التفاصيل
التنصت الإلكتروني على سرية الاتصالات والمراسلات بين التجريم والمشروعية

التنصت الإلكتروني على سرية الاتصالات والمراسلات بين التجريم والمشروعية

القاضي حيدر فالح حسن

2021-01-04 08:41:00

 إن من حق كل شخص أن يتعامل مع حياته الخاصة بما يراه، ومن تلك الخصوصيات الاحتفاظ بسرية اتصالاته ومراسلاته السلكية واللاسلكية والإلكترونية التي يجريها عن طريق الهواتف السلكية أو النقالة أو مواقع التواصل الاجتماعي فضلاً عن البريد الإلكتروني وغيرها من الوسائل سواء كانت سلباً أو يجاباً عليه، دون أن يطلع عليها الغير بدون رضاه سواء كان من أفراد السلطة العامة أم من أحاد الناس.

وقد تكفلت العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية والدساتير والقوانين على حماية سرية الاتصالات والمراسلات السلكية واللاسلكية والإلكترونية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن أهم تلك المواثيق الدولية ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 إذ نصت المادة 12 منه (( حماية الفرد من التدخل التعسفي في حياته الخاصة... أو مراسلاته ولكل شخص الحق في الحماية القانونية ضد هذا التدخل أو تلك الاعتداءات ))، والميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 1994 إذ نصت المادة 6 منه (( للحياة الخاصة حرمة مقدسة، المساس بها جريمة وتشمل هذه الحياة الخاصة، خصوصيات الأسرة وحرمة المسكن،وسرية المراسلات وغيرها من سبل المخابرة الخاصة ))،والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 إذ نصت المادة 17 منها (( عدم جواز التدخل بشكل تعسفي وغير قانوني في حياة الأفراد الخاصة... وحماية سرية المراسلات ولكل شخص الحق في الحماية القانونية ضد مثل هذا التدخل أو التعدي ))،وكما نص الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة 40 منه (( حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والإلكترونية وغيرها مكفولة، ولا يجوز مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها، إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي ))، وفي قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 إذ نصت المادة 328 منه (( يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس كل موظف أو مستخدم في دوائر البريد والبرق والتلفون وكل موظف أو مكلف بخدمة عامة فتح أو أتلف أو أخفى رسالة أو برقية أودعت أو سلمت للدوائر المذكورة أو سهل لغيره ذلك أو أفشى سراً تضمنته الرسالة أو البرقية.ويعاقب بالعقوبة ذاتها من أفشى ممن ذكر مكالمة تلفونية أو سهل لغيره ذلك))، إلا أنه بسبب التغيرات التي طرأت على المجتمع الدولي كعولمة الاقتصاد التي تسعى أن يكون عالم بلا حدود اقتصادية،وعولمة الثقافة التي سعت إلى تخريب الثقافات عبر الوطنية ناهيك عن التطور الهائل في استعمال التقنيات التكنلوجية الحديثة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات كاستخدام الحاسوب والهواتف النقالة الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل الاتصال الحديثة عبر شبكات الاتصال وشبة المعلومات الدولية " الانترنت " حتى أصبح العالم بفضلها قرية صغيرة لا تفصلها عن بعضه الحدود المعروفة بين الدول،ظهر نتيجة ذلك الإجرام المنظم والجرائم المعلوماتية التي يصعب على أعضاء الضبط القضائي مكافحاتها وضبط مرتكبيها أو الحصول على أدلة كافية لإدانتهم لتقديها إلى القضاء وتحقيق العدالة الجنائية إلا باتباع أساليب تحر خاصة، ومن بين أهم تلك الأساليب هو التنصت الإلكتروني على سرية الاتصالات والمراسلات السلكية واللاسلكية والإلكترونية بأجهزة إلكترونية خاصة بعد إذن قضائي أو رسمي وفق ضوابط محددة تغليباً للمصلحة الأجدر والأولى في الرعاية وهي حماية أمن المجتمع في مكافحة الإجرام المنظم وجرائم المعلوماتية وضبط مرتكبيها وإنزال العقاب المقرر لهم على مصلحة الأفراد في الحفاظ على مكنون أسرارهم وحقهم في سرية اتصالاتهم ومراسلاتهم الخاصة،وقد نصت العديد من الاتفاقيات الدولية على استحداث هذا النوع من أساليب التحرِي الخاصة ومن أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (باليرمو) لسنة 2000،واتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم المعلوماتية لسنة 2001،واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003،لذا نهيب بالمشرع العراقي استحداث هذا النوع من أساليب التحري الخاصة وتنظيم أحكامه بنصوص صريحة في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل وعلى غرار العديد من القوانين الإجرائية الجزائية في الدول العربية كالقانون الإجراءات الجنائية المصري وقانون الإجراءات الجنائية البحريني وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني ولتحقيق المواءمة مع الاتفاقيات الدولية سالفة البيان.