التفاصيل
‏ ‏التعليق على حكم المحكمة الاتحادية العليا ذي العدد 38 / اتحادية / 2019

‏ ‏التعليق على حكم المحكمة الاتحادية العليا ذي العدد 38 / اتحادية / 2019

القاضي غالب عامر الغريباوي / رئيس محكمة استئناف واسط الاتحادية /رئيس جمعية القضاء العراقي

2020-12-17 11:12:00

القاضي غالب عامر الغريباوي  

رئيس محكمة استئناف واسط الاتحادية  / رئيس جمعية القضاء العراقي 

تتلخص الوقائع في قيام أحد الأشخاص بإقامة الدعوى أمام المحكمة الاتحادية العليا بصفته مدعياً على المدعى عليهما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب إضافة إلى وظيفتيهما يطعن فيها بعدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي أصدرته السلطة الوطنية بالأمر التشريعي رقم 30 لسنة 2005 لأنها أصبحت مخالفة لأحكام الدستور حيث أعطت صلاحية ‏لمجلس القضاء الأعلى بترشيح رئيس وأعضاء ‏المحكمة والتي عطلت بشكل ضمني بموجب قرار المحكمة الاتحادية رقم 19 /اتحادية / 2017 ‏في 11‏/4‏/2019 والقاضي بعدم دستورية المادة (3) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة 2017.

طلب وكيل المدعى عليه الأول رئيس الجمهورية إضافة إلى وظيفته رد الدعوى عن موكله لعدم توجه الخصومة ‏استنادا إلى أحكام المادتين (4و80) من قانون المرافعات المدنية فيما طلب وكيل المدعى عليه الثاني رئيس مجلس النواب إضافة إلى وظيفته رد الدعوى كون وكيلا المدعي لم يبينا ولم يثبتا مصلحة موكلهما من اقامة الدعوى.

وبعد ان وجدت المحكمة ان الدعوى قد استكملت قررت افهام ختام المرافعة بتاريخ 21 / 5 /2019  وافهمت قرارها علنا في ذات اليوم والذي تضمن:

اولا: الحكم برد الدعوى عن المدعى عليه الاول رئيس الجمهورية اضافة لوظيفته لعدم توجه الخصومة استنادا لأحكام المادة (4) مرافعات مدنية.

ثانياً: الحكم برد دفوع المدعى عليه الثاني رئيس مجلس النواب اضافة لوظيفته لعدم استنادها الى سبب من الدستور والقانون.

ثالثاً: الحكم بعدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 بقدر تعلق الامر فيها بصلاحية مجلس القضاء الاعلى بترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية العليا والغاءه وذلك لمخالفته لأحكام المادتين (91/ ثانياً و92) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 واشعار مجلس النواب بتشريع مادة بديلة لها في قانون المحكمة الاتحادية العليا.

‏إن الحكم بعدم دستورية أي نص تشريعي يعني إصابة ذلك النص بعيب العوار الدستوري وهو عدم استيفاء النص التشريعي الأوضاع الشكلية والموضوعية ومخالفته لقاعدة او أكثر من قواعد الدستور.

أي أن العوار قد يكون شكليا او موضوعيا، وأن التحقق من استيفاء النصوص القانونية لأوضاعها الشكلية يجب ان تخوض به المحكمة قبل الخوض في العيب الموضوعي، كما ان الفقه والقضاء الدستوريين متفقين على ان الطعن بالعوار الموضوعي او الفصل فيه يكون دالاً بالضرورة على استيفاء النص لمتطلباته الشكلية وخلوه من العوار الشكلي.

