التفاصيل
مبدأ جب العقوبة

مبدأ جب العقوبة

القاضي د. حيدر علي نوري

2020-11-02 11:23:00

  يعد مبدأ ﺟب اﻟﻌﻘوﺑﺔ في التشريع الجنائي، اﺳﺗﺛﻧﺎء ﻋﻠﻰ ﻗﺎﻋدة ﺗﻌدد العقوبات ﺑﺗﻌدد اﻟﺟراﺋم، الامر الذي يقتضي تحديد موقف المشرع العراقي منه وشروطه والجهة المختصة بتطبيقه، كما يلي :

اولا – موقف المشرع العراقي:

  ﻧﺻت اﻟﻔﻘرة (ج) ﻣن اﻟﻣﺎدة (١٤٣) ﻣن ﻗﺎﻧون اﻟﻌﻘوﺑﺎت انف الذكر ﻋﻠﻰ أن : ( ﺗﺟب ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن ﺑﻣﻘدار ﻣدﺗﻬﺎ ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺣﺑس اﻟﻣﺣﻛوم ﺑﻬﺎ لجريمة وقعت ﻗﺑل اﻟﺣﻛم ﺑﻌﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن اﻟﻣذﻛورة ( ويستدل من النص انف الذكر ما يلي :

1-ان ﻗﺎﻋدة اﻟﺟب جاءت على سبيل الاستثناء من اﻟﻘﺎﻋدة الرئيسية، وﻫﻲ ﺗﻌدد اﻟﻌﻘوﺑﺎت ﺑﺗﻌدد اﻟﺟراﺋم، ولذا يجب العمل بهذا الاستثناء وفقا لأسس ومعايير وشروط ﻣﺣددة ﻟﺗطﺑﯾﻘﻪ، الامر الذي يقتضي عدم التوسع فيه، للحيلولة دون تعارضه ﻣﻊ اﻟﻘﺎﻋدة اﻻﺻﻠﯾﺔ .

2-ان تطبيق قاعدة الجب، يقتضي توافر ثلاثة شروط، الاول : أن ﺗﻛون اﻟﻌﻘوﺑﺔ ﻣوﺿوع اﻟﺟب ﻋﻘوﺑﺔ ﺳﺎﻟﺑﺔ ﻟﻠﺣرﯾﺔ، اما الثاني : أن ﺗﻛون اﻟﺟريمة اﻟﺗﻲ ﺣﻛم ﻋﻧﻬﺎ ﺑﺎﻟﻌﻘوﺑﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﺷﻣﻠﻬﺎ اﻟﺟب ﻗد وﻗﻌت ﻗﺑل اﻟﺣﻛم ﺑﺎﻟﻌﻘوﺑﺔ اﻻﺷد، بغية ﻋدم التشجيع ﻋﻠﻰ اﻻﺟرام، ويكمن الشرط الثالث : بأن ﺗﺟب ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن ﺑﻣﻘدار ﻣدﺗﻬﺎ ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺣﺑس اﻟﻣﺣﻛوم ﺑﻬﺎ ﻋن ﺟريمة وﻗﻌت ﻗﺑل اﻟﺣﻛم ﺑﻌﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن.

3-ان اﻟﻣﺷرع اﻟﻌراﻗﻲ ﺣﺻر ﻗﺎﻋدة اﻟﺟب ﺑﻌﻘوﺑﺗﻲ اﻟﺳﺟن واﻟﺣﺑس .

4-لا يجوز الجب في العقوبات سالبة الحرية المؤقتة المتشابه، ﻛﻣﺎ لا يجوز ايضا اذا ﻛﺎﻧت اﻟﻌﻘوﺑﺔ ﻏراﻣﺔ أو الإعدام .

