التفاصيل
هل يجوز نشر وعرض الجرائم في وسائل الإعلام ؟‎!‎

هل يجوز نشر وعرض الجرائم في وسائل الإعلام ؟‎!‎

القاضي صباح الداوودي - عضو الإدعاء العام في إقليم كُردستان العراق ,, السليمانية

2020-11-02 11:25:00

في الولايات المتحدة وأوربا التي تمتلك أنظمة قضائية وأجهزة تحقيقية قضائية متقدمة ‏يُمنع منعا باتا تسريب أية معلومات فضلا عن الصور تخص قضية او حادث يكون ‏موضوعا للتحقيق في جريمة ما ونشرها في وسائل الإعلام والاتصال العامة لأن هذا ‏يشكل جريمة مستقلة أخرى بحد ذاتها, مع ملاحظة أن هذا المنع موجود في قوانين ‏معظم دول العالم ومنها القانون العراقي الذي نص بعض مواد قانون العقوبات فيه ‏ومنها المادة (235) و(236) على عقوبات الحبس والغرامة لمن يقدم على تسريب او ‏نشر اية معلومات متعلقة في التحقيق في جريمة ما، هذا فضلا عن المحاذير والحظر ‏الذي تنص عليها نصوص من مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي المعدل ‏النافذ ومنها نص المواد(57) و(70)و(84) فضلا عن مواد أخرى وكلها تتضمن حظرا ما ‏سواء أكان صريحا ام ضمنيا على المساس بسلامة التحقيق في جريمة ما أو حسن سيره ‏وفق السياق القانوني هذا بالإضافة الى الكثير من القوانين الأخرى والتي تؤكد على ‏مسألة ضرورة المحافظة على الكتمان والسرية في بعض مراحل التحقيق وعلى الكثير ‏من القيود بشأن إباحة نشر اخبار عن التحقيق فيها كلا او جزءا هذا ناهيكم عن الدستور ‏الذي يحث كثيرا على ضرورة المحافظة على ضمانات وحقوق المتهم والذي يمكن ‏تلخيص هذه الإشارة اليها من ضمن المحاذير الخاصة بشأن ممنوعية ومحذورية نشر ‏وقائع التحقيق في جريمة ما على العلن وإن كانت الضمانات الدستورية تلك تتكلم عن ‏ضرورة المحافظة على حقوق المتهم فالمؤكد إن نشر صورة متهم ما في جناية او ‏جنحة ومهما بلغتا من درجات الجسامة إنما هو فعل جرمي بدوره ويشكل جريمة بحد ‏ذاته وانتهاكا صارخا ليس لحقوق المتهم وإنما هو من قبيل العبث بالأدلة في قضية ‏تحقيقية لغايات ربما تكون بعيدة جدا عن كل حكمة او نفع للمجتمع.

إننا اليوم في العراق إزاء حالة غريبة بدأت تستشري منذ سنوات وتكاد تصبح ظاهرة ‏عادية, وهي حالة عرض الجريمة المرتكبة من أحد الأشخاص على الجمهور العام ‏سواءً من خلال إظهار المتهم نفسه عبر وسائل اعلامية ليقدم هو شرحا مسهبا عن ‏كيفية اقترافه لجريمته او من خلال عرض الصورة المرئية الحية او الفيديو المحرز ‏لكاميرات المراقبة التي انتشرت الى حد كبير بحيث باتت حتى البيوت العادية لأناس ‏بسطاء يركبونها حول منازلهم بحيث تعرض المشاهد المحرزة تلك الأفعال الجرمية ‏التي قام بها الجاني ليشاهدها الآلاف ومئات الآلاف بل الملايين من الأفراد وهذه حالة ‏غريبة جدا إذا ما علمنا بأنه حتى لو كان العصر والزمان قد تبدل وتغير إلا أن قوانين ‏الدول بشأن ضرورات المحافظة على سلامة التحقيق وحسن سيره والمحافظة على ‏هيبة القانون والمحاكم والخصوصيات المتعلقة بطبيعة سير العمل القضائي لم تتغير ‏وهي أكثر من حدتها السابقة بهذا الخصوص لأن الأمر غير متعلق فقط بالأسباب أعلاه ‏بل يتعداها لتشمل محاذير المس بالحقوق الفردية الخاصة سواءً لأطراف الدعوى أو ‏المس بالشعور العام لجمهور الشعب فضلا لما تنتج من آثار سلبية غاية في الخطورة ‏في الانفس البشرية وهي أنفس متعددة مختلفة متباينة وليست كلها على قلب رجل واحد ‏من الشعور بالمسؤولية إزاء الأولويات في الحياة سواءً كانت إنسانية أو قانونية أو ‏متعلقة بأمن الأسرة والأمن الإجتماعي وحتىبالأمن العام للمجتمع‎.