وبالرجوع الى نصوص الوثيقة الدستورية بشكل عام والنصوص الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية بشكل خاص نجد ان الحكم الصادر من المحكمة بالعدد المذكور اعلاه قد تضمن الكثير من الاشكالات والمخالفات الدستورية والقانونية وأنتج اثاراً سلبية على استقلال القضاء والفصل بين السلطات وتسبب في فراغ دستوري وفوضى دستورية سيتم مناقشتها في البنود التالية:

اولاً: مخالفة الحكم للنصوص الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية

نظم المشرع الدستوري الاحكام الخاصة بالسلطة القضائية تنظيماً واضحاً في دستور 2005 ( وان كان لا يخلو من النقد في بعض نصوصه)، فقد خصص الفصل الثالث من الباب الثالث للسلطة القضائية ، وبدى حريصاً على استقلالها واستقلال قضاتها لان مبدأ استقلال القضاء نتاج نظرية عالمية مفادها الفصل بين السلطات لحماية الحقوق والحريات من التجاوز، لذا فقد حرص من خلال تلك النصوص على اظهار استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وتبيان كيفية تنظيمه وادارته بشكل عام، اذ نص في المادة (89) من الدستور(تتكون السلطة القضائية الاتحادية، من مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى التي تنظم بقانون) وبذلك فقد جعل المشرع الدستوري المحكمة الاتحادية احدى الهيئات المكونة للسلطة القضائية الاتحادية .

عاد المشرع الدستوري في المادة (90) ومنح مجلس القضاء الاعلى ادارة شؤون تلك الهيئات، واكد على ذلك في المادة (91) الخاصة باختصاصات المجلس اذ جاء في البند اولاً منها (ادارة شؤون القضاء والاشراف على القضاء الاتحادي) وجاء في البند ثالثاً صلاحية (اقتراح مشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية وعرضها على مجلس النواب للموافقة عليها).

ولا شك ان تلك الاختصاصات تجعل من مجلس القضاء الاعلى مختصًا ومسؤولاً عن ادارة شؤون جميع الهيئات القضائية المكونة للسلطة القضائية الاتحادية والمنصوص عليها في المادة (89) من الدستور بما فيها المحكمة الاتحادية.

الا ان المحكمة الاتحادية ترى ان استقلالها عن مجلس القضاء الاعلى قد تحقق وفقاً لما ورد في المادة (92/اولا) من الدستور والذي جاء فيه (المحكمة الاتحادية العليا هيئة مستقلة ماليًا وادارياً).

لاشك ان ما ذهبت اليه المحكمة الاتحادية في ذلك يعتريه الكثير من القصور في التفسير وفي الاطلاع على نصوص الدستور الاخرى التي يجب ان تكون المحكمة الاتحادية على دراية كاملة بها ، اذ ان مصطلح الاستقلال المالي والاداري قد ورد في اكثر من نص من نصوص الدستور ، فعلى سبيل المثال ورد في المادة (103/ اولا ) منه (ان البنك المركزي وديوان الرقابة المالية وهيئة الاعلام والاتصالات ودواوين الوقف ، هيئات مستقلة ماليًا وإداريًا) وقد نصت المادة 4 / ثانياً من قانون ادارة الوقف الشيعي رقم 57 لسنة 2012 على ان يعين رئيس ديوان الوقف باقتراح من مجلس الوزراء ، وقد تضمنت المادة ( 4 / ثانياً ) من قانون ديوان الوقف السني رقم 56 لسنة 2012 بأن تعيين رئيس ديوان الوقف السني يكون باقتراح من مجلس الوزراء ، وهذا هو الحال مع الهيئات المستقلة الاخرى .

