التفاصيل

ملاحقة مرتكبي الجرائم الارهابية على الصعيد الدولي والصعيد الوطني

العـدد /126/دراسات/2017 في 14 /8 /2017

2020-12-24 08:26:00

ورد كتاب وزارة الخارجية مكتب الوكيل / الدائرة القانونية بالعدد (م ح/1/5323) في 23/7/2017 الموجه الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء ونسخة منه الى مجلس القضاء الاعلى والمتضمن(ملاحقة مرتكبي الجرائم الإرهابية على الصعيد الدولـــي والصعيد الوطني حيث أوضحت وزارة الخارجية بأن ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية والإرهابية على الصعيد الدولي تخضع للآليات الدولية وفقاً لأحكام القانون الدولي العرفية والاتفاقية ولا تستلزم هذه الملاحقة تشريعاً داخلياً لعدم امكانية تطبيق مثل هكـــذا تشريع على الصعيد الدولي اما فيما يتعلق بعملية (الانقاذ الوطني الجنائي لأحكام القانون الدولي الانساني والجنائي) كألتزام عام يسري بمواجهة الدول كافة فأنها تستوجب اصدار تشريع داخلي لإنقاذها ضمن التشريعات الوطنية وبناءاً على ذلك ترى وزارة الخارجية العراقية ضرورة قيام الجهات العراقية المختصــة بعملية الانفاذ الوطني الجنائي لأحكام القانون الدولي الانساني والجنائي لاستيعاب جميع صور انتهاكات القانون الدولي بما فيها الجرائم الإرهابية ضمن قانون العقوبات العام وقانون العقوبات العسكري وتحديد الجزاء المناسب لمرتكبيها مع منح أجهزة القضاء الوطني العراقي اختصاصاً جنائياً عالمياً لملاحقة كافة منتسبي مرتكبي الجرائم الدولية والإرهابية داخلياً وبغض النظر عن جنسية الجناة او محل وقوع الجريمة وضرورة تشكيل لجنة مختصة من الجهات ذات العلاقة لتوثيق الجرائم الإرهابية وجمع كافة الأدلة اللازمة لإدانة مرتكبي هذه الجرائم ودعمها بأي من الوسائل ودراسة الآليات القانونية المتاحة لملاحقتهم دولياً وداخلياً) واحتوت على أفكار جديرة  بالمناقشة لان الارهاب آفة عالمية أنتشرت في الآونة الأخيرة أفـقـياً على جـميع دول العـالم وتـركـزت أثارهـا عـمـوديـاً في بعـض الـدول ، ولا احـد ينكـر ان اطـراف هــذه الظاهرة في تزايد (مرتكبيها وضحاياها) ولم تفلح الأمم المتحدة خاصة والمجتمع الدولي عامة من الحد منها رغم ان قرارات مجلس الأمن الدولي بشأنها في تزايد ولكن التناسب غائب بين هذه القرارات والواقع العملي فظاهرة الارهاب في انتشار سريع ومرتكبي الاعمال الارهابية في تزايد يقابله تزايد في ضحايا الارهاب وإن ما يمر به العراق خصوصاً من ظروف وأحداث بعد عـــام 2003

وضعته في صدارة الدول التي تعاني من الإرهاب الذي أدمى أبناء الشعب وبأساليب وأشكال لم تكن معروفة سابقاً وبوحشية ودموية قاسية ، وهذا ما دعا المشرع العراقي إلى التصدي للمشكلة لقصور المنظومة القانونية العـراقية عـن مواكـبة هـذه الأحـداث وتوصيفها كجــرائم يعـاقـب عـليها قانون العقوبات العراقي وذلك بإصداره قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 وبما إن الإرهاب لم يقتصر على العراق وإنما شمل العديد من البلدان ولم يكن محدد بمكان أو زمان كما انه لم يكن حديث العهد من حيث التكوين والتأثير وإنما أصبح ظاهرة تكتسب كل يوم أراضي جديدة , ولهذا فأن ملاحقة مرتكبي الجرائم الإرهابية أصبحت ضرورة ملحة تقع على عاتق المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة وكافة المنظمات الدولية المعنية بهذا الأمر وان هذه الملاحقة بالإمكان تحقيقها على الصعيدين الدولي والوطني من خلال الآليات الآتية :-

