التفاصيل
الملكية الفكرية في العراق.. قوانين كفلت حمايتها ونصائح لمن يتعرض نتاجه للسطو

الملكية الفكرية في العراق.. قوانين كفلت حمايتها ونصائح لمن يتعرض نتاجه للسطو

2021-05-06 11:37:00

بغداد/ علي البدراوي

لم يدر بخلد (أحمد) حين كان يقف منكباً على تقليب رفوف إحدى المكتبات الجامعية للعثور على ما تجود به الأطاريح والدراسات من معلومات يستعين بها لأطروحة الدكتوراه أن يشاهد رسالة (الماجستير) الخاصة به مطبوعة ومبوبة على أحد الرفوف ولكن.. باسم آخر. ليشرع برحلة بحث عن (السارق) اصطدم على اثرها بواقع أمّر مما مر به يكمن بتسرب رسالته الخاصة بـ(علم الاجتماع) إلى اسم آخر نسبها لنفسه عبر ما اسماه بحث علمي قدمه لجامعته ونال عليه الشهادة.

من تلك الحادثة بدأ (أحمد) بسلوك طريق القضاء لمقاضاة من وصفهم بسارقي رسالته العلمية مقتفياً آثار القوانين العراقية الرادعة لتلك الظاهرة.

قادني ما مر به (أحمد) الى تتبع سلسلة حوادث مر بها كُتاب وباحثين بل واعترت كاتب السطور (شخصياً) أيضاً، قاسمها المشترك هو (حقوق الملكية الفكرية).

قبل الغوص بأعماق هذا الجانب الهام لابد من الاشارة الى أن (الملكية الفكرية) لا تنحصر بالكُتاب والمؤلفين فقط بل مدياتها تصل الى المبتكرين الصناعيين والعلميين أيضا. وجراء قلة المعرفة أو حتى انعدامها بقوانين تحمي الانجازات الفكرية لأصحابها، فالسرقة والنسخ واقتباس النص دون الاشارة الى المصدر وغيرها من التجاوزات جعلت العديد من النتاجات الفكرية والعلمية والصناعية تهدر وتختفي وتندثر تحت مسمى الخشية من السرقة. نبدأها بالحديث عن بداية الالتفات الى تلك الظاهرة حين امتنع كبار العلماء من أصحاب الاختراعات العلمية في العالم عن المشاركة في معرض الاختراعات الدولية الذي استضافته العاصمة النمساوية فيينا في عام 1873 تلافيا منهم لسرقة أفكارهم، لتظهر على اثر تلك الحادثة الحاجة الى منظمة تحافظ على الملكية الفكرية وتصون حقوق أصحابها، فاستمرت  المساعي والجهود بهذا الشأن حتى تأسست منظمة حماية الملكية الفكرية المعروفة بـ"الويبو"، التي انضمت في عام 1974 الى اسرة منظمات الامم المتحدة لتصبح مهمتها حماية المؤلفات والمصنفات الادبية والفنية ساعية الى فرض الحماية القانونية للملكية الفكرية للصور والاغاني والاعمال الفنية والأدبية والرسائل والأطاريح العلمية.

 

حقوق المبدعين والتشريعات العراقية لحمايتها

في ما يخص الانتهاكات التي تطال حقوق الملكية الفكرية في العراق كانت لنا وقفة مع القاضي اياد محسن ضمد/ قاضي أول محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة الذي استعرض بإيجاز الرؤية القانونية والأخلاقية أيضاً تجاه تلك المسألة قائلاً:

تحتل الملكية الفكرية المساحة الأبرز في اهتمام النظم القانونية حيث تسعى تلك النظم لتوفير الحماية القانونية للملكية الفكرية بكافة صورها واشكالها ومصاديقها.

فحق الكُتاب والفنانين والشعراء في حماية حقوقهم المتعلقة بقصائدهم واغانيهم ورواياتهم وافلامهم السينمائية ومسلسلاتهم التلفزيونية، وحق اصحاب العلامات التجارية في حمايتها من التقليد والاعتداء، وحق اصحاب براءات الاختراع في حفظ حقوقهم المالية والمعنوية لابتكاراتهم. جميع تلك الصور وتلك الميادين تمثل مساحة واقعية تظهر فيها ضرورة وجود حماية قانونية مناسبة لاصحاب تلك الحقوق من أي اعتداء يطال نتاجاتهم بالتقليد او النسخ او نسبة النتاج لغير كاتبه وما يتبع ذلك من ظهور المنازعات القضائية سواءً في سوح القضاء المدني ام الجزائي، كون تلك الحقوق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجانب الاقتصادي وتدر أرباحاً كبيرة لأصحابها وتتضرر مصالحهم بشكل كبير ولافت عند محاولة الغير تقليدها او نسبها اليهم، سيما في مجال الاسم التجاري والعلامة التجارية وصفحات الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي والمجلات والدوريات المعروفة.

وعن موقف القانون العراقي الرادع لعملية السطو على النتاج الإبداعي أفاد القاضي ضمد قائلا:

أما بالعراق فإن قانون حماية حق المؤلف رقم (٣) لسنة ١٩٧١ ينظم حقوق المؤلف ويحميها. وقد عُدِلَ ذلك القانون بموجب الأمر رقم (٨٣) لسنة ٢٠٠٤ الصادر من سلطة الائتلاف المؤقتة، حيث بينت المادة (2) من القانون المذكور المصنفات الفكرية المشمولة بالحماية التي يوفرها القانون كالمصنفات المكتوبة وبرامج الكومبيوتر والمصنفات الموسيقية والسينمائية وغيرها.

