بلوغهم سن الرشد وذلك أقل ما يمكن على الدولة تقديمه لهم لقاء ما يعانونه في حياتهم وهي معاناة ليست مادية حتما بقدر كونها معنوية نفسية تعشعش في كيانهم الى أمد طويل .