التفاصيل
جريمة بالقياس‎ ‎

جريمة بالقياس‎ ‎

القاضية أريج خليل

2021-02-01 08:08:00

يعتبر مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات من اهم المبادئ القانونية التي أُعتمد عليها في السياسة الجنائية المطبقة في العراق، حيث جاء ‏مبدأ لا جريمة ولا عقوبة الا بنص في المادة الاولى من قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ والتي نصت "لا عقاب على ‏فعل أو امتناع إلا بناءً على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه ولا يجوز توقيع عقوبات أو تدابير احترازية لم ينص عليها ‏القانون" هذا المبدأ يترتب عليه ان لا جريمة ولا عقوبة الا بنص ولا يجوز القياس على النص الجنائي كما لا يجوز التوسع في ‏تفسيره لان ذلك سيؤدي الى خلق جرائم جديدة لم ينص القانون على تجريمها وبالتالي يقيد الحريات. ‎

والقياس هو إعطاء حالة غير منصوص عليها في القانون حكم حالة منصوص عليها لاتفاق الحالتين في العلة، وفي قانون العقوبات ‏لا يجوز استخدام القياس مهما كان هناك تشابه بين الفعلين حيث ان القواعد الايجابية المتعلقة بالتجريم يكون منع استخدام القياس فيها ‏مطلقا أما في القواعد السلبية المتعلقة بالإباحة والإعفاء من المسؤولية يكون القياس جائزا لأنه لا يؤدي إلى خلق جرائم جديدة ويكون ‏في مصلحة المتهم. ‎

القانون العراقي عرف الجريمة على انها كل تصرف جرمه القانون سواء كان ايجابيا ام سلبيا كالترك والامتناع ما لم يرد نص خلاف ‏ذلك والقانون يستند في تجريم الافعال على حجم الضرر الذي تسببه سواء للافراد ام للمجتمع ككل، واحيانا يطبق القاضي نصا ‏جنائيا على جريمة لم يرد بها نص صريح نظرا لتشابه الافعال المادية المكونة لها كما هو الحال في جريمة ممارسة السحر والشعوذة ‏والتي اصبحت من الظواهر السلبية التي تفتك بمجتمعنا العراقي والتي غالبا يطبق عليها احكام المادة ٤٥٦ من قانون العقوبات ‏العراقي حيث اعتبرت من جرائم النصب والاحتيال واعتبر السحرة والمشعوذين من تجار الوهم الذين يستخدمون طرق احتيالية في ‏الحصول على الاموال، رغم الانتشار الكبير لجريمة الشعوذة كماً وشكلاً ونوعاً واسلوباً حيث اصبحت تمارس علنا ويتم الدعاية ‏والاعلان عنها على منصات التواصل الاجتماعي مما جعلها من اخطر الجرائم الضارة بسلامة الانسان وبسلامة المجتمع وأمنه، ‏وان ترك افعال هؤلاء المجرمين تقاس على الافعال المكونة لجريمة النصب والاحتيال سيؤدي الى تفاقم نتائج هذه الجريمة اخلاقيا ‏واجتماعيا، فضلا على تأثيرها على الدين والعقيدة لان الساحر والمشعوذ يدعي علمه بالغيب وان له القدرة على ايقاع الضرر ‏بالآخرين وهذا يتعارض مع مبدأ التوحيد وبكون الله وحده العالم بالغيب وهذه الجوانب السلبية جعلت سلوك هذه الجريمة سلوكا شاذا ‏غير مقبول اجتماعيا ودينيا لما له من اثر في نخر المجتمع وزيادة البغض والكراهية وتشتيت الناس وبالتالي على تماسك المجتمع ‏وترابطه وأمنه‎. ‎

نظرا لهذه الخطورة الاجتماعية لا اجد قياس هذه الجريمة وأفعالها المكونة لها على جريمة النصب والاحتيال أمراً مقبولا من الناحية ‏القانونية، خاصة وان محل الجريمة في المادة ٤٥٦ من قانون العقوبات هو مالاً منقولاً مملوك للغير، بينما ان هناك العديد من ‏المشعوذين لهم غايات اخرى غير المال من ارتكاب هذه الجريمة، كما ان اعتبار جريمة السحر والشعوذة من الجرائم الواقعة على ‏الاموال فيه تجاهل لحجم الاضرار الناتجة عن هذه الجريمة والتي تصل احيانا الى ازهاق النفس او التسبب بتفكك المجتمع بعد ان ‏اصبح السحرة يتفاخرون علنا باستخدامهم للاساليب القذرة في تنفيذ أعمالهم مما يبين حجم الضرر الاجتماعي الذي يتسبب به هولاء ‏الجهلة والذي لا يمكن قياسه اطلاقا بالضرر المتولد عن الجرائم الواقعة على الاموال كالنصب والاحتيال، مما يتطلب ان يكون ‏هناك نصوص خاصة بهذه الجريمة وبحثها ضمن الجرائم الواقعة على الاشخاص وحقهم بسلامة جسدهم وضمن الجرائم الاجتماعية ‏المؤثرة سلبا على المجتمع وسلامته وأمنه.‏