التفاصيل
الثابت والمتغير في طبيعة العلاقة بين العدالة الاجتماعية والجريمة

الثابت والمتغير في طبيعة العلاقة بين العدالة الاجتماعية والجريمة

القاضي ناصر عمران

2021-05-04 09:09:00

في العشرين من شهر فبراير / شباط من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية بعد ان اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2007، وهو تاريخ حديث جداً مقارنة بمفهوم العدالة الاجتماعية الضارب بعراقته وتجذره في أعماق التاريخ مقترناً بالألم والدم والدموع،مرتسماً بصور الرفض والاحتجاج والانتفاضة والثورة وما بين كل ذلك تتهادى التضحيات عربونا لحياة حرة كريمة، فالحقوق قرينة المطالبة لا التمني، ومنذ أن وجد الانسان نفسه على البسيطة وأقترن بالآخر كانت الحقوق والالتزامات جوهر العلاقة بينهما، وعندما تنازل عن جزء من حقوقه وحريته _ بحسب العقد الاجتماعي _ فانه اسس لمنظومة قانونية تخرجه من فوضى الحرية الى الحرية المسؤولة اذا جازت التسمية، في فضاءات علائقية قدمت له استقراراً ذاتياً واكتمالاً اجتماعياً، فالإنسان مدني واجتماعي بطبعه وبالمقابل انشأت للآخر التزامات بمواجهته،وبمرور الوقت تشعبت هذه العلاقات وتطورت لتنتج مؤسسات تنظيمية سلطوية تتخذ اهداف متعددة تدور في فلك الحقوق والالتزامات وكل ذلك احدث متغيرات في العالم الخارجي كنتيجة لأسباب التغيير في شكل وهيكل النسق الاجتماعي المعاش وبالتالي السلوك والنمط والمنهج، والذي تعدد وتشابك فأوجد بالمتغير الخارجي والداخلي علاقات اجتماعية تتفرع الى علاقات اخرى ثقافية واقتصادية ومن خلال هذا النسق كانت هناك اشكاليات افرزها المختلف وشيئاً فشيئاً كان الاختلاف وتداعياته ومنها اشكالية العدالة كمنتج تراتبي لمتبنيات الاختلاف أو هي حصيلة لنتائجه التي يجمع عليها المختلفون، كلاً بحسب تصوره لها،فهي بالمحصلة منتج اجتماعي ومفهوم ذاتي، وثنائية الفطرة والمكتسب من اهم اشكاليات المفهوم ومن خلال ذلك يمكننا بحث مفهوم العدالة الاجتماعية في ضوء الفهم الاولي لمفهوم العدالة المطلق والنسبي والفطري والمكتسب وبالنتيجة التنوع والتخصص والبحث في عناصرها وارتباطها شكلاً ومضموناً بالاقتصاد المتغير الآخر واسقاطات العلاقة بين هذين المتغيرين على نسب السلوك الاجرامي ارتفاعاً وانخفاضاً في نسب ودراسات استقرائية وتجريبية.

 ومفهوم العدالة لغوياُ مفهوم يحمل دلالات متعددة في اللغة العربية فإلى جانب العدل والعدالة هناك الانصاف والنصفة والقسط والقسطاس والوسط والقوام وهي مفاهيم تشير الى معنى العدالة في مفاهيمها ودلالاتها المتعددة، ويُعتقد ان الانسان جُبل على الظلم لا العدالة فالظلم طبيعة والعدالة تطبع وهو ما يراه ابو الطيب المتنبي بقوله :

والظلم من شيم النفوس     فان تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