الذي نراه ان الاستقلال المالي والاداري الذي قصده المشرع الدستوري للمحكمة الاتحادية هو استقلال فني اتجاه مجلس القضاء الاعلى يتمثل في ادارة شؤونها المالية فيما يخصص لها من موازنة السلطة القضائية ، وفي ادارة شؤون قضاتها وموظفيها من الناحية الادارية، كما انه استقلال يكرس الفصل بين السلطات اتجاه السلطات الاخرى ، ولا يمكن ان يفهم بأنه استقلال عن السلطة القضائية او خروجاً عن اشراف مجلس القضاء الاعلى ، وان من اولى خصائص الادارة والاشراف هو ترشيح رئيس واعضاء الهيئات المختلفة والمكونة للسلطة القضائية ومنها المحكمة الاتحادية، اما ما ورد في قرار الحكم من ان اختصاص مجلس القضاء الاعلى يقتصر على ترشيح العناوين القضائية الواردة حصرا في المادة ( 91 /ثانيا ) من الدستور وهم (رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الأشراف القضائي) فهو قول لا يمكن ان يستقيم مع صراحة ومضمون النصوص التي اشرنا اليها ، اضافة الى ان النص المتقدم لا يمكن ان يفيد بأن هذا الاختصاص هو اختصاص حصري يقتصر على العناوين المذكورة فقط ، والا لأورد المشرع الدستوري مصطلح "حصرياً" وهو ما دأب عليه عندما يريد ذلك كما فعل في نص المادة (110) الخاصة بصلاحيات السلطات الإتحادية اذ نص (تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية الاتية ).

ونرى ان تحديد المادة (91 / ثانيا) للعناوين المذكورة فيها، انما جاء لارتباطها بإجراء حاكم وهو موافقة مجلس النواب على قبول ترشيحهم وتعيينهم ، ولم يذكر رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية من ضمنهم لعدم اشتراط الدستور ذلك في تعيينهم لضمان استقلال تلك المحكمة لخصوصية عملها الذي يرتبط في جزء كبير منه بأعضاء السلطة التشريعية ومكوناتها السياسية، اذ اراد المشرع الدستوري بعدم اخضاع تعيينهم الى مجلس النواب لهذا السبب، وما يعضد قولنا بعدم ورود ذلك الاختصاص بشكل حصري هو اختصاص مجلس القضاء الاعلى بترشيح رؤساء محاكم الاستئناف الاتحادية دون النص على ذلك في المادة ( 91/ثانيًا) من الدستور اذ انهم يخضعون لذات الالية المتبعة في ترشيح وتعيين رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية.

كما ان الامثلة على اضافة اختصاصات لم ينص عليها الدستور لإحدى السلطات الاتحادية كثيرة ومتعددة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما نصت عليه المادة (20 / ثانيًا) من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 11 لسنة 2008 المعدل، من اختصاص مجلس النواب بحل مجالس المحافظات، رغم عدم وروده في نص المادة (61) من الدستور و الخاصة باختصاصات مجلس النواب، مما يعني جواز اضافة اي اختصاص لم ينص عليه الدستور لاي سلطة دستورية بموجب القانون الخاص بها، مالم ترد اختصاصاتها في الدستور بشكل حصري.

ثانيًا: مخالفة الحكم لأحكام المادة (130) من الدستور

كان من ضمن الاسباب التي اوردتها المحكمة في حكمها بعدم دستورية نص المادة (3) من قانون المحكمة النافذ فيما يتعلق باختصاص مجلس القضاء الاعلى في ترشيح رئيس و اعضاء المحكمة الاتحادية العليا ان النص المذكور قد صدر في ظل احكام قانون الدولة للمرحلة الانتقالية الملغى الذي كان ينص على ان يكون رئيس المحكمة الاتحادية رئيسًا لمجلس القضاء الاعلى، ولذا فلم تكن ثمة اشكالية في صلاحية مجلس القضاء في ترشيحه لرئيس المحكمة واعضائها، لكن الامر اختلف بعد صدور دستور عام 2005 الذي الغى قانون ادارة الدولة الذي صدر في ظله النص المطعون المذكور.

نرى ان ما ذهبت اليه المحكمة يتناقض واحكام المادة (130) من الدستور التي نصت على بقاء التشريعات النافذة معمول بها مالم تلغ او تعدل وفقاً لأحكام الدستور.

