التفاصيل
رقم جنائي

رقم جنائي

القاضي إياد محسن ضمد

2021-02-01 08:04:00

يصير المتهم من خلال بعض الإجراءات التحقيقية مجرد أوراق في ملف تندرج فيه مجموعة من الحيثيات والقرارات، يتحول من كونه مواطنا متهما بجريمة الى مجرد رقم جنائي مدرج في سجلات الجهات القائمة على التحقيق دون الالتفات الى انه إنسان ضمن له القانون والدستور جملة من الضمانات والحقوق وان المصلحة الاجتماعية او الأمنية التي تجاوز عليها المتهم بفعله لا تبرر بأي حال من الاحوال امتهانه والتجاوز على كرامته الإنسانية، لان النظام الجنائي الجيد هو الذي يرتكز على حماية الحقوق والحريات وتوفير ظروف المحاكمات العادلة وهو ما يمكن ان نسميه بانسنة المحاكمات الجنائية.

وكما ان بالامكان لجريمة ما ان تعصف بأمن الدولة واستقرارها فيمكن لحادثة انتهاك حقوق فرد وامتهان كرامته الإنسانية ان تعصف بعدالة النظام الجنائي ومصداقية الدولة وتدفع باتجاه انقلاب المزاج العام للمجتمع بالضد منها.

النظم العقابية الحديثة لم تعد تستند الى أهداف عقابية وزجرية فقط بل صارت تمتزج بقدر كبير من الانسنة الإجرائية والعقابية في اطار ما يسمى بعقلنة القانون الجنائي وكل منا يعي ويلمس وجود فارق كبير بين المستوى النظري للحقوق والحريات كنصوص قانونية ودستورية وبين التطبيق الفعلي والعملي لهذه الحقوق من قبل اجهزة العدالة وانفاذ القانون اذ يشهد الواقع نصوصا قانونية مثالية تقابلها انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وحرياته الاساسية وازاء ذلك فلا بد من مراعاة الحقوق المنصوص عليها قانونا عند القبض على المتهم وتوقيفه واجراء التحقيق معه ومن ثم محاكمته كالحق في الصمت والدفاع والحق في سرعة حسم القضية وان لا يكون المتهمون مجرد ارقام تندرج في السجلات الرسمية وتتبادلها الجهات القائمة على التحقيق في مراسلاتها ومخاطباتها الرسمية اذا يجب حفظ حقوقه كانسان ينحدر من اسرة ويمتلك احاسيس ومشاعر يجب مراعاتها والاسراع في حسم قضيته ومراعاة ضماناته عند تنفيذ إجراءات وقرارات التفتيش والقبض والتوقيف والمحاكمة وصولا الى تمكينه من الطعن بالقرارات الصادرة بحقه امام محاكم اعلى لانصافه من اي قرار تعسفي صدر ضده فالوصول للحقيقة وجمع الادلة واصدار الاحكام يجب ان لا يكون مصحوبا بوسائل اكراه او تعذيب وعدم تمكين المتهمين من حقهم في الدفاع وتقديم اسانيدهم القانونية لان مثل هذه الوسائل لا تعدو كونها شكلا من اشكال الارهاب النفسي والجسدي تلجأ إليها الأنظمة المتخلفة في مجال التحقيق وكشف ملابسات الجرائم.

فاجهزة التحقيق المهنية والمحترفة هي التي تصل الى الحقيقة وتتعرف على مرتكب الجريمة وشركائه من خلال وسائل فنية وعلمية وتقنية نص عليها القانون وسمح باستخدامها واللجوء اليها وليس من خلال اكراه فكري وجسدي يمارس على المتهم يتجاهل وضعه الإنساني ويتعامل معه على انه مجرد رقم لقضية جنائية.