التفاصيل
دعوى قطع النزاع

دعوى قطع النزاع

‏القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2021-03-01 08:19:00

إن الأصل في الدعوى ترفع للمطالبة بحق أو حماية مركز قانوني أو عند حصول نزاع بشأنهما ولكن في بعض الحالات لا يلجأ من يدعي وجود حق او مركز قانوني له قِبل الغير أو من ينكر هذا الحق أو المركز القانوني على الغير إلى القضاء بما يدعيه او ينكره وهو الطريق الطبيعي للمطالبة بالحقوق والمراكز القانونية أو الدفاع عنهما، ‏إنما يسلك هذا الشخص سبيلاً آخر يتمثل في أثارة الادعاءات والمزاعم والشائعات -شفاهاً أو كتابةً- خارج ساحة القضاء بأن له حقاً او مركزاً قانونياً تجاه غيره او ينكر على الغير أن له حقاً او مركزاً قانونياً.

‏ومما لا شك فيه أن آثاره مثل هذه المزاعم والادعاءات خارج سوح القضاء لها أثرها السلبي على سمعة من تثار ضده ان كان شخصاً طبيعياً، ‏وكذلك لمثل هذه الادعاءات والمزاعم من مساس بالذمة المالية للشخص المعنوي التي تكون محل اعتبار في التعامل مع الأشخاص المعنوية في النشاطات المالية والتجارية، ‏والوسيلة القانونية لمن تثار ضده هذه المزاعم والادعاءات خارج القضاء إقامة الدعوى على من أثار هذه المزاعم يطالبه بإثبات صحة ما يدعيه ويزعمه وإلاّ حكم عليه بعدم أحقيته بذلك والزامه بالكف عن إثارة مثل هذه المزاعم، ‏وبذلك يمكن تعريف دعوى قطع النزاع بأنها (تلك الدعوى التي يكون موضوعها إجبار شخص يدعي ويزعم لنفسه خارج مجلس القضاء حقاً او مركزاً قانونياً يخصّ غيره او تجاه غيره على أن يدعيه ويثبته أمام القضاء, فإن عجز عن ذلك حكم عليه بألاّ حق له في ما يدعيه ويزعمه ويحظر عليه ‏اثارة هذه الادعاءات والمزاعم في المستقبل، ‏أي يحكم عليه بإلزام الصمت إلى الأبد).

‏والشروط الواجب توافرها لقبول دعوى قطع النزاع هي:-

‏الشرط الأول/ أن تكون مزاعم من ترفع عليه مزاعم محددة صدرت بأفعال علنية مما يضر بحقوق المزعوم ضده, كأن يدعي انه مالك لدار في حيازة آخر ويطلب من مستأجرها عدم دفع الأجرة لحائزها. ‏أما إذا كانت المزاعم تخرصات فارغة ليس لها أثر يعتد به فلا تُقبل الدعوى. ‏والشرط الثاني/ أن يقوم رافع الدعوى بإثبات دعواه على وفق المبادئ العامة في الإثبات, فإذا كان المدعى عليه يزعم انه مالك لعقار فان المدعي يقوم بإثبات ملكيته هو للعقار.

‏ويرى الدكتور سعدون ناجي القشطيني ان التصور الصحيح لدعوى قطع النزاع أن تقام بشكل دعوى مطالبة بضرر (مادي أو أدبي) نتيجة لتصرف من يزعم بوجود الدين, وفي هذه الحالة تصبح مسألة وجود الدين من عدمه من مسائل الاثبات الذي يترتب عليه وجود الضرر من عدمه.

‏وتجدر الإشارة إلى أن دعوى قطع النزاع تحمي ملكية العقار و سائر الحقوق العينية الاصلية الأخرى الواردة عليه, وتحمي المنقول وحالة الشخص (أبوه – بنوه – زوجية ...الخ) واعتباره وذمته المالية من أي مزاعم أو ادعاءات أو شائعات تثار بشأن هذه الامور.

‏وقد تباين موقف التشريعات من هذه الدعوى فمن التشريعات ما نصت صراحة على قبولها كألمانيا وسويسرا والنمسا وإسبانيا والبرتغال إدراكاً من هذه التشريعات لأهمية هذه الدعوى وضرورتها لحماية الحقوق والمراكز القانونية، ‏وتعد هذه الدعوى مقبولة في التشريع الإيطالي, وكذلك القانون الإنجليزي له تطبيقات لهذه الدعوى. اما عن موقف محكمة النقض الفرنسية من دعوى قطع النزاع فإن هذه الدعوى طرحت على المحكمة المذكورة عدّة مرات, وأنها لم تعارض قبولها طالما أن المزاعم والادعاءات المثارة من الغير جدية وتشكل تعرضاً لحقوق ومراكز من تثار  بمواجهته.

‏ولقيت هذه الدعوى تأييد من المشرع المصري حيث نصت المادة(4/2) من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 77 لسنة 1949 على انه(....... ‏ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه).

‏وجاء في المذكرة التفسيرية لهذا القانون تعليقاً بشأن هذه المادة (أن هذا الحكم الجديد يتيح من الدعاوى أنواعاً اختلف الرأي في شأن قبولها مع توافر المصلحة فيها والمشرع في هذا يأخذ بما اتجه إليه الفقه والقضاء من إجازة هذه الانواع من الدعاوى). وفي هذا اشارة واضحة من المشرع لقبول دعوى قطع النزاع واخذه بها.

‏وابقى المشرع في مصر هذا النص عند إصداره مجموعة المرافعات الصادرة عام 1968 وشهدت المحاكم المصرية العديد من تطبيقات هذه الدعوى.

‏و تجاذب الفقه اتجاهان بشأن دعوى قطع النزاع بين مؤيد ومعارض لقبولها ولكل منهم حججه.

‏وإن هذه الدعوى غير مقبولة في الفقه الإسلامي والقانون العراقي لأن المدعي لا يجبر على إقامة الدعوى لأن الحق له أن شاء طلبه وأن شاء تركه فالمدعي هو من إذا ترك تُرك.

‏ونرى أن لا بأس في قبول هذا النوع من الدعاوى في ضوء سلطات القضاء بحماية الحقوق والمراكز الاجتماعية سيما وأن للاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية في عالم اليوم أهمية بالغة سواء للشخص الطبيعي أو الشخص المعنوي وفي ضوء انتشار وتطور وسائل الدعاية والنشر مما يجعل من قبولها رادعاً لبث المزاعم والادعاءات خارج سوح القضاء.