وهذا يعني وجوب استمرار العمل بالتشريعات التي صدرت في ظل قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية ما لم يصدر تشريع بإلغائها او تعديلها، وهذا ما اكدته ذات المحكمة في العديد من احكامها ومنها الحكم الصادر بالعدد 23 / اتحادية / 2005 في 29 / 2 /2006 القاضي بنفاذ قانون التقاعد المدني لعدم صدور تشريع بإلغائه او تعديله.

وحيث ان قانون المحكمة الاتحادية المفترض اصداره استنادا لأحكام المادة (92/ثانياً) من الدستور لم يشرع لحد الان وان قانونها الحالي رقم 30 لسنة 2005 لم يلغ او يعدل بأي تشريع، لذا يبقى معمولا بكافة احكامه استنادا لأحكام المادة (130) من الدستور، وهذا النص الدستوري هو السبب في استمرار عمل المحكمة منذ الغاء قانون ادارة الدولة ولحد الان.

هذا من جانب ومن جانب اخر فأن الفصل بين منصب رئيس مجلس القضاء الاعلى ومنصب رئيس المحكمة الاتحادية قد حصل فعلا بنفاذ قانون مجلس القضاء الاعلى رقم 45 لسنة 2017 مما يعني ان رئيس المحكمة الاتحادية كان يشغل منصب رئيس مجلس القضاء الاعلى منذ نفاذ الدستور في حزيران 2005 ولغاية كانون الثاني 2017 رغم ان الدستور قد نص على الفصل بين المنصبين كما اكدت ذلك المحكمة الاتحادية في حكمها، مما يعني عدم دستورية ذلك اذا ما سلمنا بمنطق المحكمة الاتحادية ، والا فلا يمكن تفسير ما ذهبت اليه المحكمة الاتحادية من تفسيرها للنصوص الا تبعا لتغير الاشخاص وليست تبعا لمبادئ الدستور والقانون.

ان تبدل موقف المحكمة الاتحادية من النص موضوع الحكم بتبدل الاشخاص كان واضحاً في الحكم الصادر عنها بالعدد 87 / اتحادية / 2013 في 16 /9 /2013 القاضي بعدم دستورية قانون مجلس القضاء الاعلى رقم 12 لسنة 2012 والغاءه بسبب حذف دور مجلس القضاء الاعلى في ترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية ، وفقا لما جاء في تسبيب الحكم المذكور، اي انها في عام 2013 تحكم بعدم دستورية تشريع وتلغيه لعدم مراعاته لاختصاص مجلس القضاء الاعلى بترشيح رئيس المحكمة الاتحادية واعضائها ، وفي عام 2017 تحكم بعدم دستورية نص تشريعي وتلغيه بسبب مراعاته لاختصاص مجلس القضاء الاعلى بترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية !!!!

ثالثاً: مخالفة الحكم لأحكام قانون المرافعات المدنية ولقانون المحكمة الاتحادية ونظامها الداخلي

نصت المادة (9) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 (تصدر المحكمة نظاماً داخليا تحدد فيه الاجراءات التي تنظم سير العمل في المحكمة وكيفية قبول الطلبات واجراءات الترافع وما يسهل تنفيذ احكام هذا القانون وينشر في الجريدة الرسمية).

وقد اصدرت المحكمة نظامها الداخلي رقم (1) لسنة 2005، والذي جاء في المادة (19) منه (تطبق احكام قانون المرافعات المدنية وقانون الاثبات فيما لم يرد فيه نص خاص في قانون المحكمة الاتحادية العليا وفي هذا النظام)، وجاء في المادة (6) من النظام (إذا طلب مدع، الفصل في شرعية نص في قانون او .....، فيقدم الطلب بدعوى مستوفية للشروط المنصوص عليها في المواد 44و45و46و47 من قانون المرافعات المدنية).

من خلال النصوص المتقدمة يتبين ان المحكمة الاتحادية ملزمة بتطبيق الاجراءات والقواعد القانونية في قانون المرافعات المدنية وفي قانونها ونظامها الداخلي، ويتقدم قانونها ونظامها الداخلي على قانون المرافعات في ذلك فيما وجد فيهما من نصوص.