إن كل جريمة إن شوهدت وقائعها فهي تحمل الكثير من الإثارة للمشاعر وإن كان ذلك ‏بدرجات متفاوتة تبعا لنوع الجريمة ومديات الجسامة فيها.‎

هنا في العراق وفي إقليم كُردستان العراق يُمنع قانونا منعا باتا عرض المحاكمات أو ‏عملية التحقيق في الجرائم وهذا المنع هو قانوني وعرفي معا وله من الفوائد ما يفوق ‏الأضرار، لكن في المقابل وبسبب تقدم وسائل الإتصال السمع - البصرية وبسبب وفرتها وبسبب ‏وفرة وتقدم وسيلة المراقبة المتمثلة بالكاميرات فإنه بات من السهولة واليسر مشاهدة ‏وقائع الجرائم وأحداثها.‎

إن عرض الجرائم ووقائعها كلا او جزءا هو أمر ممنوع في أمريكا وأوربا وتخضع ‏عمليات الإفراج عن الأشرطة لإجراءات قانونية صعبة وليس من المسموح لوسائل ‏الإعلام عرض كل محتوى صوري وفق رغباتها وإنما الأمر خاضع لإجراءات ‏وشروط غاية في الصعوبة لأن عرض الجريمة على عامة الناس يحمل جوانب سلبية ‏كثيرة ربما لا تتوقف عند حد تعلم الناس للجريمة أو الإيحاء النفسي لهم بذلك أو جرح ‏المشاعر واستثارتها وإصابة الفرد والمجتمع على السواء بالأمراض النفسية‎ .

حين حدثت جريمة قتل تلك العائلة العراقية الكُردية في بغداد عرض اعتراف الجاني ‏من قبل الفضائيات العراقية الكُردية هنا ثم لاحقا من قبل الفضائيات العراقية الأخرى ‏في بغداد, هذه العملية خطأ فادح , لا بل إنه يشكل جريمة وفق قانون العقوبات، وهذه الأيام وقعت الجريمة التي هزت كيان مجتمعنا بقيام تلك المرأة المنكوبة برمي ‏أطفالها في نهر دجلة من أعلى الجسر, تم عرض مشاهد الجريمة على الناس والجمهور ‏العام!!,, علماً إن الأداة المستخدمة في التصوير هي كاميرات مراقبة حكومية ‏وخاضعة لسلطات الدولة, من سمح ومن منح الأذن بعرض المحتوى المصور هذا ‏؟‎!,,‎

بالله عليكم هل يُعقل عرض هكذا مشاهد على الجمهور العام وعلى أفراد الشعب ؟‎!,,!,,‎

قبل شهر من الآن تحديدا أقدمت امرأة المانية على جز عنق أطفالها الخمس وفر ‏السادس منها وأخبر السلطات هناك بالجريمة المروعة تلك التي أقدمت عليها أمهم غير ‏السوية تلك وفق كل المعايير لترتكب عدة جرائم جنائية جسيمة ومروعة وبحق أطفالها ‏ليهز خبرها المنشور كتابة فقط مشاعر الخلق عبر العالم كله لكن من منكم شاهد صورة ‏الأم الجانية تلك؟,, ألا تتوفر كاميرات مراقبة في ألمانيا أيضا؟! , ألا يتوفر لدى ‏المحقق وضابط الشرطة الألماني جهاز موبايل ايضا ليصور تلك الأم الجانية أثناء ‏تحقيقه معها ؟‎!,,!,,‎

