التفاصيل
  دور الإعلام في نشر الحقيقة القضائية ‏

دور الإعلام في نشر الحقيقة القضائية ‏

القاضي د. حيدر علي ‏نوري ‏

2021-04-01 09:36:00

‏ يتطلب لحماية الحقوق والحريات وجود العدالة، وهذه الأخيرة لا تتجسد بصورة الحقيقة القضائية إلا ‏بسلامة الاحكام التي تضمنتها، سواء اكانت مدنية ام جزائية ام غيرها، وعلى اساس ذلك اعتد ‏المشرع العراقي في مجال الاثبات، بإرادة القاضي للوصول اليها، اذ منحه سلطة تقديرية، لتقدير ‏حجية الدليل المعروض امامه في الاثبات وتحديد مدى صلاحيته في الحكم من عدمه، وفي ذلك ‏دلالة واضحة على حسن ظن المشرع بالقاضي من حيث صفاء ضميره وحسن سريرته وسلامة نفسيته ‏وتكوينه وإعداده بالشكل الصحيح والسليم من خلال المؤسسة القضائية التي ينتمي اليها.‏

‏ وعلى اساس ما تقدم فأن نجاح تفعيل سلطة القاضي وصلاحياته في تقدير الأدلة يرتبط ارتباطا كبيرا ‏بمدى وعيه واستيعابه لغايات المشرع من منحه تلك السلطات والصلاحيات، التي تكمن في تمكينه من ‏إدراك الحقيقة الواقعية، وصولا الى الحقيقة القضائية، التي هي الهدف الاسمى الذي يسعى اليه ‏القاضي في احكامه والقانون في مواده، فكلما غابت عنه هذه الغاية، كان قراره عرضة للانحراف ‏والتحكم والنقض، ولذا فالحقيقة القضائية التي ينطق بها قرار الحكم يجب ان يكون من شانها اقناع ‏الخصوم والرأي العام، وعلى اساس ذلك فالحقيقة القضائية لا يخضع الكشف عنها للارتجالية والعفوية ‏التي غالبا ما تؤدي الى الخطأ، وإنما يخضع لمنهج علمي رصين من شأنه أن يعصم القاضي من ‏الخطأ او على الأقل الحد منه ومن جسامته. ‏

‏ وتعرف الحقيقة القضائية بأنها: ما يثبته القاضي في حكمه نتيجة لتحريه حقيقة الوقائع، كما ‏تعرف بأنها : المعرفة التي يتم التوصل اليها من خلال اتباع مجموعة من الاجراءات نص عليها المشرع ‏عبر مراحل الدعوى المختلفة، في محاولة لتطابق المعرفة مع الواقع، ولذا يقال ان القاضي في فحصة ‏للدعوى وأثناء نظره لها يبحث عن الحقيقة الواقعية وصولا للعدالة المنشودة، والحقيقة القضائية ‏ينبغي ان تكون مطابقة قدر الإمكان للحقيقة الواقعية، إلا انه قد يحدث بون شاسع بينهما، إذ قد ‏يكون الحق موجودا بالواقع ولكن لا يوجد دليل مقبول يؤكد وجوده أمام القضاء، او يوجد دليل ولكنه لا ‏يكفي لبناء حكم قانوني سليم رصين ومتكامل، يمثل الحقيقة القضائية المطابقة للواقع، ولذا يصدر ‏حكم يمثل الحقيقة القضائية، لكنه بعيدا عن الحقيقة الواقعية لانعدام الدليل او نقصه، وعلى اساس ‏ذلك يتصور البعض واهما انحراف الحقيقة القضائية عن مسارها الصحيح، متناسيا ان الادلة الداعمة ‏للحقيقة الواقعية ليست بالمستوى الكافي لتحقيق التطابق التام بين الحقيقتين، وان العدالة القضائية ‏مقيدة بالأدلة التي تصلح ان تكون سببا للحكم.

 كما ان القاضي لا يستطيع الحكم بعلمه الشخصي في ‏الحقيقة الواقعية بحكم القانون، اذ لا يصح ان يكون قاضيا وشاهدا في وقت واحد، وان ذلك لا يمثل ‏قصورا في نظام التقاضي، وإنما قصورا في الادلة التي يجب ان تتوافر بصيغتها القانونية المقنعة، ‏لدعم الحقيقة الواقعية، حتى تأخذ شكلها القانوني والقضائي السليم المتجسد بالحقيقة القضائية التي ‏ينطق بها قرار الحكم، وعلى اي حال فالحقيقة القضائية بما تحمله من عدالة، التي يتضمنها الحكم ‏الصادر من المحاكم المختصة استنادا للأدلة المتوافرة والسلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي ‏المختص او محكمة الموضوع، اذا ما اكتسبت حجية الامر المقضي به، تعد عنوانا للحقيقة بصورتها ‏المطلقة استنادا لحجيتها المطلقة في الاثبات بما فصلت فيه من الحقوق بين المتخاصمين،اذا اتحد ‏الاطراف ولم تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلا وسببا في الدعوى، اذ لا يجوز قبول دليل ‏ينقض حجيتها. ‏

‏ فالحقيقة في مفهومها العام تشمل كل ما يتعلق بالوقائع المعروضة على القاضي، لا حكم القانون، ‏ذلك ان علم القاضي بالقانون يعد امرا مفترضا، ولا يحتاج الى دليل لإثباته، ولاسيما ان المشرع منح ‏القاضي مجالا واسعا في سبيل كشف الحقيقة، فالقضاء يفترض فيه ان يكون محايدا، لا يبتغي ‏مصلحة شخصية من خصومة المتخاصمين، وبالتالي يكون القاضي مكلفا بحكم القانون ان يفرض ‏على اطراف الخصومة القول الحق بعد ما يستخلصه نقيا من الادلة، تحقيق العدالة في ارقى صورها، ‏إلا ان تحقيق العدالة بذاته مرهون بإدراك الحقيقة الواقعية استنادا للدليل بعد ان يتم تقيمه، فالغاية ‏من الاثبات تكمن بالوصول الى الحقيقة الواقعية التي لا تنكشف من تلقاء ذاتها، وإنما تتويج لمجهود ‏شاق وبحث طويل منهجي منظم للارتقاء بها الى مستوى الحقيقة القضائية. ‏

‏ ان تقريب البون بين الحقيقتين ( الواقعية والقضائية ) للوصول الى الحكم العادل، لا يتطلب تطوير ‏العمل القضائي، لتكامل المؤسسة القضائية من حيث الاعداد والتدريب والمؤهلات بالشكل الذي يمكنها ‏من تقدير الادلة وتقيمها بصورة صحيحة وصولا للحقيقة القضائية بما تحمله من عدالة، وإنما يتطلب ‏ذلك تطوير الوعي القانوني لدى افراد المجتمع ووجود نظام قانوني و امني متكامل، عالي المستوى، ‏من حيث الامكانيات والقدرات والتدريب ولاسيما الاجهزة الامنية ورجال الشرطة وأعضاء الضبط القضائي‏، لاختصاصهم الدقيق في البحث السريع والدقيق عن الجرائم ومرتكبيها وضبطهم وتقديم الادلة الكافية ‏لإدانتهم، الى القضاء، وعلى الجهات الاعلامية كافة إدراك ما تقدم والإفصاح عنه بوسائل الاعلام ‏المختلفة لنشر الوعي القانوني بين المواطنين من خلال توضيح مفهوم الحقيقة القضائية وما تتضمنه ‏من عدالة، اذا ما اكتسبت حجية الامر المقضي فيه بعدها عنوانا للحقيقة المتجسدة في صيغة الحكم ‏القضائي.