وقد بينت المادة (44) من القانون المذكور أحقية صاحب المؤلف الذي اعتدي عليه في المطالبة بالتعويض المناسب، أما المادة (45) فقد بينت المبالغ المالية التي تفرض على أعمال القرصنة الفكرية والتي اقرها القانون كعقوبات جزائية.

إضافة الى القانون المذكور فإن قانون العلامات التجارية العراقي يوفر حماية قانونية مدنية وجزائية لاصحاب العلامات التجارية من أي اعتداء يطال علاماتهم التي تعد عاملا أساسياً بالتسويق لمنتجاتهم الصناعية والفكرية.

وبحكم المؤكد أن القوانين المذكورة تحتاج لشيء من المراجعة والتعديل بما يجعلها قادرة على مواكبة التطور الكبير الذي يشهده العالم وما يصاحبه من ظهور اشكال وصور جديدة لحقوق ترتبط بمصنفات فكرية غير منصوص عليها وربما غير مشمولة بالحماية القانونية.

 

دعوة لتوثيق النتاجات

من الملفت أن في بلد التاريخ والحضارة والتأليف والنشر (العراق) قد التفت الى تلك الظاهرة التي سادت في الحقب الزمنية الأخيرة ليشرع قضاؤه الحر المستقل بتأسيس محكمة للنشر والتي من ضمن مهامها النظر بهذا الجانب، كما شرعت وزارة الثقافة أيضاً بتأسيس مركز وطني يتعلق بهذا الشأن تحديداً (حماية حق المؤلف).

السيدة هند الحديثي عضو محكمة النشر ومدير المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة التابع لوزارة الثقافة أفادت بخصوص الدور الذي يلعبه المركز لحماية حقوق المؤلف قائلة:

يتعلق دور المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة بتسجيل وتوثيق الأعمال الأدبية والفنية والعلمية وكل ما هو مكتوب، اما النتاجات الصناعية فهي من اختصاص وزارة التخطيط (الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية) تحديداً.

ومن موقع مسؤوليتنا ندعو جميع المبدعين من فنانين وأدباء وكل من له نتاج فكري ثقافي كان او علمي او فني لتوثيق وتسجيل اعمالهم ونتاجاتهم في مركزنا حفاظاً عليها من السرقة  والاستغلال غير المشروع. حيث أن الكثير من القضايا تتوجه الينا ونحن بدورنا نقوم بإحالتها الى محكمة النشر لتكون هي الحد الفاصل، ومن هذه القضايا على سبيل المثال المسلسل الدرامي التلفزيوني (علي الوردي) وكذلك التحقيق الصحفي الخاص بـ(مقبرة المسيحيين في النجف الاشرف). اضافة الى عدد كبير من المؤلفات الاخرى التي عرضت على مركزنا وأحلناها الى محكمة النشر ليتم اتخاذ الاجراءات القضائية بصددها.

وفي إجابتها على سؤالنا المتعلق فيما اذا كان المركز يتكفل بالمقاضاة القانونية لمن يسطو على النتاجات الموثقة عنده أجابت قائلة:

لايتكفل المركز بإقامة الدعاوى والملاحقة القانونية كون ان قانون  حق المؤلف رقم (3) لسنة 1971 المعدل في 2004 لم يمنح الصلاحيات بالمتابعة القانونية سوى توثيق واثبات الحقوق.

 

محكمة النشر

وحول محكمة النشر ودورها بحماية حقوق الملكية الفكرية في العراق افادت السيدة هند الحديثي قائلة:

ان دور محكمة النشر هو المتابعة القانونية واقامة الدعاوى على المتجاوزين وسرّاق الأفكار والنتاجات واصدار القرارات القضائية الخاصة بهذه الدعاوى بعد اثبات ان كان العمل موثقا ومسجلا وحاصلا على حقوق الملكية الفكرية من عدمه.

 

طريقة للحماية

وللوقوف على طرق الحماية والسبل الكفيلة لدرء مخاطر الاستيلاء الفكري تحدث أحد أصحاب النتاجات العلمية الابداعية، مسؤول التدريب الهندسي في وزارة الصحة العراقية مؤسس مشروع فحص ومعايرة الأجهزة الطبية في وزارة الصحة السيد مهند المهداوي الذي أفاد قائلا:

شخصياً ومن خلال الأبحاث العلمية المختصة بالجانب الهندسي التي تقع في صلب اختصاصي كان أحد ابتكاراتي على وشك السرقة لولا حسن التعامل الذي من خلاله تلافيت حلول الكارثة. ومن خلال الخبرة توصلت الى اسلوب سهل مفاده أن ابسط فكرة لحفظ حقوق الملكية الفكرية لأي نتاج أدبيا كان ام ابتكارا علمياً هي ان يقوم الباحث بعد إتمام منجزه بإرسال بريد إلكتروني (إيميل) لأحد الأشخاص الثقاة او يقوم بإرساله لبريده الشخصي، يكون مضمونه تفاصيل الفكرة من اول لحظة الشروع بها حتى اختتامها ما يعد دليلا علميا وقانونيا يوثق من خلاله تاريخ الفكرة.

وهذا الامر لا يعد ابتكاراً شخصياً من قبلي فمنذ عشرة أعوام تم اعتمادها في المراسلات بين الشركات و حتى بين الموظفين الجالسين بالغرفة نفسها في عملهم.