5-يشترط لتطبيق قاعدة الجب ان ﺗﻛون اﻟﺟريمة اﻟﺗﻲ ﺣﻛم ﻓﯾﻬﺎ ﺑﻌﻘوﺑﺔ اﻟﺣﺑس ﻗد وﻗﻌت ﻗﺑل اﻟﺣﻛم ﺑﻌﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن، ﻻن ﺳرﯾﺎن اﻟﺟب ﺣﺗﻰ ﺑﺎﻟﻧﺳﺑﺔ ﻟﻠﺟراﺋم اﻟﺗﻲ ﺗﻘﻊ ﺑﻌد ﺻدور ﻫذا اﻟﺣﻛم ﻣن ﺷﺄﻧﻪ ان ﯾﺷﺟﻊ اﻟﺟﺎﻧﻲ ﻋﻠﻰ ارﺗﻛﺎب ﺟراﺋم اﺛﻧﺎء ﺗﻧﻔﯾذ ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن.

6-ان ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن ﺗﺟب ﺑﻣﻘدار ﻣدﺗﻬﺎ ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺣﺑس، فلا ﯾﺗﺣﻘق اﻟﺟب ألا ﺑﻣﻘدار ﻣدة اﻟﺳﺟن، اي ﺑﻣﺎ ﯾﺳﺎوي ﻣدﺗﻪ ﻣن اﻟﻌﻘوﺑﺎت اﻟﺗﺎﻟﯾﺔ ﻟﻪ، كالحبس ﺑﻧوﻋﯾﻪ اﻟﺷدﯾد واﻟﺑﺳﯾط، فإذا ﺗﻌددت ﻫذﻩ اﻟﻌﻘوﺑﺎت اﻷخيرة، ﻓﺄن ﻋﻘوﺑﺔ اﻟﺳﺟن ﺗﺟب ﺑﻣﻘدار ﻣدﺗﻬﺎ ﻣن ﻣﺟﻣوع ﻣدد اﻟﺣﺑس، لا ﻣن ﻛل واﺣدة ﻣﻧﻬﺎ ﻋﻠﻰ حده، وﺗﺟب ﺑﺣﺳب الترتيب ﻓﻲ اﻟﺷدة، ﻓﻬﻲ ﺗﺟب اﻟﺣﺑس اﻟﺷدﯾد أولا، ﻓﺈن زادت ﻋﻧﻪ فإنها ﺗﺟب بباقي مدتها، ﻣدة ﻣﺳﺎوﯾﺔ ﻣن اﻟﺣﺑس اﻟﺑﺳﯾط.

 ثانيا - اﻟﺟﻬﺔ اﻟﻣﺧﺗﺻﺔ ﺑﺗطﺑﯾق ﻗﺎﻋدة ﺟب اﻟﻌﻘوﺑﺔ :

 من خلال نص المادة (143/ج) من قانون العقوبات المشار اليها انفا يتضح ان المشرع العراقي تطرق الى ﻗﺎﻋدة ﺟب اﻟﻌﻘوﺑﺔ وبين اﻟﺷروط واﻟﻣﻌﺎﯾﯾر اﻟﺗﻲ يجب ان يتم الاستناد اليها عند ﺗطﺑﯾقها  إلا انه لم يبين اﻟﺟﻬﺔ المختصة بتنفيذ ﻫذﻩ اﻟﻘﺎﻋدة، الامر الذي ادى اﻟﻰ ظهور ﺛﻼث اﺗﺟﺎﻫﺎت فقهية لتحديدها، تكمن بما يلي :

