التفاصيل
الطبيعة القانونية للقضاء المستعجل

الطبيعة القانونية للقضاء المستعجل

القاضي عبد الستار ناهي

2021-04-01 09:08:00

إذا كان القضاء المستعجل له ما يميزه عن غيره من انواع القضاء بوصفه أصلاً عاماً ينصب على اصدار احكام وقرارات مؤقتة في المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت وضرورة الاستعجال في اصدارها لملاقاة ذلك فهذا لا يعني ان طبيعته تختلف عن طبيعة القضاء العادي –كما ذهب البعض- انه ذو طبيعة إدارية او تنفيذية, وان اختلاف بنائه ونظامه القانوني انما يبرره الدور المتميز له داخل الوظيفة القضائية, وهذا ما يجعله فقط نوعاً متميزاً من انواع القضاء.

فالصفة القضائية للقضاء المستعجل واضحة المظاهر فالأحكام والقرارات المستعجلة تصدر عن قاضٍ, وهو يباشر إصدارها على وفق إجراءات لا تختلف عن إجراءات الخصومة في الدعوى العادية والذي يميزها بساطة تلك الإجراءات وسرعتها –وهذه البساطة وسرعة الاجراءات-  تجد سندها في نصوص القانون. وان عدم تصدي الأحكام المستعجلة لاصل الحق وعدم الزام محكمة الموضوع بالأسباب التي يستند اليها القضاء المستعجل عند الفصل في اصل موضوع النزاع لا ينفي عنها طبيعتها القانونية, سيما ان القرارات الصادرة من قاضي الامور المستعجلة تقيّد قاضي الموضوع عند عدم تغير الظروف واتحاد الخصوم. كما انها تحوز حجية الامر المقضي به بالمعنى الفني الدقيق, ذلك ان الحكم المستعجل يصدر بناءً على طلبات قائمة لظروف متغيرة من دون المساس باصل الحق, فهو اجراء وقتي غايته حماية مصالح الخصوم او حفظ اموالهم حتى الفصل في اصل الحق موضوع النزاع, فان ذلك يستلزم ان تكون حجية الاحكام المستعجلة حجية مؤقتة مرتبطة ببقاء الظروف التي ادت الى اصدار هذه الاحكام من دون تغيير, وليس كما يذهب البعض على اساس انها لا تقيّد قاضي الموضوع, ذلك ان الحكم الوقتي يمنح حماية قضائية مؤقتة تمتد هذه الحماية الى حين الحصول على الحماية النهائية وهذا الامتداد لا يمنع من عدّها حماية قضائية, وان الحكم الوقتي اذا كان لا يقيد محكمة الموضوع, اذ لا حجية له بالنسبة لثبوت الحق الموضوعي او نفيه, فمرد ذلك ليس عدم حيازة الحكم الوقتي للحجية, انما مرده ان الدعوى الموضوعية تختلف عن الدعوى الوقتية التي صدر الحكم الوقتي فيها, ذلك ان الدعوى الوقتية تتضمن بطبيعتها عنصر الاحتمال, سواء أكان بالنسبة للحق ام المركز القانوني ام بالنسبة للاعتداء الحاصل عليه, والحال هذا فان قاضي الأمور المستعجلة عند اصداره للقرار لا يبني القرار على اساس وجود الحق او الاعتداء عليه, انما على اساس احتمال الوجود, فالقرار مبني على اساس الظروف القائمة عند نظر الدعوى, وان تغيير هذه الظروف يجعل بالضرورة أن يكون قراره قابلاً للتغيير, فتغيير الظروف قد يستلزم تغييراً في التقدير, ولهذه الطبيعة الخاصة للحكم الوقتي, فان من المقرر ان حجية الحكم الوقتي لا تمنع – عند تغيير الظروف- من امكان اصدار حكم وقتي مخالف يجابه الظروف المستجدة. ولا يعني هذا عدم حيازة الحكم الوقتي لحجية الامر المقضي به بل يعني انها حجته منحت لمواجهة ظروف وقتية لا يستلزم استقرارها اذا تغيرت الظروف, وعند عدم تغيير الظروف التي صدر فيها الحكم الوقتي لا يقبل من الخصم اثارة النزاع الذي فصل فيه القاضي المستعجل من جديد. ما لم تتغير اشخاص الدعوى او سببها او موضوعها.