التفاصيل
الطبيعة الثقافية للجريمة

الطبيعة الثقافية للجريمة

القاضي ناصر عمران

2021-04-01 09:02:00

يثير مفهوم الثقافة في تحديده اشكالا معرفياً فكلما تناولته الافكار والآراء والاتجاهات الفكرية بالتوسعة ظل عصيا على الإحاطة ومتمرداً في كثير من مواقع التعريف، فهو الذي يحمل بين جنباته ثنائيات التضاد المعرفي المكتسب فهو في خطرات الظنون نسيجا من التشكيك المتشبث بالوصول الى يقينيات النسبية، اليس هو الدراية الجيدة بكل ما يتعلق بمجال من المجالات فكرا وممارسة كما يراه (ابن خلدون ) او هو المدنية بكلها المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والاخلاق والقانون والعرف واي قدرات اخرى يكتسبها الانسان كعضو في المجتمع، بحسب (ادوارد تايلور) مؤسس الانثربولوجيا الثقافية الاوربية، واذا كان للمفهوم تجذرا لغوياً نستطيع العودة اليه وترتيب اوراق محاولاتنا لفهمه وسبر اغواره فانه يفتح لنا اشكالا من نوع اخر، فاذا كانت الثقافة بالمعنى العربي (ثقف الشيء، ثقفاً وثقوفاً: كما ورد في لسان العرب لابن منظور ورجل ثقف : حاذق فهم، فقد قال الله تعالى (فاما تثقفنهم في الحرب) والثقافة ما تسوى به الرماح ومنه قول عمرو : اذا عض الثقاف بها اشمأزت.......تشق قطا المثقف ولجبينا، وتثقيفها تسويتها، وليس معاني لفظ ثقف ما يتفق مع المعنى الذي نريده نحن اليوم من كلمة ثقافة، بل نحن لا نستعمل كلمة ثقف او ثقف بل نستعمل كلمة تثقف يتثقف بمعنى اطلع اطلاعا واسعا في شتى فروع المعنى حتى اصبح رجلا مثقفاً، فاللفظ يستعمل اليوم في معنى الاطلاع الواسع المطلق في المحدد بتخصص ولا وجود لهذا المعنى في المعاني القديمة للفظ ثقافة كما يرى الدكتور حسين مؤنس.

 اما كلمة ثقافة ( cuIture) تعبير مجازي مستمد من كلمة (coIere ) اللاتينية بمعنى حراثة الارض او التربة ويمكن الملاحظة بين معنى (الثقافة ) في اللغة العربية التي تتميز تميزا واضحا عن كلمة حضارة وذلك بتركيزها على الجوانب النظرية والفكرية والفنية والجمالية بوجه عام اي الجوانب المعنوية للحضارة في حين هي في اللغة اللاتينية ترتبط بالجانب المادي ذي المفهوم العملياتي (إصلاح الأرض الزراعية) وللوصول الى مساحة تعريفية.

