التفاصيل
واجب ومسؤولية المحكمة  في حسم النزاع القضائي

واجب ومسؤولية المحكمة في حسم النزاع القضائي

( الدعوى الدستورية المتعلقة بتصدير النفط والغاز نموذجا )

2020-12-23 10:48:00

القاضي كاظم عباس حبيب / عضو محكمة التمييز الاتحادية

يعتبر موضوع حسم النزاع ما بين الخصوم  بأسرع وقت ممكن عن طريق إنزال حكم الدستور او القانون أو كلاهما من قبل المحكمة المختصة الغاية الكبرى التي يسعى لها الجميع  والهدف الأسمى الذي تضعه المحكمة نصب عينيها لتحقيق العدالة وسيادة حكم الدستور و  القانون  من خلال قطع دابر النزاع والسعي إلى  عدم تأبيده وكلما تم حسم الدعوى ضمن المدة  القانونية  والبالغة  أربعة أشهر وبما لا يتجاوز السنة وهو  السقف الزمني الأعلى  المقبول على مضض كان الحكم أقرب إلى  العدالة بل يعتبر عنوانا لها  وعلى عكس ذلك فإن العدالة البطيئة هي إلى الظلم والانحياز أقرب.

أن عدم حسم المحكمة للنزاع ضمن السقف الزمني  القانوني يستتبعه نتائج وخيمه تجعل النزاع يأخذ منحنى سلبيا يؤثر على جوهر العداله ويورث انطباعا سيئا بعجز المحكمة عن قطع دابر النزاع بين الخصوم وفقدان استقلالها وحيادها٠ ولهذا حرص المشرع العراقي على ضرورة أن تتقيد المحكمة بحسم موضوع النزاع القضائي  ضمن السقف الزمني المحدد لها وبخلاف  ذلك فإن القاضي المتسبب بتأخير حسم موضوع الدعوى يكون عرضة للتحقيق معه والمسائلة الانضباطية وحتى  الجنائية اذا كانت نتائج عدم حسم الدعوى خطيرة تمس المصلحة العامة التي تقود إلى الخراب.

بل يقينا إن أثار هذا الخراب تضرب مديات بعيدة وعديدة وتصيب بمقتل البنية التكوينة للدولة شعبا وارضا و سلطة عندما يكون النزاع يتعلق بأمر ونشاط حيوي يمس النظام السياسي القائم  ويقف نظام الدولة برمته على شفى حفرة من الوقوع في الهاوية وذلك عندما يتحتم وتدعو الحاجة الملحة إلى ضرورة حسم النزاع بين الأطراف  قضائيا عن طريق إصدار حكم قضائي حاسم وبات  بعد أن تتأكد  وبوضوح عجز المفاوضات والاتفاقات والتفاهمات عن قطع دابره ولم تبقى سوى كلمة القضاء العادل لعلاج المشكلة العضال  بعد أن عجز أهل الحل والعقد إعطاء الدواء الناجع للمشكلة والتي استفحلت وأصبحت مرضا عضالا.

ولعل من أصدق ما أستعصي على الحل وأصبح معضلة المعاضل موضوع الإختلاف للفهم  الدستوري والقانوني بين المركز والإقليم  بشأن قيام إقليم كوردستان العراق باستخراج و تصدير النفط  إلى الخارج ومدى موافقة ذلك لأحكام  الدستور العراقي لسنة  ٢٠٠٥من عدمه، إذ بعد الإختلاف والخلاف الجذري المتأصل  بين حكومة المركز وحكومة إقليم كردستان العراق والشد والجذب على هذا الموضوع وبعد ان أوصدت جميع الأبواب للحلول السياسية وانهيار الاتفاقات المبرمة بين الفرقاء السياسين لم يبقى سوى طرق  باب القضاء.

 وتم تسليم زمام الأمور والتوكيل  في حل هذا الملف للقضاء الدستوري لحل هذا النزاع ممثلا  في المحكمة الاتحادية العليا من قبل الأطراف ووفقا للأليات الدستورية والقانونية  وهذه النقطة تحسب إلى طرفي النزاع المركز والإقليم في تفويضهما لحله وفقا لأحكام الدستور إلى  المحكمة التي يفترض أن تحترم وتقدس الدستور.

