التفاصيل
اتفاق الخصم‎

اتفاق الخصم‎

القاضي اريج خليل

2021-01-04 08:37:00

يعد اتفاق الخصم من اهم وانجح العمليات المصرفية لما يحققه هذا الطريق من سهولة ‏ومرونة في العمليات المالية والتجارية وخاصة عمليات الائتمان التي تقوم بها ‏المصارف في مجال اعمال التجارة.

المشرع العراقي عرف اتفاق الخصم في البند ‏اولا من المادة ٢٨٣ من قانون التجارة العراقي رقم ٣٠ لسنة ١٩٨٤ بأنه " اتفاق يتعهد ‏المصرف بمقتضاه بأن يدفع مقدما قيمة ورقة تجارية او أي مستند آخر قابل للتداول ‏الى المستفيد مقابل نقل ملكيته الى المصرف مع التزام المستفيد برد القيمة الى ‏المصرف اذا لم يدفعها المدين الأصلي "، ومن خلال قراءة التعريف اعلاه من قبل ‏ذوي الخبرة المالية والقانونية يتبين حجم وجسامة خطورة هذا الاتفاق باعتباره عملية ‏ائتمانية مصرفية الا ان هذه المخاطر تعتبر لاشيء يذكر اذا ما قورنت بالمزايا التي ‏يحققها هذا الاتفاق في مجال العمل المصرفي والتجاري كونه يكفل تحقيق فوائد لكل ‏من المصرف والمتعاملين معه من حملة الاوراق التجارية، لذلك يعتبر اتفاق الخصم ‏عملا تجاريا كون ان المادة ( ٦ ) من قانون التجارة العراقي اعتبرت انشاء الاوراق ‏التجارية والعمليات المتعلقة بها عملا تجاريا بغض النظر عن صفة القائم بها او نيته، ‏واتفاق الخصم باعتباره عقدا تجاريا مصرفيا فانه لا يعد من العقود الشكلية، كونه عقد ‏ذات طبيعة خاصة يستوجب السرعة في ابرامه والتكرار فيه كونه يعقد بين المصرف ‏والمستفيد من الورقة التجارية والذي غالبا يكون تاجرا ويكون الاتفاق مقابل عمولة ‏حيث ان المصرف عندما يسلم قيمة الورقة التجارية الى المستفيد فانه يتقاضى لقاء هذا ‏العمل التجاري عمولة، وان السرعة والتكرار في أبرام عقد الخصم جعلته عقدا يتحرر ‏من الشكلية مما سهل ذلك امكانية اثباته بكافة وسائل الاثبات، لان تعقيد اجراءات ابرام ‏هذا العقد يفرض عليه شكلية معينة مما يؤدي الى تعطيل الاعمال التجارية لانه يكون ‏من الصعوبة اثباته لان التجار احيانا يبرمون كل يوم عددا لا حصر له من هذا الاتفاق ‏كون ان هذا العدد يزداد كلما نشط العمل التجاري‎.‎

كما ان اتفاق الخصم التجاري احيانا يتم خارج الحساب الجاري للعميل وهذا ما يسمى ‏بالخصم بالنقد حيث تكون التسوية بين المصرف والمستفيد من الورقة التجارية فورية ‏ونقدا بان يدفع المصرف للعميل المبلغ الوارد في الورقة التجارية عن طريق الدفع نقدا ‏وفورا او احيانا يكون اتفاق الخصم ضمن الحساب الجاري عندما يكون هناك حساب ‏جار بين العميل والمصرف ويتفق الطرفان ان عمليات الخصم تتم عن طريق قيدها ‏في هذا الحساب، ولا يهم اسلوب تنفيذ الاتفاق وانما فقط يجب ان يتم فيه ما يتم في ‏العقود الاخرى من تطابق الايجاب الصادر من العميل مع القبول الصادر من المصرف ‏خاصة ان صفة السرعة التي يمتاز بها عقد الخصم تجعله لا يمر بمرحلة التفاوض التي ‏تسبق ابرام العقود الأخرى، الا ان المصرف لا يلتزم بقبول خصم الاوراق التجارية ‏التي تقدم من العملاء غير الموثوق بهم خاصة اذا كانت الاوراق التجارية المقدمة ذات ‏مبالغ عالية جدا، وفي كل الاحوال يكون الإيجاب والقبول يمثل ركن الرضا، اما ‏محل عقد الخصم فهو الورقة التجارية والحق النقدي الثابت فيها والذي يجب ان يكون ‏محدد المقدار ومستحق الاداء في اجل محدد وان يكون هذا الحق موجودا قبل انشاء ‏الورقة التجارية، فضلا عن ضرورة اخرى في المحل الذي تمثله الورقة التجارية وهو ‏ان تتضمن الورقة التجارية تخويل المصرف الخاصم حق مطالبة الغير بقيمة هذه ‏الورقة، واحيانا يكون المصرف الخاصم سيئ النية ويقبل خصم الورقة التجارية لما ‏تحققه عملية الخصم من ربح للمصرف وهو يعلم ان الورقة التجارية لا تتضمن حقا ‏حقيقيا للمستفيد الا انه يفكر بالاستفادة عن طريق خصمها لدى مصرف اخر ويهمل ‏التحقق من صحة الورقة التجارية خشية من فقدان العلاقة التجارية التي تربطه مع ‏العميل المستفيد من الورقة التجارية فان عدم اتخاذ المصرف الاحتياطات اللازمة ‏والضرورية التي تجعله متأكدا من جدية عقد الخصم يرتب عليه اعتبار المصرف سيئ ‏النية لان الاوراق التجارية الصورية ترتب مسؤولية المصرف امام الغير على اساس ‏احكام المسؤولية التقصيرية، خاصة وان القضاء اتجه الى اعتبار اهمال موظفي ‏المصرف في اتخاذ تدابير الحيطة والحذر بحكم ما تفرضه عليهم وظيفتهم يكون بمثابة ‏العلم الموجب للمسؤولية، حيث ان المصرف يكون سيئ النية اذا كان يعلم بصورية ‏الورقة التجارية او كان عليه ان يعلم وهنا مسؤولية المصرف عن الغش الصادر منه ‏تنهض امام الغير وليس امام العميل المستفيد من خصم الورقة التجارية، كان تكون ‏الورقة غير ناشئة عن دين حقيقي بين الدائن والمدين وانما تسمى اوراق المجاملة ‏ويجب على المصرف عدم قبول صرفها لانتفاء الحق الذي تمثله الورقة التجارية‎.‎

