التفاصيل
تعليق على القرار رقم 38 تاريخ 21 /5 /2019 الصادر عن المحكمة الاتحادية المتضمن الحكم بعدم دستورية المادة 3 من قانون المحكمة رقم 30 /2005 في العراق!

تعليق على القرار رقم 38 تاريخ 21 /5 /2019 الصادر عن المحكمة الاتحادية المتضمن الحكم بعدم دستورية المادة 3 من قانون المحكمة رقم 30 /2005 في العراق!

الأستاذ الدكتور أمين عاطف صليبا / أستاذ القانون الدستوري في عدة جامعات لبنانية وعربية

2021-03-13 12:30:00

 كوني أشرف على أطاريح دكتوراه ورسائل ماستر لطلاب عراقيين أكن لهم كل تقدير،حيث لمست لديهم حيرة من قرارات تصدر من حين الى آخر عن المحكمة الاتحادية،و بعد اطلاعي على القرار 38 /2019،الذي قضى بعدم دستورية المادة 3 من قانون المحكمة الاتحادية رقم 30 /2005. سمحت لنفسي كباحث في القانون الدستوري،أن أبدي رأي قانوني،حول ذلك.

حيث أستخلصت الوقائع التالية:

1-لقد نتج عن هذا القرار تعطيل المحكمة الاتحادية عن العمل إذ ان صراحة الفقرة الأولى من المادة 5 من قانون المحكمة الاتحادية تنص على بطلان أي اجتماع للمحكمة في حال حصوله بغياب أي من الأعضاء،وبذلك لم يعد النصاب القانوني كاملاً. وبالتالي يكون القرار قد عطّلَ مرفقاً عاماً دستورياً دون مبرر،مما يخالف الاجتهاد المستقر عليه القضاء الدستوري حول العالم لجهة،ان استمرار عمل المرافق العامة هو مبدأ ذات قيمة دستورية،فكم بالحري عندما يطال التعطيل سلطة دستورية كالمحكمة العليا!!!

2-ان نص المادة 92/البند الأول من الدستور على ان "المحكمة الاتحادية هيئة قضائية مستقلة مالياً وإدارياً عن بقية مكونات السلطة القضائية" لايتعارض مع طريقة الترشيح المعطى لرئيس مجلس القضاء الأعلى بالنسبة للرئيس وللإعضاء،وبالتالي غير مخالف للدستور.حيث تبقى إستقلالية المحكمة قائمة من خلال إصدارها للقرارات والتي لا علاقة لرئيس مجلس القضاء الأعلى به!للأسف إن القول بأن هذا الترشيح مخالف للدستور،من شأنه إعادة العراق الى فئة الدول التي تستبعد أي صلاحية لمجلس القضاء الأعلى بالمشاركة بالترشيح أو حتى بالتسمية،كما هو مطبق لدينا في لبنان،وكان من الأفضل ان تبقي المحكمة على هذا النص،أسوة بما هو معمول به في عدة دول لا سيما تركيا الأقرب الى العراق التي أعطت الحق لمجلس القضاء الأعلى بتسمية – وليس ترشيح - قسم من اعضاء المحكمة الدستورية العليا.

3-ان هذا القرار ينسف كل ما هو مستقر عليه الإجتهاد الدستوري حول العالم خاصة في الدول الأوروبية،لجهة عدم السماح بتعديل أي قانون له صلة مباشرة أم غير مباشرة بالسلطة القضائية،دون العودة الى أخذ رأيها بداية.حيث نلاحظ كثرة الدراسات الفقهية بأقلام كبار من الفقه الدستوري الفرنسي،التي تُجمِع على ان المجلس الدستوري الفرنسي قد أكَّدَ على إستقلالية السلطة القضائية،ومن أقدمها الكتاب الصادر بعنوان:

(Le Conseil Constitutionnel et l’autorité judiciaire – l’élaboration d’un droit constitutionnel juridictionnel)/Thierry Renoux – Economica 1984

أي عنوانه:"المجلس الدستوري والسلطة القضائية – إعداد قانون قضائي دستوري".

وقد تطرق هذا الفقيه الى كل التفاصيل المتعلقة بالسلطة القضائية وكيف سهر المجلس الدستوري منذ بدايته عام 1959 على جعل السلطة القضائية مستقلة الى أقصى حد،واضعاً شروطه التي تؤكد على هذه الإستقلالية،وقد تطرق الفقيه في هذا الكتاب الذي لامست صفحاته الستمائة صفحة،قرارات متعددة تصب كلها في جعل إستقلالية السلطة القضائية قاعدة دستورية،تُفرض على المشرع بالدرجة الأولى ومن خلاله على السلطة السياسية القابضة على النظام القائم،حيث نختصر هذه الدراسة المقتضبة بالرأي التالي:

“Le Conseil Constitutionnel a,au contraire,conserve à l’autorité judiciaire sa couronne de souverainté,replaçant son intervention dans le cadre de la théorie de la séparation des pouvoirs et préservant sa spécificité organique et fonctionnelle.”