وقد تجسد هذا التفويض  باقامة دعوى من قبل المدعي  وزير النفط في الحكومة المركزية إضافة لوظيفته  ضد المدعى عليه  وزير الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان  اضافة لوظيفته المرقمه ٥٩/اتحادية/ ٢٠١٢ والتي أقيمت  بتاريخ ١/أب/٢٠١٢ وقد إنضم رئيس مجلس الوزراء إضافة لوظيفته للخصومة بصفة شخص ثالث إلى جانب المدعي في الدعوى وبدأت إجراءات السير بالدعوى بغية حسمها بسرعة وفقا لأحكام الدستور لأهميتها وعلى أمل إن تصدر المحكمة الاتحادية العليا  حكم قضائي  حاسم للنزاع خلال المدة القانونية يكون عاملا من العوامل المهمة للاستقرار في البلد على كافة المستويات ولكن سرعان ما ظهر عكس ذلك وأصيب الجميع بخيبة أمل كبرى إذ أن المحكمة الاتحادية العليا لم تحسم النزاع خلال المدة القانونية والبالغة أربعة أشهر والتي مرت مرور الكرام و مضت سنة ومن ثم  توالت السنوات الواحدة تلو الاخرى وبحجج واهية وهي تهرب   الدعوى بتأجيلها  من موعد إلى آخر وأصرت المحكمة على عدم حسم النزاع حتى أنقضت أكثر من سبع سنوات وبقت الدعوى تراوح في إدراجها إلى أن نامت الدعوى مع بقية الدعاوى القضائية الدستوريةالتي نامت أيضا  بسبب دخول البلد في مرحلة الفراغ الدستوري والقانوني الذي تسببت به  المحكمة الاتحادية العليا ذاتها  بسبب أصرارها العجيب على إلغاء النص القانوني الوحيد النافذ الذي يعالج ترشيح وتعين قضاة المحكمة الاتحادية العليا والذي أقترن لاحقا  هذا الأمر  بأحالة أحد  أعضائها الأصليين الكرام للتقاعد بناء على طلبه ووفاة عضو آخر رحمهما الله وما نتج عن ذلك اختلال بالنصاب القانوني لتشكيل وانعقاد المحكمة ٠

ان عدم حسم الدعوى المرقمة أعلاه من قبل المحكمة الاتحادية العليا ليس كسلا منها بل ناتج عن عدم  وجود إرادة حقيقية لها بحسم الدعوى وقد تجلى ذلك بوضوح  عندما تبنت وسيلة الهروب الى الأمام من مسؤولية إصدار حكم   حاسم و شجاع   لموضوع النزاع القضائي المطروح أمامها  يكون قاطعا في حجيته لأحد الأطراف  في الدعوى على حساب الطرف الآخر وهذا ما لا تجرأ المحكمة الاتحادية العليا على الأقدام عليه لأسباب شخصية مصلحية له علاقة باقرار قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي تم ترحيل إقراره من دورة برلمانية إلى أخرى بل ذهبت في دورها السلبي  أكثر من ذلك  عند نظرها للنزاع وبدأت  تراهن على تغير الوجوه السياسية في مراكز القرار  سواء في المركز او الإقليم وفقا لنتائج الإنتخابات البرلمانية الدورية بغية مد النزاع الى  ما لا نهاية.

أن أخطر مظاهر الظلم عندما يصدر بوعي تام من الجهة التي يفترض أن تتصدى له وتقضي عليه وقطعا يولد هذا الظلم آثارا كارثية وسلبية نتيجة السلبية في إتخاذ القرار المطلوب  في وقته المناسب.

وقد انعكست الاثار السلبية لهذا التخاذل المقصود من  المحكمة الاتحادية العليا والانحراف بممارسة سلطتها القضائية بعدم حسمها للنزاع بين المركز والإقليم على كافة المجالات و الميادين لعل أبرزها زعزعة الثقة لدى ضمير الأمة والرأي العام  بالقضاء الدستوري في العراق وفقدان الثقة به أن يكون حاميا للدستور بسبب عجزه أن حسم النزاع رغم مضيئ سنوات طوال على إقامة الدعوى.

كما أن بقاء النزاع معلقا و مؤجلا الى ما لانهاية بسبب المحكمة الاتحادية العليا عمق الخلافات بين المركز والإقليم وما انتج هذا من حالة التنافر المزمن بينهما  حتى وصل الأمر في بعض الأحيان  إلى القطيعة الكاملة.

كما أن أثر عدم حسم الدعوى من قبل المحكمة الاتحادية العليا يصيب جهود مكافحة الفساد بكافة أشكاله  التي تبذل  من قبل الجهات المختصة بما يتعلق بملف تصدير النفط او الغاز ويجعل متوالية الفساد والإفساد تسير بوتيرة متزايدة يوما بعد يوم وإن الخاسر الأكبر هو الشعب العراقي المسكين سواء في المركز او الإقليم.

أن وراء عدم حسم الدعوى من قبل المحكمة الاتحادية العليا أجندات تخريبية أضرت واقعا ويقينا بالمصالح الوطنية العليا للبلد كافة اقتصاديا وسياسيا وامنيا.

اننا على يقين تام ان هذا الأمر لن يمر مرور الكرام من أبناء الشعب العراقي الكريم  سواء من هو في موقع المسؤولية ام خارجها لأن القانون لم يكن غافلا عن موضوع عدم حسم  القاضي مهما كان منصبه  للدعوى التي ينظرها  ضمن سقفها الزمني القانوني المناسب وجعلته تحت طائلة المساءلة القانونية والسوابق القضائية بهذا الشأن الانضباطية والجنائية تنطق بذلك.

آخر الاخبار
روابط مهمة
بحث في الموقع