التفاصيل
مدى تناسب العقوبة السالبة للحرية مع الجريمة الكمركية

مدى تناسب العقوبة السالبة للحرية مع الجريمة الكمركية

القاضي أريج خليل

2021-03-01 08:23:00

أقر المشرع العراقي في قانون الكمارك رقم ٢٣ لسنة ١٩٨٤ المعدل بالقرار رقم ٧٦ لسنة ١٩٩٤ عقوبة سالبة للحرية بحق من يرتكب الجريمة الكمركية تصل احيانا الى السجن المؤبد او المؤقت، وقد لجأ المشرع العراقي الى فرض هذه العقوبات السالبة للحرية لمواجهة الخطر الذي يتسبب به من يحاول الغش والاحتيال وخداع السلطة المالية عن طريق التهرب من دفع الرسوم الكمركية كلا او بعضا، وقد كان المشرع العراقي ينص في المادة ١٩٤ من قانون الكمارك قبل التعديل على عقوبات سالبة للحرية لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد عن خمس سنوات ولكن تعدلت هذه المادة بموجب القرار رقم ٧٦ لسنة ١٩٩٤ وأصبحت العقوبة السالبة للحرية في قانون الكمارك النافذ تصل الى السجن المؤبد او المؤقت.

 ومما لا شك فيه ان عقوبة الحبس تحقق قدرا معينا من الردع الموجه ضد الخطورة الإجرامية لمرتكبي الجريمة الكمركية الا ان المشرع عندما ينص على اي عقوبة فيكون الغرض من تشريعها حماية مصلحة والمصلحة التي يراد حمايتها من فرض العقوبات الواردة في قانون الكمارك هي المصلحة المالية للدولة، اي ان التشدد ضد مرتكبي جرائم التهرب الكمركي هو بسبب ان الرسوم الكمركية التي يتهرب هؤلاء من دفعها تغذي خزينة الدولة بالأموال لذلك فالتهرب من دفع الرسوم الكمركية يعتبر اعتداء على خزينة الدولة، وهذه المصلحة واجبة الحماية تستلزم وضع عقوبات تتفق وطبيعة تلك الجريمة فأساس فرض العقوبات الكمركية هو منع ضياع مبالغ الرسوم الكمركية التي تغذي الخزينة وان عقوبة الحبس وان كانت تلحق ألماً بدنيا ونفسيا بالجاني الا انها لا تتفق مع الحكمة من فرض العقوبة، كما انه يفترض في هذه المرحلة الاقتصادية الحرجة التي يمر بها اقتصاد البلد عدم اللجوء الى العقوبات السالبة للحرية في الجرائم الكمركية البسيطة كونها لا تنسجم مع المصلحة التي اراد المشرع حمايتها ولان حبس المتهرب من دفع الرسوم سيكلف الدولة نفقات كبيرة خلال فترة محكوميته ناهيك عن جانب السلوك خاصة وان مرتكب الجريمة الكمركية ليس بذات الخطورة الاجرامية التي يكون عليها الخاطف والقاتل والسارق ومع ذلك سيختلط معهم اثناء فترة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية.

ان التعديلات التشريعية تصدر لضرورة اجتماعية او اقتصادية وعندما صدر التعديل رقم ٧٦ لسنة ١٩٩٤ لقانون الكمارك وشدد العقوبات السالبة للحرية كان قد صدر بسبب الحصار الاقتصادي وكانت المصلحة المراد حمايتها حينها اكبر من مجرد حماية الخزينة العامة لان العراق حينها كان يمر بظرف اقتصادي وكان لابد من مجابهة انهيار السوق وجشع التجار لتنفيذ سياسة اقتصادية طارئة.

 اما اليوم فالعراق في انفتاح اقتصادي كبير ويعاني من تعثر في الانتاح المحلي لذلك حجم الاستيراد اكبر مما كان عليه في اي وقت آخر، لذلك فالمتطلع الى الوضع الاقتصادي الحالي يؤيد ان العقوبة السالبة للحرية في الجرائم الكمركية لا تحقق الغرض منها وان اعتماد العقوبات المالية بصورة اوسع ينسجم مع هذه المرحلة وذلك بغية تعظيم ايرادات الدولة بصورة مستمرة مع عدم الاستغناء عن العقوبات السالبة للحرية في الحالات التي تشكل انتهاكا خطيرا ومضرا بالمجتمع والاقتصاد الوطني كتهريب الأدوية والآثار مثلا او في حالة اعتياد الجاني على التهرب من دفع الرسوم الكمركية لأكثر من مرة.

المادة ٢٤٢ من قانون الكمارك النافذ اجازت لمدير عام الهيئة العامة للكمارك او من يخوله ان يعقد تسوية صلحية مع مرتكبي الجرائم الكمركية قبل اقامة الدعوى او خلال النظر فيها او بعد صدور الحكم وقبل اكتسابه الدرجة القطعية وذلك عن طريق الاستعاضة بالعقوبات الكمركية كافة وفرض غرامة نقدية لا تزيد عن ضعف التعويض المدني علما ان التعويض المدني يمثل ثلاثة اضعاف قيمة البضاعة مع الرسم الكمركي المترتب عليها، الا ان هذه المادة حددت البضائع المشمولة بالتسوية الصلحية وهي التي لا تزيد قيمتها عن الفين وخمسمائة دينار، لذا نجد ان تفعيل هذا النص القانوني مع تعديل قيمة البضائع المشمولة به ومنح الادارة الكمركية سلطة اجراء التسوية الصلحية في البضائع التي لا تزيد قيمتها عن عشرة ملايين او حتى عشرين مليون كبديل للعقوبات السالبة للحرية سيكون ذا اثر ايجابي على المصلحة المحمية حيث سيضاعف التعويض المدني وسيصب ذلك في مصلحة الخزينة العامة وعندها ستكون العقوبة متناسبة مع الضرر الواقع على المال العام وجابرة له، اما في العقوبة السالبة للحرية فان الخزينة العامة ستكون مجنى عليها مرتين مرة عند ضياع الرسوم الكمركية فتصاب الخزينة العامة بالضرر والمرة الاخرى عندما يتم الانفاق منها على المحكوم بعقوبة سالبة للحرية وفق المادة ١٩٤ من قانون الكمارك.