أولاً : الملاحقة على الصعيد الدولــــي :-

يعتبر الإرهاب الدولي : هو استراتيجية عنف محرم دولياً تحفزها بواعث عقائديةوتتوخى إحداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة أو للقيام بدعاية لمطلب أو لمظلمة بغض النظر عما إذا كان مقترفوا العنف يعملون من أجل أنفسهم و نيابة عنهاوتتم هذه الملاحقة لمرتكبي هذه الجرائم من خلال المعاهدات والاتفاقات الدولية ومنها :-

1- اتفاقية جنيف لسنة 1937 : 

طبقاً للمادة الأولى من اتفاقية جنيف لعام 1937 بشأن منع الإرهاب والمعاقبة عليه وهي المحاولة الحكومية الأولى التي تعالج ظاهرة الإرهاب من الناحية القانونية : أفعال جرمية موجهة ضد دولة من الدول ، ويقصد بها أو يراد منها خلق  حالة من الرهبة في أذهان أشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو الجمهور عام وتضيف المادة الثانية أن : على الدول الأطراف أن تدرج في تشريعاتها الأفعال الآتية كجرائم إرهاب وفق المادة الأولى إذا ارتكبت على إقليمها ووجهت ضد رؤساء الدول إضافة إلى الملوك وخلفائهم وأولياء عهدهم كذلك ضد أزواج هؤلاء ، وأيضاً ضد الأشخاص المكلفين بوظائف وأعبـاء عامة، إذا أرتكب الفعل بسبب الوظائف أو الأفعال التي يؤدونها وعلى نحو مماثل الفعل العمدي المتمثل في التخريب أو الأضرار بالأموال العامة أو المخصصة للاستعمال العام ، والتي تخص دولة أخرى أو تخضع لها وأيضاً الفعل العمدي الذي من طبيعته تعريض الحياة الإنسانية للخطر بإنشاء وضع خـطـير عـام ، ومـحاولة ارتـكـاب الجـرائم السابـقة وتضـييع الأسلحة والـذخـائر والمـتفـجـرات والمواد الضارة أو الحصول عـليها أو حيازتها لتنفيذ إحــدى

الجرائم المذكورة في أي بلد كان و يظهر من تعريف المادتين الأولى والثانية من اتفاقية 1937 أن تعريف الإرهاب الدولي جاء قاصراً ، إذ أنه حدد التجريم الدولي للفعل الإرهابي الذي يوجه ضد دولة معتبراً أن ركن الدولية في الجريمة موجود لكون المتضرر أو المجني عليه دول .

2- الاتفاقية الأوربية لقمع الإرهاب :

وضعت هذه الاتفاقية سنة 1976 ولم تقدم تعريفاً للإرهاب وإنما اكتفت ببيان الأفعال التي تعتبرها إرهابية بحيث جاءت هذه الاتفاقية لقمع الإرهاب بهدف القضاء على الإرهاب الدولي ، كما هدفت إلى قمع الأفعال الإرهابية عندما تشكل اعتداء على الحقوق والحريات الأساسية للأشخاص ، وقد نصت الاتفاقية على أن جريمة الإرهاب هي من الجرائم التي وردت في اتفاقية قمع جرائم الاعتداء على سلامة الطيران المدني الموقعة في موتريـال سنة 1971، والجرائم الخطيرة التي تمثل اعتداء على الحياة أو السلامة الجسدية أو حرية الأشخاص ذوي الحماية  الدولية بما في ذلك المبعوثين الدبلوماسيين ، والجرائم التي تتضمن الخطف وأخذ الرهائن أو الاحتجاز غير المشروع للأفراد والجرائم التي تستخدم القذائف والقنابل اليدوية والصواريخ والأسلحة النارية ، وأكدت هذه الاتفاقية على مبدأ أهمية التعاون الدولي لمحاربة الإرهاب .

3- مشروع الأمم المتحدة لسنة 1980 ولجنة القانون الدولي بباريس في 1984 .