1- ﺗطﺑﯾق ﻗﺎﻋدة ﺟب اﻟﻌﻘوﺑﺔ، تعد ﻣﺳﺄﻟﺔ ﻣوﺿوﻋﯾﺔ ﺗﻘررﻫﺎ اﻟﻣﺣﻛﻣﺔ، وﻫذا راﺟﻊ اﻟﻰ اﻟﺳﻠطﺔ اﻟﺗﻘدﯾرﯾﺔ ﻟﻠﻣﺣﻛﻣﺔ، فإذا اﺧﺗﻠﻔت اﻟﻣﺣﺎﻛم ﻓﯾﻣﺎ ﺑﯾﻧﻬﺎ، على اساس ان اﻟﻌﻘوﺑﺎت ﻣﺗﻌددة ﺗﺑﻌﺎ ﻟﺗﻌدد اﻟﺟراﺋم، ﻓﺎن اﻟﻣﺣﻛﻣﺔ الاخيرة أو اﻟﻣﺣﻛﻣﺔ اﻟﺗﻲ ﻗﺿت ﺑﺎﻟﻌﻘوﺑﺔ اﻻﺷد ﻫﻲ ﺻﺎﺣﺑﺔ الاختصاص ﺑﺷﺄن ﻗﺎﻋدة اﻟﺟب.

2-تطبيق ﻗﺎﻋدة اﻟﺟب ﻫو ﻣن اﺧﺗﺻﺎص اﻟﻣؤﺳﺳﺔ الاصلاحية، ولا علاقة للمحاكم الجزائية بتطبيقه، وتأييد ذلك بإحدى قرارات ﻣﺣﻛﻣﺔ اﻟﺗﻣﯾﯾز اﻻﺗﺣﺎدﯾﺔ، الذي جاء فيه : (ان اﻟﻘﺿﺎء اﻟﻌراﻗﻲ ﻏﯾر ﻣﺧﺗص ﺑﺎﻟﻧظر ﻓﻲ ﺟب اﻟﻌﻘوﺑﺔ وإنما ﻫذا اﻻﻣر ﯾدﺧل ﺿﻣن اﺧﺗﺻﺎص اﻟﻣؤﺳﺳﺔ اﻻﺻﻼﺣﯾﺔ) .

3-ﺣﺎول فريق من الفقه، اﻟﺗوﻓﯾق ﺑﯾن اﻻﺗﺟﺎﻫﯾن اﻟﺳﺎﺑﻘﯾن، وذﻟك ﻣن ﺧﻼل ﺗﻌﯾﯾن ﻗﺎﺿﻲ داﺧل اﻟﻣؤﺳﺳﺔ اﻻﺻﻼﺣﯾﺔ ﯾﺳﻣﻰ ﺑﻘﺎﺿﻲ التنفيذ، وذﻟك ﺑﻬدف اﻟﺗﺧﻠص ﻣن ﻣﺷﺎﻛل ﻋدم ﺗطﺑﯾق ﻗﺎﻋدة اﻟﺟب داﺧل اﻟﻣؤﺳﺳﺔ اﻻﺻﻼﺣﯾﺔ .

 ونؤيد ما ذهبت اليه محكمة التمييز الاتحادية من رأي بخصوص الجهة المختصة بتطبيق قاعدة جب العقوبة، ذلك ان المؤسسة الاصلاحية هي المختصة بتنفيذ العقوبات المتعددة السالبة للحرية وهي الاقدر على معرفة اسبقية صدورها وما تم تنفيذه منها او انقضائها، الامر الذي يقتضي استيعاب شروط تطبيق قاعدة الجب من قبل المؤسسة الاصلاحية، استنادا لما نص علية المشرع العراقي، إعمالا لقرار محكمة التمييز الاتحادية انف الذكر، وبذلك فأن محكمة التمييز الاتحادية الموقرة ساهمت في اجتهادها المتعلق بتحديد الجهة المختصة بتطبيق مبدأ جب العقوبة من معالجة الفراغ القانوني الناتج عن سكوت قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل عن معالجة ذلك، ووضع حد للاجتهادات غير المبررة، ساعية بذلك الى تحقيق مبدأ وحدة التطبيق في المسائل المتشابهة، مؤكدة بذلك رصانة القضاء العراقي وقدرته في مواجهة الحالات المماثلة، بما يضمن تحقيق العدالة والمصلحة العامة في وقت واحد.