الطبيعة القانونية لعقد الخصم رغم صفته التجارية الا انه يتشابه مع اوضاع قانونية ‏اخرى كثيرة التطبيق في التعاملات التجارية والمدنية مثلا حوالة الحق التي يراد بها ‏اتفاق أو عقد بين الدائن وشخص أجنبي عن علاقة المديونية على أن يحول له الدائن ‏حقه الذي في ذمة المدين، فيحل الأجنبي محل الدائن في هذا الحق بجميع مقوماته ‏وخصائصه، فيسمى الدائن ( محيلا ) والدائن الجديد ( المحال له ) ويطلق على ‏المدين ( المحال عليه ) وحوالة الحق تعتبر اتفاق أو عقد يتضمن نقل الحق المحال ‏به فهي علاقة ثنائية محورها المحيل والمحال له لكنها تتعلق بحق الدائن في مواجهة ‏طرف ثالث خارج عن هذه العلاقة وهو المدين الذي كان قد ارتبط مع الدائن بعلاقة ‏أخرى وهذه العلاقة تؤثر تأثيرا مباشرا في العلاقة بين المحيل والمحال له، وهذا ذات ‏ما يتضمنه اتفاق الخصم حيث ان المحال له او الدائن الجديد يكون هو المصرف ‏فتكون عملية الخصم هي ذات العملية في حوالة الحق الا ان المحال له يكون في عقد ‏الخصم مصرفا ويكون الدين موضوع حوالة الحق ثابتا في ورقة تجارية في عقد ‏الخصم، خاصة وان كلاً من حوالة الحق واتفاق الخصم لا تحتاج الى رضاء المدين ‏بالعقد المبرم بين المحيل والمحال له في حوالة الحق وبين المصرف والمستفيد من ‏الورقة التجارية في اتفاق الخصم‎.‎

‎ ‎المشرع العراقي في المادة ٢٨٣ من قانون التجارة جعل عقد الخصم يرد على الاوراق ‏التجارية والسندات القابلة للتداول حصرا والواقع العملي يستبعد الصك من مفهوم ‏عملية الخصم كونه مستحق الوفاء عند الاطلاع ويصرف مباشرة بمجرد تقديمه ‏للمصرف مما تنتفي الحاجة الى خصمه، ولخطورة عملية الخصم ولتعلقها احيانا ‏باموال الدولة خاصة اذا كان المصرف الخاصم هو مصرف حكومي لذا فان الدعاوى ‏المتعلقة بها يجب ان تكون اجراءاتها سريعة وتبتعد عن الشكلية‎.‎

واخيرا رغم ان القانون المدني هو قانون عام وان المشرع العراقي افرد فيه احكاما ‏خاصة في التضامن وحوالة الحق الا ان هناك اعمال تجارية يكون احد اطرافها ‏مصرفا تجاريا لذلك يكون من باب اولى ان تتضمن القرارات القضائية تطبيقا واسعا ‏لنصوص القانون الخاص المتمثل بقانون التجارة العراقي خاصة اذا كان المصرف هو ‏احد طرفي الادعاء وكان محل الحق ورقة تجارية سواء كمبيالة او سفتجة.‏