لـم تـتـوقـف الجـهـود الـدولية في البحـث عـن تحـديد مـفـهـوم الإرهاب الـدولي واعـتـمـاد الوسائـل الفـعــالة لمكافحته فقد توصلت لجنة الإرهاب الدولي الثانية للأمم المتحدة بأنه : (يعد إرهاباً دولياً كل عمل من أعمال العنف الخطيرة أو التهديد به ، يصدر من فرد أو جماعة ، سواء  كان يعمل بمفرده أو بالاشتراك مع أفراد آخرين ويوجه ضد الأشخاص ، أو المنظمات ، أو المواقع السكنية ، أو الحكومية أو الدبلوماسية ، أو وسائل النقل و المواصلات ، أو ضد أفراد الجمهور العام دون تمييز للون أو جنس أو جنسية بقصد تهديد هؤلاء الأشخاص أو التسبب في إصابتهم أو موتهم أو إلحاق الضرر أو الأذى بهذه الأمكنة أو الممتلكات ، أو تدمير وسائل النقل والمواصلات بهدف إفساد علاقات الصداقة والود بين الدول أو بين مواطني الدول المختلفة .

4- الاتفاقيات العربية ومؤتمر القمة الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي :

أمام مواجهة الإرهاب الذي ضرب أجواء العالم المعاصر  توصلت الدول العربية عبر مؤسساتها وأثمرت جهودها بتوقيع الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب 1989 بالقاهرة كما سبق وأن ناقش مؤتمر القمة الإسلامي الخامس الـذي عــقـد بالكــــويـت في جانفي 1987 موضـــوع الإرهــــاب الــدولي والفرق بينه وبين نضال الشعوب من أجل تحريرها وناقش المؤتمر العربي الطارئ الذي عقدته الجامعة العربية في عمان في نوفمبر 1987 موضوع الإرهاب الدولي وأدان كل منها الإرهاب الدولي في جميع أشكاله ولكنهما أيدا نضال الشعوب من أجل تحريرها ، والوقوف ضد القوى الاستعـمارية الغاشمة كما أيد كفاح حركات التحرير وطني وحـق تقـــرير المصير وهكـــذا ذهبت الاتفــاقية العــــربية لمكافحة الإرهاب الموقعة في مقــر الجامعة العربية سنة 1998 إلى تحديد موضوع الإرهاب واعتبرت كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به مهما كانت بواعثه وأغراضه ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو إلحاق الأذى بهم أو تعريض حياتهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة ، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر (كما اعتبرت الجريمة الإرهابية هي التي ترتكب تنفيذاً لغرض إرهابي في أية دولة من الدول المتعاقدة ، أو على رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها ، ومعاقب عليها في قانونها الداخلي .