بما معناه:"المجلس الدستوري قام بالمقابل بالحفاظ على تاج السيادة  للسلطة القضائية واعاد تموضعها من خلال مبدأ فصل السلطات،وحمى خصوصية هيكليتها ووظيفتها".

هذه خلاصة تختصر مسيرة المجلس الدستوري الفرنسي،وعلى ذات الخطى سار القاضي الدستوري الايطالي،والنمساوي والألماني والأسباني،في مسألة التصدي لجعل السلطة القضائية سلطة مستقلة قائمة بحد ذاتها،لا سيما بوجه السلطة السياسية وتحديداً المشرع في كل من تلك الدول وذلك على حد تعبير العلامة ( Louis Favoreu) "لويس فافورو" عندما اختصر دور المجلس الدستوري الفرنسي بهذه العبارة:

“….afin de vérifier parallèlement l’existence de guaranties constitutionnelles permettant à l’indépendance du juge de produire ses effets,c’est-à-dire assurant son impartialité.”

اي ما معناه:"لقد سعى - اي المجلس الدستوري - وبالموازاة لتجذير ضمانات دستورية تُتيح من خلال إستقلالية القاضي لخلق مفاعيل تؤمن حياديته".

ولمزيد من الدور الريادي الذي يقوم به المجلس الدستوري الفرنسي،طرح عام 1994 خلال طاولة مستديرة جمعت كبار الفقهاء الدستوريين في فرنسا برئاسة العلامة الراحل "جورج فيديل" ( Georges Vedel) سؤالاً جوهرياً هو التالي( Qui garde le gardien) أي من يراقب الحارس؟ وكان المقصود يومها من يضبط القاضي الدستوري،كان جواب "فيديل" علمه، وحياديته، وتمسكه بالدستور،وذلك تحت أنظار ومتابعة رجال القانون والرأي العام!!!

 4-اما القرار 38 فقد نسف روحية الدستور العراقي الذي شاء ان يُعطي السلطة القضائية الصلاحيات التي تؤهلها لحماية حقوق الانسان وحرياته،بعد معاناة طويلة للشعب العراقي من ضعف تلك السلطة،والهيمنة عليها طيلة عقود طويلة،وهل هناك أدل على تلك الروحية،أكثر مما نص عليه الدستور العراقي بعدم جوازية إنشاء محاكم إستثنائية. فعلاً هذا القرار ساهم في إضعاف موقع السلطة القضائية،لأنه فعلاً لم أستطع إستيعاب قراره حول عدم دستورية المادة 3 التي أبطلها،وما ترتب عن ذلك من نتائج ليست لصالح مفهوم دولة القانون التي يطمح الشعب العراقي لكي تتحقق يوماً ما في العراق،لأن شعبه يستحق وجود عدالة دستورية فاعلة.

5-لقد جاء القرارمخالفاً لمفهوم المصلحة المنصوص عنه في النظام الداخلي للمحكمة عينها وفي قانون المرافعات المدنية المطبق في العراق،هنا أسمح لنفسي بالقول ان السند القانوني الذي أعتمدته المحكمة لجهة توفر مصلحة الطاعن والذي بُني على أساس :"مراجعته تتعلق بشؤون العدالة،والعدالة هي هاجس كل مواطن".لهو سند يخالف كل المبادىء القانونية التي يُجمع عليها فقه القانون المدني في فرنسا وفي لبنان.

إذ "ان القاعدة التي تشترط توافر المصلحة في الدعوى هي من النظام العام ولا يجوز الإخلال بها[موريل:أصول المحاكمات المدنية الفرنسية، صفحة 31 بند 27] والمصلحة يجب ان تقدّر بتاريخ تقديم الدعوى،سواء أمام القضاء العدلي او الإداري[قرار مجلس شورى الدولة اللبناني بتاريخ 4 /11 /1986] وهذا ما أعتمدته محكمة التمييز المدنية الفرنسية بقرارها الصادر في 7 /4 /1993 وفق التالي:

L’intérêt s’apprécie à la date de l’introduction de l’instance”

ما معناه:"ان المصلحة تُقدّر بتاريخ تقديم الدعوى".

وهذا ما أكدت عليه محكمة الأستئناف المدنية الأولى في بيروت بموجب قرارها 524 تاريخ 6 /4 /1972 إذ قرّرت التالي:"ان القاعدة الكلية في الادعاء هي توجب وجود مصلحة لمن يدعي عند الإدعاء،أي ان تكون له صلاحية لإقامة الدعوى وأن تكون له مصلحة شخصية مباشرة".