ان الدعوى المباشرة تعتبر احدى الطرق التي تحرك بها الدعوى الدستورية امام المحكمة الاتحادية العليا في العراق، وهو طريق غير موجود في اغلب النظم القضائية الدستورية ومنها مصر مثلاً.

وقد فرق النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية بين الدعوى التي تحرك من احدى الجهات الرسمية والدعوى التي تحرك بناء على طلب مدع (شخص طبيعي) والتي اشترطت المادة (6) من النظام الداخلي للمحكمة شروطا اضافية لما جاء في قانون المرافعات لقبول الدعوى التي تحرك من قبل شخص طبيعي.

ان شرط المصلحة من الشروط الواجب توافرها في الدعوى سواء اكانت امام القضاء العادي او القضاء الدستوري، وان تفحص المصلحة في الدعوى الدستورية والتأكد من تحققها بالنسبة للمدعي (من غير المؤسسات الرسمية) من مخاصمته للقانون المطعون عليه على نحو مباشر كان من بين المبررات التي جعلت الكثير من الدساتير تحجم عن قبول الدعوى المباشرة امام القضاء الدستوري، ولهذا تشدد النظام الداخلي بفرض الشروط الخاصة لقبول الدعوى المباشرة من المدعي.

ومن خلال استقراء وتفحص تلك الشروط يتبين ان مجرد مخالفة النص القانوني للدستور لا يكفي وحده لتحقق المصلحة من اقامة الدعوى للطعن فيه وانما يجب ان يتحقق شرط المصلحة المنصوص عليه في قانون المرافعات المدنية وتحقق الشروط المنصوص عليها في المادة (6) من النظام الداخلي للمحكمة والتي جاء فيها:

‎اولاً: ان تكون للمدعي في موضوع الدعوى مصلحة حالة ومباشرة ومؤثرة في مركزه القانوني او المالي او الاجتماعي.

‎ثانياً: ان يقدم المدعي الدليل على ان ضرراً واقعياً لحق به من جراء التشريع المطلوب الغاءه.

‎ثالثاً: ان يكون الضرر مباشراً ومستقلاً بعناصره ويمكن ازالته إذا ما صدر حكم بعدم شرعية ذلك التشريع والغاءه.

‎رابعاً: ان لا يكون الضرر نظرياً.

‎خامساً: ان لا يكون المدعي قد استفاد بجانب من النص المطلوب الغاءه.

‎سادساً: ان يكون النص المطلوب الغاءه قد طبق على المدعي فعلاً او يراد تطبيقه عليه.

‎ومن مطالعة بسيطة لشروط المصلحة التي تضمنها قانون المرافعات او التي اشترطها قانون المحكمة الاتحادية ونظامها الداخلي ، يتضح جلياً وبما لا يقبل الشك القانوني عدم صحة ما ذهبت اليه المحكمة الاتحادية باعترافها للمواطن (المدعي في هذه الدعوى) بالمصلحة في رفعها ، اذ ان ما تضمنه قرارها من الرد على دفع وكيل المدعي عليه الثاني (رئيس مجلس النواب اضافة لوظيفته) بخصوص عدم توافر المصلحة اللازمة لإقامة الدعوى في المدعي والذي جاء فيه (ان النص المذكور يتعلق بعدم المشروعية بوجود هذه المادة لمخالفتها لأحكام الدستور ولأنها تتعلق بشأن من شؤون العدالة والعدالة هاجس كل مواطن) ان ذلك الرد خالف وبشكل جلي قانون المرافعات المدنية وقانون المحكمة الاتحادية ونظامها الداخلي لان مصلحة المدعي لم تكن سوى مصلحة نظرية مجردة لا تتوافق مع اي شرط من الشروط التي اشترطتها المحكمة ذاتها في نظامها الداخلي، فاين هي المصلحة الحالة المباشرة والمؤثرة على مركز المدعي القانوني او المالي او الاجتماعي ؟ وما هو الدليل الذي قدمه المدعي على الضرر الذي لحق به من جراء التشريع الذي طالب بإلغائه؟ وهل كان ذلك الضرر (الذي لا يوجد اصلاً) مباشراً ومستقلاً بعناصره؟ واخيراً هل تم تطبيق النص المطلوب الغاءه او حتى اريد تطبيقه عليه؟!