ولابد لنا ان نحدد الخصائص الرئيسية للثقافة فهي نتاج مكتسب بمعنى ان الثقافة اكتشاف وليست منتجا وراثياً غريزياً، اذا الثقافة انسانية الملامح ولامجال لقيام اية ثقافة دون الوجود الانساني الذي ينمي هذه الثقافة ويكتسبها عن الغير من خلال تطور حياته الاجتماعية فنا وفكرا وسلوكا. وانها قابلة للتناقل، وعملية التناقل هذه تقتصر على الانسان وذات طبيعة جيلية بمعنى انها تنتقل من جيل الى جيل اخر ومن مجتمع الى اخر وهذه (الجيلية) والتنقل تتم من خلال التعلم واكتساب واكتشاف عادات وتقاليد واعراف وقيم ومبادئ وسلوكيات جديدة نتيجة لتغير الظروف. وانها تتميز بالدوام والاستمرار عبر الزمن وذلك بسبب قدرتها على تخليد نفسها وعلى البقاء بعد انقراض اي من الشخصيات التي تسهم فيها، ومع ان الثقافة تخرج تماما عن نطاق التركيب الطبيعي للفرد الا انها تصبح خلال مراحل نموه جزء لا يتجزأ من شخصيته. وهي ميراث اجتماعي، فالعادات الخاصة بالنظام الثقافي تنتقل وتستمر عبر الزمن ويشارك فيها كل الافراد الذين يعيشون داخل تجمعات منظمة او جماعات تحرص على الامتثال لتلك العادات تحت وطأة الضغوط الاجتماعية. و وظيفة التوافق بمعنى انها تتماهى مع البيئة الجغرافية للمجتمع ومع الشعوب المحيطة بها كما تتوافق المطالب النفسية والبيولوجية للكائن البشري.الثقافة كل مركب ومعقد الذي يشمل المعرفة والعقائد والفنون والقيم والقانون والعادات والتي يكتسبها الانسان كعضو في المجتمع ويشمل الجانبين المادي والمعنوي.الثقافة عقلية : فهي تتكون من السلوك المكتسب والفكر المكتسب لدى افراد المجتمع، ويتمثل هذا الفكر في المعاني والمثل والانظمة والمعتقدات. الثقافة تنظيم يقوم على التفاعل الاجتماعي بين الافراد ووظيفتها توجيه سلوك هؤلاء الافراد. الثقافة مثالية وواقعية : فالثقافة المثالية تشتمل على الطرق التي يعتقد الناس ان من الواجب عليهم السلوك وفقها،او التي يرغبون في انتاجها او التي يعتقدون انه من الواجب عليهم السلوك بمقتضاها، اما الثقافة الواقعية فإنها تشكل من سلوكهم الفعلي وفي الثقافات التي تجتاز تغييرا سريعا،. وللثقافة مكوناتها وهي عمومياتها : وتشمل جميع الافكار والمشاعر والنتاجات المشتركة بين جميع الراشدين بأحد المجتمعات الى جانب اشياء اخرى اللغة والدين وعلاقات القرابة والمعتقدات والقيم الاجتماعية وهي من اكثر جوانب الثقافة مقاومة للتغيير. وخصوصياتها : هي تلك الظواهر التي لا يشارك فيها سوى افراد من مجموعات اجتماعية متميزة معينة مثلا الصناعات والمهن ذات المهارة كالأطباء والمحامين والمعلمين ورجال الدين وهي اقل مقاومة للتغير من العموميات. البديلات : وهي تلك الظواهر التي لا تندرج تحت العموميات او الخصوصيات وتتمثل بالاهتمامات والاذواق التي تتغير باستمرار كالموديلات والتقاليع وتعد بديلات الثقافة اكثر جوانبها عرضة للتغيير. ومن كل ذلك يتضح لنا جليا اهمية الثقافة ودورها في المجتمع وفي الجانب الاخر نرى بان السلوك الاجرامي ليس بعيدا عن المتبنيات الثقافية ان لم يكن اهمها حتى وجدنا استاذا في جامعة السوربون الفرنسية ومختص بتاريخ الجريمة هو( دومنيك كاليفا ) يرى ان الجريمة ذات طبيعة ثقافية بالدرجة الاولى وعلى ضوء ذلك يربط في كتابه ( الجريمة والثقافة في القرن التاسع عشر ) والذي جاء تتمة لمؤلفات هذا الاستاذ في ميدان اهتمامه ودراساته وكتبه التي اهمها (الحبر والدم ) و (ولادة الشرطة الخاصة ) وهو يربط في كتابه بين الاهتمام بالجريمة في هذا القرن وظهور الشرطة الجنائية والاحصائيات الخاصة بالجريمة وعالمها وانتشار الكتب والمسرحيات والافلام المهتمة بالموضوع وفي القسم الاول يظهر تجليات التداخل الكبير بين الثقافة والجريمة ويرى بان هناك صلة كبير بين الجرائم العادية والروايات ويرجع سبب انتشار مجاميع ارسين لوبين القصصية الى الاجواء التي كانت تعيشها مدينة باريس من تواشج كبير بين انتشار الجريمة والدراسات والجهود الكبيرة في الحد منها وتشخيص اسبابها، وان ذلك لم يكن بعيدا عن التغيير الراديكالي في الثقافة الفرنسية. تشكل المنظومة المعرفية الثقافية من المكونات التي لها تأثير واضح في متبنيات السلوك الفردي ومنها (البيئية والمعتقدات الدينية والعرفية والمهنية ) اضافة الى المؤثرات التي تجد لها حضورا في السلوك الفردي الاثم فالبيئة التي يعيش فيها الفرد تعني المجتمع الذي يعيش فيه وتختلف طبيعة المجتمع بحسب السلوك المنتهج فالمجتمعات المدنية غير المجتمعات الريفية فالمجتمعات الريفية او القبلية تتميز بالحياة المرتكزة على روح الجماعة والتضامن فيما بينها وسيطرة الاعراف القبلية والريفية لذلك فان العوامل الثقافية التي يمكنها التاثير في السلوك الاجرامي هي كما، ولعل اهم ما شغل الرأي العام والمثقفين والمفكرين والعلماء هي مشكلة القيم او ازمة القيم التي تنتج عن غيابها تحلل المجتمع وتفسخه وانتشار الجرائم والفساد وان التحولات التي فرضتها العولمة جعلت من المعرفة القوة الاهم لأي مجتمع، واصبح الاقتدار المعرفي ابرز متطلبات بناء المستقبل وهذا الاقتدار لا يقتصر على المستوى العلمي فقط، بل هو يمتد الى تنمية الابداع وخلق جو من الحرية التي تتيح لأفراد المجتمع اطلاق طاقاتهم التي يعتبر كبتها سببا لأكبر الامراض النفسية حسب الدكتور مصطفى حجازي في كتابه (علم النفس والعولمة) كما ويرى الدكتور حجازي في كتابه سيكلوجية الانسان المهدور (ان اهم اسباب انتاج هذه الشخصية هي الاستبداد والية تحكمه بالسلوك وتدجينه للطاقات الحية وهدر الوعي والفكر عند الشباب والمؤسسات، انتهاء بالهدر الوجودي في الحياة اليومية ) والاصلاح الديني وتأثيره بحاجة الى دعامتين : دعامة التجربة الايمانية التي تقيها افة التنازع وتؤمن لها القدرة على التكامل، ودعامة الفكر المحرر على شروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدة والذي يقيها افة التحجر ويؤمن لها القدرة على التجدد، اما في الجانب الاخر فان الدين يعد عامل من العوامل التي تساهم في زيادة الاجرام مثل طائفة كالي او ديفي التي تقوم بعملية الخطف وقطع الطريق والخطف اعتقادا منها انها تقدم دماء هؤلاء المجنى عليهم قربانا للإلهة، كما ان البناء الروحي للفرد بمقتضى بعض المعتقدات الدينية تساهم في سلوكه الاجرامي، وان لإعلام باعتباره منصة الراي العام وصورته الحية اثر كبير في السلوك الاجرامي عبر ما يقدمه من برامج وحواريات وصور عبر وسائل الاعلام المختلفة والتي تدعو الى العنف والتعصب والغاء الاخر والتجاوز على القيم والمبادئ التي حرص المجتمع على بناء الانسان من خلالها، واخيرا فان الثقافة احد الدعامتين الأساسيتين اضافة للجانب الاقتصادي المؤثر والتي تؤدي الى ظهور الجريمة.