التفاصيل
العنف الإرهابي وسبل مواجهته

العنف الإرهابي وسبل مواجهته

القاضي د. حيدر علي نوري

2021-02-01 08:10:00

      يعرف العنف الإرهابي بأنه : السلوك الإجرامي الإرهابي الذي يترتب عليه خطر أو ضرر إرهابي ‏يلحق بالأشخاص أو الأموال، ويتصف العنف بالإرهاب إذا بلغ درجة من الجسامة أدت إلى تحقيق ‏غاية معينة يقصدها الإرهابي بسلوكه الإجرامي، بحيث تكون تلك الجسامة من الشدة التي من شأنها ‏إخراج العنف من نطاق التجريم العام لجرائم العنف ليندرج في إطار التجريم الخاص بجرائم الإرهاب، ‏إذا كان من شأنه نشر الخوف والرعب والفزع بين الناس، وهي الغاية التي يبتغيها الإرهابي بسلوكه، ‏ومع ذلك يبقى مصطلح العنف مرتبطاً أصلاً بالجرائم الإرهابية، كما أنّ الإرهاب يقترن بمفهوم العنف ‏ويعدّ إشارة إليه، فغالباً لا تقع الجريمة الإرهابية بغير العنف، ويتجسد شكله المباشر بإلقاء ‏المتفجرات وتفجير المركبات والأحزمة الناسفة والعبوات الناسفة واللاصقة، ويمثل شكله غير المباشر ‏في جمع المتفجرات والأسلحة والأعتدة والأموال والمؤن وتقديمها للإرهابيين في سبيل استخدامها ‏لارتكاب الجريمة.

 و يكون العنف فكرا تطرفيا فاسدا، وهو أقصى معاني العنف وأكثرها قسوة، وأوضح ‏مظاهره، ويقصد به ذلك العنف الذي يخدم أيدلوجية ما تسلطية استبدادية منحرفة أو النابع من عقيدة ‏معينة فاسدة ، كما لو كان العنف دينياً فاسدا متطرفا بلا إيمان، يحمل بين ثناياه الانحراف والانحدار ‏الاخلاقي معا، الامر الذي يفقد الدين معناه الإنساني الصحيح ورسالته السماوية السامية، ولذا قيل ‏‏(الإرهاب لا دين له)، ولكن لا يعني ذلك أنّ العنف هو العنصر المميّز للسلوك الإجرامي الإرهابي في ‏الجريمة الإرهابية لإمكانية ارتكابها من دونهِ، كتسميم مياه الشرب أو نشر الغازات السامة والمواد ‏الكيماوية والجرثومية والمواد المشعّة والأوبئة وغيرها، وهذا يعني أنّ الجريمة الإرهابية تتميّز بالغاية ‏المستهدفة منها هي نشر الخوف والرعب والفزع بين الناس، وبذلك لا يمكن اعتبار كل عنف (إرهابا) ‏‏, وإنّما من الممكن اعتبار الجريمة الإرهابية صورة من صور جرائم العنف، ولذا نستنتج أنّ العنف في ‏الجرائم العادية يختلف عن العنف في الجرائم الإرهابية من خلال ما يأتي:‏

‏1- من الممكن أن يقع العنف في الجرائم  العادية عن طريق الإهمال أو الترك والامتناع، أمّا في الجرائم ‏الإرهابية فلا يقع العنف إلا عن طريق العمد وبسلوك إجرامي إيجابي.‏

‏2- في جرائم العنف العادية توجد علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين الجاني والمجنى عليه، في حين ‏تنعدم هذه العلاقة غالباً في الجرائم الإرهابية التي تقع بارتكاب السلوك الإجرامي العنيف، كونها توجه ‏إلى كل من كان حاضراً مسرح الجريمة من الأبرياء.‏

‏3- يهدف العنف في الجرائم العادية إلى تحقيق نتيجة معينه بعينها، في حين يهدف العنف في ‏الجرائم الإرهابية إلى تحقيق هدف قريب هو النتيجة المترتبة على العنف من دمار أو تخريب أو هدم ‏أو إتلاف أو قتل، وهدف بعيد يتمثل بالغاية الإرهابية.‏

‏    وتميل أغلب القوانين العقابية المقارنة في سياستها الجزائية عند معالجة الجريمة الإرهابية إلى ‏اعتبار العنف الإرهابي جوهر التجريم على أساس أنّ العنف الإرهابي ظاهرة ذات شكل إجرامي خاص.‏

‏   ولم يشترط المشرّع العراقي في قانون مكافحة الإرهاب درجة معينة في العنف عند استخدامه كسلوك ‏إجرامي إرهابي، بل اكتفى بأدنى درجاته وأبسط وأخف صوره، متى كان من شأنها تحقيق الغايات ‏الإرهابية، بخلاف المشرّع الفرنسي الذي اشترط الجسامة في العنف الذي تتحقق به الجريمة ‏الإرهابية، وتكمن غاية المشرع العراقي من ذلك ، مواجهة العنف الارهابي بمختلف درجاته وصوره، ‏ولعل الحادث الارهابي الجبان الذي استهدف ساحة الطيران في بغداد، الذي راح ضحيته كوكبة من ‏الشهداء الابرياء، يمثل صورة من صور جرائم العنف الارهابي، الامر الذي يتطلب منعها والحد من ‏انتشارها، المواجهة الحازمة والسريعة من الأجهزة الامنية المختصة، واتخاذ الاحتياطات والإجراءات ‏اللازمة للحيلولة دون تكراراها، من خلال الكشف السريع عن الجناة من الارهابيين ومن يقف ورائهم ‏وبالأدلة الدامغة، تنفيذا لتوجيهات مجلس القضاء الاعلى، حتى تتمكن الجهات القضائية المختصة ‏من تطبيق حكم القانون بحقهم، لينالوا جزاءهم العادل، انصافا لدماء الشهداء الزكية التي أريقت بلا ‏سبب سوى انتمائهم لوطنهم العراق.