التفاصيل
البحث القانوني وآثاره

البحث القانوني وآثاره

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2021-02-01 08:07:00

يشهد العالم اليوم نقلة نوعية وزمنية وعلمية وحضارية هائلة فنحن نعيش قرناً جديداً تؤشر فيه المعطيات إلى أنه سيكون قرن ‏العجائب ‏والتحولات المادية والعلمية والإنسانية, وبما ان تقدم الشعوب وتحديد مراحلها الحضارية يتحدد بتحديد النخبة من العقول مما ‏جعل للبحث العلمي أهمية بالغة في عالم اليوم, فالسباق قائم بين دول العالم للوصول إلى المعرفة الدقيقة والمفيدة لما لذلك من ‏انعكاسات على حياة الفرد في المجتمع.

 وما من دولة أهملت البحث العلمي الا وبانت معاناتها ‏من الجهل والتخلف واضحة فالبحث ‏الدائم عما هو جديد من المعرفة له عظيم الأثر في تقدمها وتنميتها، فغالباً ما يكون للبحث العلمي فوائد علمية بحتة نظراً لبقاء الباحث ‏في نطاق المعالجة النظرية للمشكلات في حين أن البحث التي تترتب عليه فوائد علمية وعملية أي له مردودات إيجابية في الحياة ‏زيادة على فوائده العلمية البحتة فإنه يحظى بالقبول والرضا التام فهو بهذا الوصف يقدم خدمات واضحة لخطة ‏التنمية في البلد لذلك ‏نرى أن التطور العلمي والتقني في العالم والإضافات الجديدة للمعرفة العلمية والأفكار والابتكارات للمشكلات العلمية والاجتماعية ‏والآراء المبتكرة والإبداع كان من ثمار البحوث والدراسات التي أنتجتها العقول المبدعة والخلاقة ‏وبما انه من المسلمات أن البحث ‏القانوني هو بحث علمي فإن الباحث القانوني يسير باتجاه إيجاد حل للمشكلات قانونية أو اجتماعية ذلك أنه أساس تطبيق القانون على ‏الأفراد في المجتمع أما عن إخلال ناشئ عن علاقة قانونية أو مشكلات اجتماعية ويبرز دور القانون في حل المشكلات الاجتماعية ‏في مسائل الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وإثبات النسب وما إلى ذلك من المشكلات الاجتماعية الأسرية مما يبرز دور القاعدة ‏القانونية التي يضعها الإنسان لتنظيم حياة الفرد وعلاقاته في إطار العدالة والمحبة والوئام. ‏وهذه هي مهمة القانون في المجتمع ومهما ‏تعددت الآراء والاجتهادات حول أساس ومصدر القاعدة القانونية فلا مناص من ضرورة وجودها وضرورة تطويرها لمواكبة مسيرة ‏الحياة مما تُظهر دور البحث القانوني للقاضي في سد الفراغ في القانون عند سكوت القانون عن إيراد حكم في نزاع معروض أمامه ‏ذلك أن القصور في القانون هو عدم تضمنه النص القانوني لما تقوم به الحاجة من أحكام تفصيلية وجزئية، ‏وبما أن القاضي ملزم ‏بحسم الدعوى ولا عذر له بالامتناع عن الحكم بحجة فقدان النص القانوني أو غموضه وإلا عُدَ ممتنعاً عن إحقاق الحق لاسيما وأن فكرة ‏الفراغ القانوني معترف بها في التشريعات العربية والأجنبية فيكون ما توصلت له البحوث القانونية المعدة من القضاة والباحثين ‏القانونيين من نتائج ومقترحات سبباً لسد النقص في التشريعات من خلال تعديل القوانين على وفق تلك المقترحات والنتائج التي ‏توصل لها الباحثون القانونيون والقضاة، ‏ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل كان للبحث القانوني دور في تعديل بعض التشريعات في ‏ضوء ما توصل إليه القضاة من نتائج في بحوثهم من خلال التطبيقات العملية للنصوص القانونية لعدم ملاءمتها للتطبيق مما ‏يستوجب التعديل فهذه إسهامات واضحة لدور البحوث القانونية للقضاء كحل للمشكلات القانونية والاجتماعية على حد سواء للترابط ‏بين المفهومين, ولا يقف الأمر عند هذا بل ويمتد أثر البحث القانوني إلى الدوائر القانونية من غير القضاء, ويبقى الطموح اكبر بأن ‏تتم دراسة النتائج والمقترحات ‏من بحوث القضاة بعمق اكبر للوصول إلى نتائج اكبر مما وصلت إليه لاغناء القاعدة القانونية بما ‏تعززه التطبيقات العملية ومنطلقاً لاصدار تشريعات جديدة وبلورة أساسها على ضوء ذلك كما وادعو القائمين على العملية البحثية ‏مُمثلين بالأكاديميين من مد الجسور بالتعامل بين الجانب الأكاديمي للدراسات القانونية والجانب التطبيقي لأن انقطاع الصلة بينهما ‏يجعل القضاة منعزلين من التطور على أساس سليم ويجعل ‏أساتذة القانون منعزلين عن الحقيقة القضائية كما ومن المفيد زيادة الثقافة ‏القانونية للقضاة وذلك من خلال المحاضرات القانونية وتنظيم مؤتمرات قانونية لتبادل التجارب القضائية ولخلق تيار فكري رديف إن ‏لم يكن الأساس لبناء نهضة قانونية واصلاح قانوني مستنيرين بعطاءات أهل الفكر القانوني لتنطلق العدالة برؤيا جديدة في كل شيء ‏وعن كل شيء مستقبلين ‏ومحتضنين كل الأقلام والأفكار في بناء صرح العدالة في المجتمع‎.‎