 ثانيــــاً : الملاحقة على الصعيد الوطني  :-

ان قواعد القانون الداخلي هي المختصة بالملاحقة لمكافحة الإرهاب وتتمثل هذه القواعد في قانون العقوبات والاتفاقيات الدولية التي تعني بملاحقة جرائم معينة ، والتي تكون الدولة قد انضمت إليها وهكذا فإن القضاء الوطني يلاحق ما تعتبره القوانين المحلية إرهاباً ، وسائر الجرائم المعتبرة إرهاباً بموجب الاتفاقيات الدولية أما إذا كان الفعل من قبيل الإرهاب الدولي ، أي عندما يتعدى الفعل بنتائجه الجرمية الحدود الإقليمية لدولة واحدة فإن الملاحقة تتم بشكل أساسي بواسطة المحاكم الوطنية للدول المعنية استناداً إلى قوانينها الوطنية المنظمة لاختصاصها الجزائي والاختصاصات الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية التي تنظم التعاون القضائي بين الدول كما أن معظم الاتفاقيات الدولية المعنية بمكافحة الجرائم الدولية المتعلقة بموضوع الإرهاب الدولي ، تلزم الدول الأطراف إذا لم تقم بتسليم المتهمين أن تقوم بمحاكمتهم تطبيقا لمبدأ ((إما التسليم و إما المحاكمة))  وذلك لضمان ملاحقة ومعاقبة مرتكبي هذه الأعمال وعدم توفير الملاذات الآمنة لهم و قد أشار مجلس الأمـن في قـراره رقم (1456) الصادر بتاريخ 20 ديسـمـبر 2003 أنه : يجـب على الـدول أن تـقـدم إلى العدالة ، وفقاً للقانون الدولي وبالاستناد بصفة خاصة إلى مبدأ ((إما التسليم و إما المحاكمة)) كل من يمول الأعمال الإرهابية أو يدبرها أو يدعمها أو يرتكبها أو يوفر الملاذ الآمن للإرهاب , ومن هنا فان للسلطات العراقية كامل الصلاحية والمسؤولية بالدرجة الأولى لملاحقة التنظيمات الإرهـــابية في العــــــراق فهــو أمر مفـــروغ منه وعالجه المشرع العــراقي في قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل  حيث نص على مبدأ الاختصاص الاقليمي في المادة السادسة منه مثلما نصت عليه القوانين الجنائية الحديثة ، وهذا المبدأ يتضمن خضوع ان كل الجرائم لقانون الدولة (العراق) بغض النظر عن جنسية او صفة مرتكبها طالما ارتكبت على أرضه واقليم الدولة ويقصد به كل مكان تمارس به الدولة سيادتها وسلطانها ويشمل الاقليم الأرضي والبحري والجوي والسفن والطائرات وكذلك الأراضي التي يحتلها الجيش العـــراقي المادة (7) عـقـوبات كما اخــذ المشرع العــراقي بالاختـصاص العــيني (الــوقائي) او مبدأ عينية القانون الجنائيويراد به (تطبيق القانون الجنائي للدولة على كل جريمة تمس مصلحة أساسية لتلك الدولة أيا كان مكان ارتكابها او جنسية مرتكبها) وذلك لعدم ثقة الدولة في اهتمام الدولة الأخرى بالعقاب على تلك الجرائم , والدولة تأخذ بالاختصاص العيني لتكملة مبدأ الإقليمية او الشخصية وهذا ما نص عليه المشرع العراقي في المادة (9) عقوبات وأخضعت الجرائم المنصوص عليها في المادة (9) الى قانون العقوبات العراقي وللقضاء العراقي , والجرائم هي الماسة بأمن الدولة الخارجي والداخلي والجرائم ضد نظامها الجمهوري او سنداتها المالية او طوابعها او تزوير محرراتها او تزوير او تقليد او وتزييف عملة ورقية او مسكوكات معدنية متداولة قانوناً او عرفاً في العراق او خارجه . وان ذلك امرأ تقضيته مصلحة الدولة لاتصال تلك الجرائم بمصلحة أساسية لها لعلاقتها بسيادتها او كيانها او بوحدتها ولا أهمية لجنسية مرتكب تلك الجرائم او مكان ارتكابها ولا أهمية لرأي قانون الدولة التي ارتكب الجريمة فيه ومن ضمن تلك الجرائم هي الجرائم الإرهابية كجرائم (تنظيم داعش الارهابي) كما اخذ المشرع العراقي بالاختصاص الشامل (مبدأ عالمية القانون الجنائي( ويعني تطبيق القانون الجنائي على كل جريمة يقبض على مرتكبها في اقليم الدولة أيا كان الاقليم الذي ارتكبت فيه وأيا كانت جنسية مرتكبها وهذا المبدأ لا يجعل اعتبار لمكان ارتكاب الجريمة او جنسية مرتكبها  ويشترط فقط ان يقبض على الجاني في اقليم الدولة ليخضع لقانونها , فهو يعطي القانون الجنائي نطاقاً واسعاً يمتد الى كل دول العالم , و يعمل بهذا المبدأ في جرائم الاتجار بالمخدرات او بالرقيق او الأطفال .... الخ  وقد اخذ القانون العراقي بهذا المبدأ في المادة (9) عقوبات وأخضعه لسلطانه ومنها الجرائم الإرهابية وبالتـالي للأجهزة القـضاء الوطـني العـراقي اخـتـصاصاً جـنائـياً عـالمـياً لـملاحـقة كـافة مـرتـكـبي الجـرائـم الدولية والإرهابية داخلياً وبغض النظر عن جنسية الجناة او محل وقوع الجريمة .

الــرأي :

لا مانع من تشكيل لجنة متخصصة من الجهات ذات العلاقة لتوثيق الجرائم الإرهابية وجمع كافة الأدلة لإدانة مرتكبيها ودعمها بأي من الوسائل الكفيلة بملاحقتهم دولياً وداخلياً ولا ضير ان يشترك فيها المهتمين بقضايا حقوق الإنسان وأساتذة القانون الدولي العام والخبراء القانونيين وممثلون لمؤسسات وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني وعدد من أصحاب الشهادات الحية على العمليات الإرهابية – تدعو الى محاسبة الدول الداعمة للإرهاب وسحب عضويتها من اللجنة الدولية لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن الدولي .