من منكم شاهد ولو صور بسيطة مسربة للضحايا ؟‎‎

لا أحد ,,السبب هو لأن السلطات الألمانية والقانون الألماني مثل بقية قوانين الدول عبر ‏العالم ومنها القانون العراقي يمنع عرض هكذا صور ومشاهد لأن ذلك إضافة لكونها ‏تشكل خطرا وضررا بالغا على التحقيق في القضية المراد التحقيق فيها فإنها تشكل ‏جريمة أخرى مستقلة بحد ذاتها.‎

لكن ما يحدث هنا في العراق وفي إقليم كُردستان العراق هو ان لا احد يأبه بهكذا ‏محاذير , أي أن الغالبية هنا تتشوق لمشاهدة العرض الممنوع وفي الغالب يتولى بعض ‏الأشخاص داخل الأجهزة المختصة والسلطات المختصة عرض المحتوى الممنوع ‏ويتولى مخالفة القانون بنفسه في خطوة أقل ما يُقال عنها بأنها غير مسؤولة وغير ‏مقدرة للنتائج والآثار السلبية ولا نعلم هل إن الأجهزة غير المقدرة للنتائج السلبية تلك ‏تريد أن تقول للناس بأنها تمتلك كاميرات ذات جودة عليا وأكثر تقنية من الكاميرات ‏الألمانية ؟‎! ,,‎

أم أنها سعيدة بتبجحها بشيء ما ؟,, هل القيام بالواجب القانوني والوظيفي يستدعي ‏النشر والإذاعة ؟!, إن الاستمرار في هذا النهج غير المقدر للمسؤولية والمخالف ‏للقانون اصلا سوف يؤدي الى إلحاق أضرار بالغة بطبيعة الإنسان العراقي ونفسيته ‏وسوف تزداد الهوة والشقاق في جدار الثقة بالقانون من قبل أفراد المجتمع, إذ أننا ‏سوف نصل في النهاية جميعا الى حقيقة طغيان الجانب السلبي على الجانب الإيجابي, ‏فعلى سبيل المثال لا تستطيع سلطة القانون عرض مشهد إعدام الجاني القاتل مثلا على ‏الجمهور العام بل تكتفي بنشر خبر إعدامه هذا في وقت كانت جريمة الجاني قد ‏عرضت على الجمهور العام وعبر وسائل الإتصال والإعلام العامة, أي أننا سنكون ‏إزاء حالة الجريمة المعروضة بالصورة والصوت والكتابة وفي المقابل هنالك عقاب ‏غير مرئي وغير ظاهر للجمهور العام ,,وهذا ما سيؤدي الى زيادة الفجوة بين الناس او ‏الأفراد والقانون‎.

من هنا يتبين لك سبب زعزعة الثقة لدى الناس بالقانون ,, فالقانون المتمثل بالمحاكم ‏ووقائعها ممنوعة من العرض ,,بينما الجريمة معروضة على الجمهور العام‎ !! ,,‎

أي أن صورة الجريمة موجودة لكن العقوبة غائبة على الأقل من حيث الصورة‎.

لهذا كله يجب إصدار التعليمات المناسبة من قبل السلطات المختصة سواء في العراق ‏أو إقليم كُردستان العراق الى الجهات المختصة وتذكرتها بالامتناع عن نشر وقائع ‏الجرائم في وسائل الاتصال والإعلام إلا في الحدود المسموح بها وبعد إذن الجهة ‏القضائية المختصة وضمن الحدود المسموح بها قانونا وهذا ما يؤكد عليه الدستور‎ . ‎