التفاصيل
إرادة القاضي في إصدار الحكم القضائي

إرادة القاضي في إصدار الحكم القضائي

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2020-11-02 11:19:00

جاء قانون المرافعات المدنية بقواعد اجرائية لتنظيم العملية القضائية في الدعوى المدنية, لما للاجراءات من اثر كبير في نتاج العملية القضائية, ولكن وان كان حقيقة قانون المرافعات المدنية تنظيم الاجراءات, الا انه ينظم الى جانب ذلك قواعد اخرى تتعلق بموضوع الدعوى, ما يعني انه يتجاوز تنظيم الاعمال الشكلية ليشمل الجوهرية منها ويعيد للقانون فاعليته عن طريق الحكم القضائي او الرأي القضائي.

والسؤال الذي يثار بهذا الصدد هل يُعد اصدار القاضي للحكم القضائي عملا اراديا؟.

معلوم ان الارادة تكتسب اهمية خاصة في نظر القانون بوصفها ظاهرة ذاتية لما ترتبه من آثار في اطار المسؤولية, ما حدا بالفقه ان يصنف الوقائع القانونية وفقا لدور الارادة فيها, فقد تكون وقائع طبيعية او قانونية او تصرفا قانونيا, مما ادى الى اختلاف الرأي الفقهي بشأن ارادة القاضي في اصدار الحكم القضائي وقيلت بذلك نظريات.

فالنظرية التقليدية تنكر ان قرار الحكم هو اعلان عن ارادة القاضي, وتراه انه مجرد تقرير او تأكيد لحقيقة قائمة وهي ارادة القانون فهو عمل ذهني من القاضي من خلاله يقوم بتقديرات وعمليات منطقية لحل قياس منطقي, المقدمة الكبرى وهي القاعدة القانونية, والمقدمة الصغرى وهي الوقائع دون ان يكون لارادته شأن في هذا الحل لانه يعبر عن ارادة القانون دون ارادته الذاتية. وما يعيب هذه النظرية وفقا لرأي النقاد انها لا تفسر القوة الملزمة او المقيدة للعمل القضائي بوصفه الواقعة الاساسية المنشئة لهذا الالزام ما يعني انه يتضمن بذاته هذا الامر.

في حين ترى النظرية المركبة ان العمل القضائي يتكون من ثلاثة عناصر, الادعاء, الحل الذي يعطيه القاضي لهذه المسألة, ثم القرار وهو نتيجة منطقية لهذا الحل واذا كان حل القاضي للمسألة القانونية عمل ذهني فان القرار الذي يتبعه عمل ارادي, فالحل يبقى دون اثر ان لم يكن متبوعا بهذا القرار.

في حين تذهب النظرية المختلطة الى ان ما يقوم به القاضي عمل ذهني يعلن فيه تفكيره في حل مسألة نزاع, وهذا الرأي يقيد ذوي الشأن ويلزمهم, مع انه ذو طبيعة نسبية وليس اكيدا في ذاته. فهنا يتدخل القانون ليمنح هذا الرأي قيمة آمرة, فالقاضي لم يفعل سوى رأيه, في حين ان المشرع يأمر بان ما قضى به القاضي يسري كما لو كان هو الذي امر به.

اما نظرية الارادة فترى ان العمل القضائي كعمل بسيط عبارة عن امر او اعلان عن ارادة. فالحكم عمل من اعمال الارادة وجوهر الحكم القضائي هو الصياغة الآمرة, اما النشاط العقلي الذي يقوم به القاضي ليس سوى تقرير للمفترضات القانونية لعمله وعملية التفكير ليس سوى سابقة على عمل القاضي بإصدار العمل القضائي دون ان يكون له تاثير في طبيعته ويظل عمله اعلان عن ارادة.

ونرى ان الفصل في موضوع النزاع المعروض على القاضي يُعد اهم الاجراءات القضائية كونه الرأي القانوني للقاضي في الحالة الواقعية وبيان حكم القانون في حالة محددة يكتنفها التجهيل في عائدية الحق محل النزاع, فالقاضي يكيّف الواقعة محل النزاع تكيفا قانونيا معين,وان هذا التكيف المعين تنطبق عليه القاعدة القانونية فأذا ثبت ماتقدم امر بذلك التطبيق , والحكم القضائي وان كان رأي شخصيا انسانيا الا انه ليس رأي ذاتيا للطرف انما هو رأي غيّري محاط بالضمانات العضوية- المراد بالعضوية تشكيل المحكمة, اي بعبارة اخرى الشروط المطلوب قانونا توفرها في اعضائها- والاجرائية التي تكفل تبرئته من نقائص الرأي الذاتي وتضمن بالتالي توافقه مع القانون الموضوعي ثم تأتي حجة الامر المقضي لتقطع الطريق على اي رأي ذاتي مخالف للرأي القضائي.

ونتفق مع الرأي الذي يرى ان الحكم يتكون من عنصرين: عنصر التقدير وعنصر الامر, وليس لارادة القاضي من شأن في اي من العنصرين التقدير والامر اللذين يتكون منهما الحكم, فهو اذ يقوم بالتقدير انما يعتمد –بصرف النظر عن الاثبات الفعلي- على ذكائه ومنطقه وليس على ارادته وهو اذ يأْمر لا يعمل ارادته انما يعمل ارادة القانون التي يلتزم بحكم وظيفته بالامر على وفقها, ومما لا شك فيه ان القاضي يصدر الحكم بارادته, ولكن ارادة القاضي ليس هي التي تُكّون مضمون الحكم. ولهذا لا يمكن عد الحكم القضائي تصرفا قانونيا لان ارادة القاضي باصدراه لا تتجه الى احداث اثر قانوني معين بقدر الاتجاه الى الافصاح عن ارادة القانون الذي تتغيب معه الارادة في ترتيب اثاره.