رابعاً: مخالفة الحكم لمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء وتسببه بفراغ دستوري

ان الحكم بعدم دستورية النص الخاص باختصاص مجلس القضاء الاعلى بترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية العليا والغاءه، قد ادخل البلد في فراغ دستوري لعدم وجود اي جهة تختص في ذلك في حال حصول خلل في نصاب المحكمة، خاصة وان المادة (5) من قانون المحكمة النافذ قد نصت على بطلان انعقاد المحكمة الا بحضور جميع اعضائها، وهذا ما حصل بالفعل بعد وفاة اثنين من اعضاء المحكمة واختلال نصابها وتعطل عملها.

كما ان هذا الحكم يعد تراجعًا كبيراً في مسيرة استقلال القضاء ، اذ فتح الباب واسعا للعديد من الخيارات في تحديد الجهة التي يكون لها الاختصاص في ترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية، وان تلك الخيارات لا يكون افضلها الا ويشكل مساساً باستقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات، خاصة وان المحكمة قد اغفلت او تغافلت من ان تضع مخرجاً للفراغ الدستوري الذي خلقته من خلال الزام مجلس النواب بتشريع نص بديل للنص الملغى وتحدد مدة زمنية محددة لذلك لا يجوز لمجلس النواب مخالفتها او تجاوزها ، وهذا ما يجري عليه العمل في الاقضية الدستورية في العالم خاصة عند الحكم بإلغاء نص قانوني حاكم، ولا يكتفي بما اكتفت به المحكمة الاتحادية بإشعار مجلس النواب بذلك.

اضافة الى ما تقدم فأن الحكم المذكور قد يولد فوضى دستورية وقانونية اذا ما اثيرت فعلاً، اذ ان الحكم قد تضمن ان ترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية قد اصبح خارج اختصاص مجلس القضاء الاعلى اعتبارا من تاريخ نفاذ دستور 2005، وتبعاً لذلك تكون عضوية اثنين على الاقل من اعضاء المحكمة الاصليين فضلاً عن الاحتياط ، عضوية غير قانونية بسبب ترشيحهم من مجلس القضاء الاعلى بعد نفاذ الدستور، وبذلك تكون جميع الاحكام والقرارات التي اشترك فيها اولئك الاعضاء معدومة من الناحية القانونية ولا ترتب اثراً، وان كانت قد رتبت آثاراً يجب ازالتها، اذ ان الاتجاه السائد في الفقه الدستوري ان الحكم الصادر عن القضاء الدستوري بعدم دستورية نص تشريعي يعتبر كاشفاً عما به من عوار دستوري، مما يؤدي الى زوال اثاره ويفقده قوة نفاذه منذ بدء العمل به . وهذه هي الفوضى التي يمكن تصورها لان تلك الاحكام والقرارات تتعلق بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ورتبت مراكز قانونية عديدة، قد يثار موضوع عدم مشروعيتها لهذا السبب.

من خلال كل ما تقدم يتأكد وبما لا يقبل الشك ان المحكمة الاتحادية هي من خالفت احكام الدستور بإلغائها لنص قانوني متوافق تماما واحكام الدستور وعن طريق اجراءات غير قانونية.

اي ان المحكمة الموكل اليها حماية الدستور من خلال تفسير نصوصه والرقابة على عدم مخالفة التشريعات لأحكامه، هي من خرقت الدستور وخالفت نصوصه واحكامه.

فيا رجال العلم يا اهل البلد

من يصلح الملح إذا الملح فسد؟