التفاصيل
وأفهم علناً

وأفهم علناً

القاضي ناصر عمران

2021-03-01 08:25:00

تُعد عبارة الإفهام العلني متلازمة اجرائية في العمل القضائي تختزل في محتواها اللفظي مديات واسعة من الشرح والتفصيل وتتعكز على تجسيد واقعي لضمانات الحقوق والحريات فالعلن ميدان العمل القضائي وطريقه الاثير باتجاه الوصول الى الحقيقة وتطبيق العدالة.

 ومبدأٔ علانية جلسات المحاكمة من المبادئ الاساسية للإجراءات الجنائية ولأهميته فقد تضمنه الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن هيأة الامم المتحدة عام 1948 في المادة العاشرة منه اذ نصت على انه : ( لكل انسان الحق على قدم المساواة التامة مع الاخرين في ان تنظر قضيته امام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته واية تهمة جنائية موجهة اليه ) كما نصت المادة الحادية عشرة منه على ( ان كل شخص متهم بجريمة يعد بريئا الى ان تثبت ادانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه) وانسجاما مع هذه المبادئ فقد نصت الكثير من دساتير الدول عليها وعلى نفس هذه المبادئ حيث جاءت المادة 152 من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971بالنص على انه ( يجب ان تكون جلسات المحاكمة علنية ما لم تقرر المحكمة ان تكون كلها او بعضها سرية لا يحضرها غير ذوي العلاقة بالدعوى مراعاة للأمن او المحافظة على الآداب ولها ان تمنع حضورها فئات معينة من الناس). والقصد بالعلانية ليس إجراء المرافعة بحضور الخصوم وهو اجراء قانوني انما المقصود بعلنية جلسات المحاكمة هو السماح للجمهور بحضور الجلسات ومراقبة المحكمة ويتحقق ذلك من خلال فسح المجال لكل شخص من حضور المحاكمة.

 وتتفق معظم القوانين على ان العلانية في إجراءات التحقيق الابتدائي نسبية ومطلقة وان اتفقت على علانية المحاكمة كضمانة مهمة من ضمانات المتهم وأصل من أصول النظام القضائي. وحيث ان هذه القوانين تختلف في ذلك تبعاً للنظام الذي تأخذ به. ففي القوانين التي تأخذ بالنظام الاتهامي فان إجراءات التحقيق الابتدائي شأنها شأن إجراءات المحاكمة تتم بعلانية مطلقة، أي يسمح للخصوم بحضور إجراءات التحقيق الابتدائي وكذلك تعطى للجمهور فرصة الحضور، وذلك لأن العلانية هي إحدى صفات أو خصأئص هذا النظام. ومن الدول التي أخذت بهذا النظام كأساس لقوانينها هي إنكلترا وأمريكا وغيرها.

اما القوانين التي تأخذ بنظام التحري والتعقيب وبما ان السرية هي أحدى خصائص هذا النظام، فأن إجراءات التحقيق الابتدائي تكون سرية وتجرى بمعزل عن الجمهور،و لم يقف الأمر عند ذلك بل امتدت هذه السرية لكي تشمل الخصوم كذلك، حيث لا يحق لهم حضور هذه الإجراءات والاطلاع عليها. ان السرية في هذا النظام هي ضرورة لازمة وذلك لإحكام حلقات التحقيق والوصول به الى غايته، ولان الفلسفة السائدة في هذا النظام تغلب مصلحة التحقيق على مجرد تحقيق ضمان لحق المتهم ومن القوانين التي أخذت بهذا النظام هو القانون الفرنسي الذي كان سائداً قبل الثورة الفرنسية، ولا يزال القانون الفرنسي وان أعتبر من القوانين التي تأخذ بالنظام المختلط يتسم بمظاهـر هذا النظـام مع تلافي بعض العيوب وهناك مجموعة من القوانين تجمع بين محاسن النظامين السابقين في نظام واحد، وهو ما يسمى بالنظام المختلط. ففي مرحلة التحقيق الابتدائي بقيت إجراءات نظام التحري والتعقيب هي الأساس، ولكن لم تبقَ السرية مطلقة في هذه المرحلة بل يسمح للمحامي حضور إجراءات التحقيق وعدم استجواب المتهم إلا بحضوره. أما في مرحلة المحاكمة فيصار إلى النظام الاتهامي بما يتميز به من علانية وحضورية، ومن القوانين التي تأخذ بالنظام المختلط هو قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الحالي وان كان يقوم في اساسه على نظام التحري والتعقيب مع اقترابه من النظام الاتهامي في مرحلة المحاكمة، من ذلك يتبين ان القوانين قد انقسمت الى قسمين فيما يتعلق بالعلانية في التحقيق الابتدائي، فهي اما ان تأخذ بالعلانية المطلقة، وذلك في القوانين التي تأخذ بالنظام الاتهامي، او علانية نسبية في القوانين التي تأخذ بالنظام المختلط. إذاً في التحقيق الابتدائي هناك علانية مطلقة وعلانية نسبية تتعلق بطبيعة النظام القضائي او بحسب التقدير القضائي المختص دون ان ينتقص من مبدأ العلانية شيئاً فالعلانية وجه القناعة الذي يرتديه القضاء اتجاه المتهم والخصوم ليؤكد حياديته وسعيه الحثيث للوصول الى الحقيقة وتحقيق العدالة.