التفاصيل
أصدقاء المحكمة

أصدقاء المحكمة

القاضي أريج خليل

2020-11-02 11:10:00

مع سيادة مظاهر الديمقراطية في العديد من الدول المتقدمة بدأت تأخذ هذه الدول بأنظمة قضائية تتفق مع نظامها الديمقراطي وقضائها المستقل وخاصة بما يتعلق بتعزيز دور الرقابة الشعبية على العمل القضائي .. ويعتبر نظام صديق المحكمة من الأنظمة المتطورة التي اخذت بها العديد من الدول المتقدمة، ونظام أصدقاء المحكمة هو نظام قانوني اجرائي اخذت به الدول التي تتبع النظام الانكلوسكسوني في نظامها القضائي.

ونظام اصدقاء المحكمة يكون فيه للافراد سواء كانوا اشخاصا ام جماعة دون ان يكونوا اطرافا اصليين في الدعوى ولا اشخاصا ثالثة الحق في ان تستنير المحكمة بمعلوماتهم خلال سير اجراءات الدعوى سواء في مسائل تتعلق بالواقع ام بالقانون، حيث يكونوا مدعوين اثناء سير المرافعة بغية تقديم المعلومات والمطالعات القانونية والواقعية لمساعدة القاضي في استيعاب كافة ابعاد النزاع المعروض عليه وتبصيره بالعديد من الجوانب التي قد لا يسعفه علمه او خبرته القانونية في الوقوف عليها وذلك في الاحوال التي يكون فيها الحكم القضائي ماسا بفئة واسعة من الأشخاص في المجتمع او تعلق الحكم القضائي بالشأن العام او المصلحة العامة، فالقاضي يكون مدركا لأهمية القرار الذي سيصدره ومدى جوانب تأثيره على المجتمع ككل، وقد تكون ثقافته العامة غير كاملة من الناحية الواقعية فهو ليس إلا بشرا معرضا للخطأ والنسيان وقد يكون لديه رأيه الخاص وقناعته في مسألة تتعلق بالصالح العام، فاذا كان النزاع المعروض على القاضي يتعلق بمصالح متعارضة لطرفين الا ان تأثير الحكم الذي سيصدر يتعلق بمصلحة مجتمع وسياسة بلد هنا يجب ان لا يقتصر دور القاضي على الموازنة بين المصالح المتعارضة لطرفي الدعوى وانما يكون من العدالة ان يستمع القاضي لرأي ومطالعات اشخاص ليس لهم مصلحة شخصية ومباشرة في الدعوى لتنوير القاضي حول مدى تأثير حسم النزاع لصالح أحد الاطراف على المصلحة العامة ومصالح المجتمع الذي ينتمون اليه بما يملكون من خبرات وتجارب في هذا الشأن فيكون الحكم القضائي في هذه الحالة ليس عنوانا للحقيقة فحسب بل هو عنوان جديد لتطبيق القانون ورصانة الأحكام وتمييزها ودقتها وتقدير العواقب المحتملة لها في اطار الصالح العام.

لذلك يكون هذا النظام مهما ويمثل نوعا من الرقابة الشعبية على عمل القضاء خاصة وان هناك احكاما قضائية ذات ابعاد قانونية واجتماعية وسياسية وخاصة تلك التي تصدر في القضايا الدستورية كقضايا الانتخابات وقضايا تعويض الأضرار والقضايا المتعلقة بحرية التعبير عن الراي، فجميع هذه المسائل ترتبط ارتباطا وثيقا بالمصلحة العامة ولا يقتصر تأثير الحكم الصادر فيها على الاطراف المتنازعة وهذا النظام يمثل آلية من آليات التمكين الديمقراطي للمجتمع المتمثل في إعمال أحكام القانون وتحقيق المشاركة الشعبية في صنع القرار.

ان تطبيق نظام اصدقاء المحكمة في المحاكم الاتحادية العراقية ينصدم بعقبات كبيرة تثيرها النصوص القانونية والمبادئ العامة المطبقة في العمل القضائي، حيث ان الدعوى وفقا لقانون المرافعات المدنية العراقي هي ملك الخصوم وهم وحدهم من لهم الحق في اثارة الخصومة او تسييرها او انهائها باعتبارها ملكا لهم، كما ان شرط المصلحة هو شرط اساسي لقبول الدعوى والمصلحة يجب ان تكون قانونية وحالة وشخصية ومباشرة وقائمة، وهذا لا يتناسب مع جدوى ادخال اصدقاء المحكمة التي تكون مصلحتهم عامة وغير مباشرة، كما ان هذا النظام يتعارض مع مبدأ حياد القاضي لان القانون العراقي لا يجيز للقاضي ان يؤسس قناعته الا على أدلة الإثبات، هذا فضلا الى ان قانون العقوبات العراقي اصلا قد جرّم فعل التأثير على القضاة واعتبره من الجرائم الماسة بسير القضاء في قانون العقوبات النافذ مما يجعل هناك صعوبة قانونية في تطبيق هذا النظام في نطاق المحاكم الاتحادية.

وحيث ان الغاية من تدخل اصدقاء المحكمة هو لمساعدة المحكمة وتنويرها حول كثير من الأوجه الواقعية والقانونية للنزاع وان السماح بهذا التدخل يمثل مظهرا من مظاهر الديمقراطية وتحقيق المشاركة الشعبية والانفتاح القضائي على المجتمع المدني والتمكين له وتحقيق اليقين القانوني وارساء حكم القانون من وجهة نظر الجماعة في الأحكام القضائية الماسة بالمصالح العامة، حيث اصبح هذا النظام نظاما دوليا قد اتبعته العديد من الدول والأنظمة القضائية ونجده مثالا واقعيا للديمقراطية والرقابة الشعبية ويمكن تطبيقه في العراق في اطار القضاء الدستوري كون ان قرارات المحكمة الاتحادية العليا وتفسيراتها تتعلق بالصالح العام وان أحكامها مؤثرة وتحمل أبعادا اوسع من مجرد منازعة شخصية ولمصالح خاصة بين طرفين او خصمين وان قراراتها باتة وتتعلق بقضايا رأي عام لذلك يجب ان تكون رصينة لما لها من تأثير على المجتمع لذلك ونحن في مرحلة اصدار قانون جديد للمحكمة الاتحادية العليا فان المشرع عليه ان يهتم بهذا النظام الدولي التشاركي خاصة وان نظام اصدقاء المحكمة هو نظام اجرائي اثبت نجاحا كبيرا في عدد من الدول المتقدمة منها الولايات المتحدة الامريكية التي قبلت مذكرات اصدقاء المحكمة من منظمات حقوق الانسان في تفسير التعديلات الواردة على الدستور الامريكي وفي قضايا الحق في حيازة وحمل السلاح وانكلترا التي قبلت مذكرات اصدقاء المحكمة بالقضايا المتعلقة بالهجرة وفرنسا قبلتها في القضايا المتعلقة بالصحة العامة وكذلك قبلت مطالعاتهم في قضية مصيرية تتعلق باتخاذ قرار حاسم في قضية القتل الرحيم ورفع الاجهزة عن الاشخاص الميؤوس من شفائهم.