اما اصطلاحاً فقد ظهرت تعريفات عديدة لمفهوم العدالة الاجتماعية وأهتم الكتاب بأبعاد عدة، ضرورية لتوافر العدالة الاجتماعية، حيث ادعى رفاييل بأن العدالة الاجتماعية لكى تتحقق لا بد من توافر عنصران الأول، ضرورة انطلاق جميع الأفراد في المجتمع من نفس الخط. والعنصر الثاني، هو ممارسة الحياد من جانب الدولة. وربط رفاييل العدالة الاجتماعية بفكرة الثواب والعقاب وأنها لا تتحقق في مجتمع تسوده الفوضى، ويسود فيه الفساد، ولكن قال أنه يجب أن يسود المجتمع فكرتي الجدارة والاستحقاق ويدعى صامويل فليشاكير في كتابه “تاريخ قصير من العدالة التوزيعية” وجود اختلاف كبير حول مفهوم العدالة الاجتماعية بين الفكر السياسي الحديث والكلاسيكي. وقد ساهم (فليشكاير) في توضيح تاريخ النقاش والصراع الفكري حول مفهوم العدالة الاجتماعية، وقد اختلف فليشاكير عن رفاييل، حيث يفضل (فليشاكير ) مصطلح “العدالة التوزيعية”، وقد استخدمه كمترادف للعدالة الاجتماعية. وقدم فليشاكير خمسة شروط ضرورية من أجل تطبيق العدالة التوزيعية في الدولة. أولاً، يجب الاعتقاد دائماً أن كل فرد خير بطبعه ولديه أشياء حسنة تستحق الاحترام. ثانياً، وجود مجموعة من الحقوق يجب احترامها. ثالثاً، تقديم حجج منطقية علمانية لمعرفة لماذا يريد الأفراد حرياتهم. رابعاً، وجود رغبة ذاتية من جانب الأفراد لضرورة تحقيق العدالة التوزيعية. خامساً، أعطى فليشاكير مسؤولية تحقيق العدالة التوزيعية للدولة وليست للأفراد أو الجماعات. وللعدالة بوصفها انصافا، والخلاصة ان مفهوم العدالة الاجتماعية : نظام اقتصادي واجتماعي يهدف الى ازالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع وهي مبدأ اساسي من مبادئ التعايش السلمي.

ومفهوم العدالة والعدالة الاجتماعية ارتسم امام لحاظنا بشكل واضح في العلاقة بين العدالة الاجتماعية والاقتصاد،فالعدالة الاجتماعية تستمد تصورها من الهدف او الغرض الذي تحققه وهو تحقيق اقصى قدر من السعادة للإنسان وهذه السعادة المتصورة تستند على الانصاف والمساواة فمن المشاكل البارزة التي تواجه معيار المساواة ان توزيع الناتج الاجتماعي بنسب متساوية على افراد المجتمع (بعد تلبية حاجاتهم الضرورية) يتطلب قدراً كبيرا من نكران الذات من جانب الافراد الذين اسهموا اكثر من غيرهم في ذلك الانتاج.