وعلى سبيل القياس لجهة عدم صحة ما استندت اليه المحكمة العليا حول [مفهوم هاجس العدالة] نورد الاجتهاد الصادر برقم 210 عن المحكمة الابتدائية في جبل لبنان بتاريخ 14 /4 /1988،وقد جاء فيه مايلي:

"اذا تقدم المدعي بدعوى شكا فيها من ضرر وقع عليه،إلاَّ أنه لم يطلب من المحكمة إصدار حكم لإزالة هذا الضرر،بل أقتصر طلبه على إستثبات وقوع الضرر وحفظ حقّه بإقامة دعوى لإزالة هذا الضرر،تُعتبر المصلحة غير متوفرة،لأن مهمة القضاء محصورة بحماية الحقوق وتوزيع العدالة بين الأفراد".

وبغض النظر عن ان المصلحة يجب ان تكون قانونية ومشروعة،كذلك إشترط القانون ان تكون حالّة وقائمة(  Intérêt né et actuel)وقد حسمت الأمر لهذه الناحية محكمة التمييز الفرنسية في قرارها الصادر في 19 /6 /1985 عندما قررت بشأن المصلحة القائمة والحالّة:

“Il est irrecevable en l’absence de litige né et actuel,la demande de syndicats tendant a faire juger d’une façon generale…..”

ما معناه:" رفض قبول دعوى النقابات بغياب مصلحة حالة وقائمة،ولا يجوز الحكم بشكل مطلق....."

كما ان المصلحة يجب ان تكون شخصية ومباشرة( Intérêt personnel et direct )

وهذا ما حددته المحاكم الفرنسية عندما أصدرت محكمة البداية في باريس قرارها في 14/8/1984 وفق الحيثية التالية:

“Jugée irrecevable,pour défaut de caractère personnel,la demande tendant à l’interdiction d’une campagne politique de celui qui ne s’y trouvait pas mis en cause à titre personnel ou individuel.”

اي ما معناه:"لا يقبل الطلب المقدم من شخص لوقف حملة سياسية،كونه غير معني بشكل شخصي ومباشر بتلك الحملة."

وهذا ما اكدته محكمة التمييز المدنية اللبنانية -غرفة سابعة -  بقرارها رقم 32 تاريخ 6 /7 /1970 وفق التالي:"المصلحة تقوم في الفائدة التي يتوخاها الخصم من إقامة الدعوى"

6-اما الصفة ( La Qualité) التي يعتبرها الاجتهاد والفقه انها تتعلق بالانتظام العام،إذ ان الصفة تكمن في صلاحية شخص ما لمراجعة القضاء في حالة معينة،ولمعرفة اذا كان الشخص الذي يراجع القضاء هو الصالح قانوناً،ولهذا قرّرت محكمة إستئناف بيروت الغرفة الثانية بقرارها رقم 669 تاريخ 7 /6 /1971 ما يلي:

"اذا كان من المسلم به على صعيد العلم والاجتهاد ان الصفة من جانبها الإيجابي تكمن في الصلاحية الممنوحة لصاحب الحق قانوناً من أجل صيانة حقوقه ودفع الضرر اللاحق بهذه الحقوق،فقد بات من المتفق عليه ان هذه الصفة تُستمد من موضوع الدعوى ومما ترمي اليه"

فمن خلال هذا الشرح المختصر حول الصفة والصلاحية،نسأل وبكل تواضع جانب المحكمة التي اصدرت قرارها رقم 38 والتي قبلت الدعوى سنداً "لهاجس العدالة" هل جاء ذلك وفقاً للمفاهيم القانونية والاجتهادية والفقهية التي ذكرناها أعلاه!!! واين صفة ومصلحة الطاعن من إبطال المادة 3 ! وهل هو يعتبر ان رئيس مجلس القضاء الأعلى لن يُرشحه! مما يمس بمصلحته!! لا أدري ما الجواب على هذه التساؤلات! إلاّ اذا كانت المحكمة الموقرة قد جعلت من المراجعة الدستورية كدعوى الحسبة في الشريعة الاسلامية،لأنه في هذا النوع من الدعاوى يقبل الهاجس والتوقع والتحوط من قبل أي مؤمن من فرضية مخالفة للقرآن الكريم وللشريعة المبنية على أحكامه.أما في الدعاوى كافة لا فرضيات ولا إفتراض للصفة والمصلحة!

ختاماً نتمنى على جانب المحكمة العودة عن قرارها الذي عطّل سلطة دستورية،وأضعف من فعالية واستقلالية السلطة القضائية،والذي يعتبر بنظر الفقه الدستوري  - أي التمسك بدعم تلك الاستقلالية - من الخطوط الحمر التي لا يجوز ملامستها،ولأن القرار جاء من أعلى سلطة دستورية مخالفاً لأبسط قواعد الصفة والمصلحة وفق ما هو معتمد في لبنان وفرنسا ولا أعتقد ان العراق يُغرِّد خارج هذا السرب،وإلا سيضيع القضاء في الدرجات الدنيا عندما يُلزم بتطبيق إجتهاد هذه المحكمة التي تتمتع قراراتها بقوة القضية المحكمة،وبالتالي دك أسس المصلحة والصفة الموضوعة منذ قانون نابليون بونابرت .