التفاصيل
دفاع شرعي

دفاع شرعي

القاضي اياد محسن ضمد

2021-03-01 08:22:00

العنف الذي تجيزه القوانين وتسمح للأفراد ان يمارسوه والذي لا تعاقب عليه السلطات القضائية يسمى دفاعا شرعيا او وبعبارة اخرى ‏هو العنف الذي تسمح من خلاله القوانين للفرد بان يقتص من الاخر بنفسه في حال الاعتداء عليه بشروط منها ان يكون الخطر الذي ‏يتعرض له حال او وشيك وغير مشروع وان يهدد النفس او المال وان لاتكون هناك فرصة للجوء للسلطات العامة لدفعه وان يكون ‏الدفاع متناسبا مع الخطر.

 قضايا جنائية كثيرة تعرض على محاكم التحقيق والجنايات تكون فيها ظروف وشروط حالة الدفاع ‏الشرعي مبهمة وغامضة وملتبسة بظروف اخرى قد لا يكون من السهل فك الالتباس فيها والوصول للحقيقة ومن ثم تحديد ما اذا ‏كان المتهم في حالة دفاع شرعي ام لا ومهمة تحديد ما اذا كانت ظروف وشروط حالة الدفاع الشرعي متوافرة للمتهم من عدمه تقع ‏ضمن اختصاص محكمة الموضوع.‎ ‎

قانون العقوبات العراقي وفي المواد من ٤٢ لغاية ٤٦ تناول احكام الدفاع الشرعي بالتفصيل الا ان القضايا التي تنظرها المحاكم على ‏الاغلب تكون شائكة وغامضة فتحديد ما اذا كان المتهم قد واجه خطرا حقيقيا ام لا وتحديد ما اذا كانت القوة التي استخدمها لدفع الخطر ‏تتناسب مع الخطر ام انه بالغ في استخدامها وتحديد ما اذا كان بإمكانه اللجوء للسلطات الرسمية لطلب الحماية ام لا، كلها ظروف ‏موضوعية تستقيها محكمة الموضوع من إفادات المشتكين والشهود وأقوال المتهم والكشف على محل الحادث والتقارير الطبية ‏والفنية ذات الصلة فإذا توصلت المحكمة الى توافر جميع شروط الدفاع الشرعي حينها يكون فعل المتهم مباحا ولا يشكل جريمة اما ‏اذا لم تتوافر بعض الشروط وتوافر بعضها الآخر فيمكن الركون الى حالة تجاوز حدود الدفاع الشرعي كأن يتعرض المتهم لخطر الا ‏انه يستخدم من القوة لدفعه اكثر مما يتطلبه واقع الحال او اكثر مما يستخدمه الرجل المعتاد في مثل ظروف المتهم او اذا اعتقد وجود ‏الخطر وكان اعتقاده مبني على اسباب معقولة، وبهذا الصدد فقد قضت محكمة التمييز الاتحادية بقرارها المرقم ١٢٧/حق دفاع ‏شرعي/٢٠٠٦ اعتقاد المتهم انه في مواجهة خطر على حياته وانه يتعذر عليه تفادي ذلك الخطر الا بارتكاب جريمة وان هناك من ‏الأفعال ما تحمله على هذا الاعتقاد ويرتكب الجريمة لهذا السبب عليه يكون متجاوزا لحق الدفاع الشرعي وتنطبق على فعله احكام ‏المادة ٤٥ من قانون العقوبات.

 وقد صدقت محكمة التمييز الاتحادية بموجب هذا القرار الحكم الصادر من محكمة جنايات البصرة ‏بالحبس لمدة اربع سنوات على متهم احيل اليها وفق المادة ٤٠٦ /١ /ز من قانون العقوبات لقتله احد الاشخاص وشروعه بقتل الآخر ‏حيث كان بين المتهم والمجنى عليهم خلافات مستمرة وفي احدى المرات التي جمعته بهم وعلى اثر مشادة كلامية شاهد احدهم ‏يركض نحو صندوق السيارة فاعتقد انه سيخرج منها سلاحا ليقتله به فباغتهم المتهم بإطلاق النار قاتلا احدهم ومصيبا الاخر بجروح ‏فقررت محكمة الموضوع انه تجاوز حدود الدفاع الشرعي واخذت اعتقاده بوجود الخطر محمل الاعتقاد المشروع واستدلت بالمادة ‏‏٤٥ من قانون العقوبات وخفضت العقوبة الى الحبس وباعتقادي ان إثارة حالة الدفاع الشرعي ومن ثم استخلاصها من قبل محكمة ‏الموضوع من المهام الصعبة والمعقدة التي تواجهها محاكم الموضوع الا انها ضرورية للوصول الى الأحكام العادلة والتي تمثل ‏التطبيق السليم لنصوص القانون المصحوبة بنظرة إنسانية وواقعية.