 ان البحث عن معيار نموذجي لقياس مدى تطبيق العدالة هو الاساس الرصين للتوصل الى تقييم شامل لأوضاع المؤسسات الاجتماعية إجمالا، حيث التركيز على الطريقة التي تتوزع بها المنافع والاعباء على افراد المجتمع، وعلى ضوء ذلك تبرز لنا حالة الصراع بين الرغبة في اشباع الحاجات الاساسية للفرد وبين الوسائل المتاحة لاشباع تلك الحاجات واسقاطات هذا الصراع ونتائجه والتي ابرزها السلوك المجرم وهو ما يطلق عليه دوركهايم (الصراع الانومي) وتبرز المعايير الجوهرية في تحقيق العدالة احد الحلول الجوهرية لذلك فالدراسة المستفيضة للبناء المجتمعي وطريق النسق والمنهج الاجتماعي والظروف الاجتماعية التي تؤثر في توازنه كلها عوامل مهمة في المعيار الذي نستطيع من خلاله تحقيق اكبر قدر من العدالة، فالعدالة الاجتماعية ليست صورة واحدة وفهم واحد مشترك في تحقيقها، اللهم الا في التسمية والمفهوم وهذا المتغير يتحرك ضمن مناخات الرؤى المحركة للبناء الاجتماعي والمحكومة بمفاهيم واعراف وافكار وثقافات متعددة، والعدالة الاجتماعية ليست ثابتا مرتهنا الى اسس واحدة مشتركة وانما متغير خاضع لطبيعة المجتمع والفرد والقدرات الاجتماعية والفردي وكلها خاضعة لفلسفة اجتماعية واقتصادية وثقافية فالمنظومة الاجتماعية والثقافية محددة برؤى وافكار وعادات وتقاليد ومعتقدات كلها تحدد شكل وقناعة المجتمع والفرد ذاته وهذه المنظومة تحدد بشكل كبير جدا مفهومها ورؤيتها لمتغير العدالة الاجتماعية ومنها تنتج الفلسفة التي تتحكم بالموارد المتاحة واشباع الحاجات الخاصة بالمجتمع ضمن منظومة اقتصادية قوامها الانتاج والتوزيع والاستهلاك والقوانين الاقتصادية التي يحددها النظام الاقتصادي المنبثق من الفلسفة التي تؤمن بها الجماعات والافراد سواء اكانت الرؤية الاقتصادية ذات اقتصاد تقليدي او كانت ذات اقتصاديات ما وراء الاقتصاديات الصناعية، ان الاقتصاد بمنظومته الانتاجية وتوزيع الانتاج والموارد المتاحة وتوفير فرص العمل وتحقيق تكافؤ الفرص من العناصر المؤثرة في تحقيق العدالة الاجتماعية لان تحققها يعني تحقيق حالة الاطمئنان والهدوء والسكينة الامر الذي ينعكس ايجابا على نسب السلوك الاجرامي الذي تشكل الدوافع الاقتصادي عاملا مهم في ظهوره كالفقر والبطالة والاستقرار وكلما تعثر تحقق العدالة الاجتماعية كان مؤشرا لارتفاع نسبة السلوك المجرم، كما ان هناك مؤشر متعلق بنوع الجرائم المرتكبة فكلما كان المجتمع يعيش حالة تفاوت طبقي اقتصادي لا يراعي النسق الاجتماعي البنيوي في حركته كلما امكننا ملاحظة انواع متعددة من الجرائم اهمها الجرائم الاقتصادية وجرائم الاحتيال والجرائم المتعلقة بالغش التجاري والصناعي.

فالعدالة ليست سلوكا فطريا تتماهى مع نشأة وتطور الكائن بل هي فعل متغير خاضع لطبيعة التفاعل العلائقي داخل الجماعات، فهي سلوك مكتسب اوجدته الحاضنة الاجتماعية ببعدها الثقافي والاقتصادي وكلما كانت مرتبطة بمنظومة فكرية او عقائدية تشكل ضابطا حيويا ومهما لغلواء الأنا سواء أكانت هذه الانا للفرد او للجماعة كلما كانت اتسعت مديات تطبيق العدالة واذا كان الفلاسفة يضعون معايير نموذجية لقياسات مدى تحقق العدالة فإننا نرى بانها لا تخضع لمعيار واحد وهذا المعيار بذاته قد يكون متغيرا من مجتمع لآخر او من فرد لغيره، ومهما تعددت صور تحقق العدالة الاجتماعية فان مفهومها العام الانصاف والمساواة له اثر كبير في ادارة النشاط الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية وكلما كانت حاضرة كلما كان هناك حالة من الطمأنينة بإشباع الحاجات المادي والمعنوية والاستقرار النفسي وذلك بالتأكيد ينعكس على نسب الجريمة داخل المجتمع ولا يفوتنا ان القوانين الاقتصادية وقبلها الانظمة هي نتاج فلسفة وفكر وايديولوجية وكلما كانت هذه المنظومة المعرفية اقرب لتحقق صور العدالة الاجتماعية كانت اكثر استقرارا للمجتمع وبالتالي انخفاض بنسب السلوك المجرم.