التفاصيل
علم الضحية

علم الضحية

القاضي ناصر عمران

2021-06-03 07:50:00

ورد في المعنى اللغوي ان  الضَحيّة: هي ما يُبْذل أو يُضحَّى به في سبيل غاية، ويُقال راح ضحيَّة له: أصابه سوء عن طريقه، أو بسببه والضَّحِيَّةُ: مَجْنيّ عليه، بريء يموت ظُلمًا، وعلم الضحايا هو علم دراسة الإيذاء، بما في ذلك العلاقة بين الضحايا والجناة، والتفاعلات بين الضحايا ونظام العدالة الجنائية - أي الشرطة والمحاكم، ومسؤولي الإصلاحيات - والصلات بين الضحايا والفئات الاجتماعية والمؤسسات الأخرى، مثل وسائل الإعلام، والأعمال التجارية، والحركات الاجتماعية، ولا يقتصر علم الضحية على دراسة ضحايا الجريمة فحسب، بل قد يشمل أشكالا أخرى من انتهاكات حقوق الإنسان وعلم «الضحية» علم حديث نسبيًا، وموضوعاته لها جاذبية خاصة، ورغم وجود الضحايا منذ بدء الخليقة إلا أن هذا العلم لم يبدأ في الظهور بصورة فعلية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة لبشاعة الحرب وما خلّفته من ضحايا تجاوزت عشرات الملايين بطول العالم وعرضه.

وقد بدأ بدراسة ضحايا الجرائم والُمّدعى عليهم، ويُعد تكملة ضرورية لعلم الجريمة أو العقاب، وقد ظهر هذا العلم لسد فراغ نظري لم تستطع علوم الجريمة أن تسده، لذا لم يأخذ وقتًا طويلًا حتى أصبح جزءًا مكملًا لعلم الجريمة، وهذا العلم له أهميته وطبيعته التي جعلته مجالًا خصبًا للبحوث والدراسات التي أجريت على ضحايا الجرائم وكان لها دور بارز في إعادة تشكيل نظام علم الجريمة بأكمله فيما بعد ورغم ذلك لم يأخذ مساره في التطور والتقدم على مستوى العالم، إذ قد نراه متقدمًا في بعض الدول ومُتجاهلا في دول أخرى، رغم وجود تشابه في الوسائل المنهجية (الكيفية والكمية) المتبعة في الجرائم والمترتب عليها سقوط الضحايا.

 ونتيجة للتطور السريع في علم دراسة «الضحية» وما تطلبه هذا من تطور مماثل في جمع البيانات، فقد أثر ذلك على التشريعات العقابية وعلى المستويات الدولية والإقليمية للحد من انتشار ضحايا الحروب والعنف المؤسسي. وبهدف المساعدة على تحسين وضع الضحايا والتخفيف عنهم. وقبل ذلك ضمان وجود تدابير لإقرار العدالة الجنائية التي تقتص لهم. و علم «الضحية» science of victimology  يدرس العلاقات القائمة بين الضحية و المجرم، وفي تعريف آخر بأنه نوع من علم الجريمة الذي يدرس الضحايا وما يعتريهم من اضطرابات نفسية جرّاء تعرضهم لعنف مؤسسي ممنهج (قبل وأثناء وبعد الفعل الإجرامي) يتضح من خلال مجمل تلك التعاريف أن علم الضحية  يُعنى بنقطتين:

 – الأولى: تحديد مجموع الأفراد المعرضين للخطر، أي الأفراد الذين يصبحون ضحية انتاج فعل إجرامي عنيف.

– الثانية: توضيح العوامل الاجتماعية النفسية والنفس- مرضية التي يعاني منها الضحية نتيجة أعمال العنف المنهجية ضده. وقد نشأ هذا العلم وهو  حديث النشأة حيث يرجع ظهوره إلى أواخر الخمسينيات، وكما ذكرنا فقد شكّلت المآسي الناتجة عن الحرب العالمية الثانية نقطة ارتكاز في تطور هذا العلم فيما بعد و الجدير بالذكر أن كافة المجتمعات البشرية لديها تشريعات وقوانين تحدد للناس ما يجب القيام به من تصرفات، كما ان هناك تصرفات واجراءات تتخذ شكلا غير رسمي، لكنها مُلزمة من الناحية الأخلاقية للناس ويطلق عليها في أوقات كثيرة مسمى العرف، بينما القانون أو التشريع يأتي تعبيرا عن المعايير الرسمية التي تُفرض على الناس ويصحبها دائما عقوبة أو جزاء حال مخالفة الفرد لأي من نصوصها، وتصدر التشريعات والقوانين طبقًا لإجراءات خاصة تتعلق بطبيعة ونوعية النظام السياسي بالدولة.

ومع التطورات التي جرت على علم النفس وغيرها من العلوم الاجتماعية، تطورت النظرة للسلوك الإجرامي، وظهرت تحليلات وتفسيرات كثيرة ترى أن السلوك المنحرف هو نتاج طبيعي لضغوط ومشكلات مجتمعية وحياتية يتعرض لها الفرد في نشأته، وأنها تمثل دافعًا للجريمة مستقبلًا، ولذا يعزو هذا الرأي الجريمة للمجتمع أو للمثيرات المجتمعية وللمتغيرات المتعددة  العضوية والنفسية والمتغيرات الاقتصادية وايا تكن الاسباب التي تؤدي الى الانحراف والسلوك الاجرامي فانها بالنتيجة تؤدي الى مجنى عليهم وضحايا لهذا السلوك المجرم. والفرق بين المجنى عليه والضحية هو ان المجنى عليه هو من تحققت فيه نتيجة الفعل المعاقب عليه مباشرة  ويمكن ان نقول عنه ضحية اما من لحقته نتائج الجريمة بطريقة غير مباشرة وتم الاعتداء على حق من حقوقه ويلزم الجاني بالتعويض عن الاضرار التي لحقته يسمى الضحية ولا نستطيع ان نطلق عليه المجنى عليه في هذه الحالة. والسؤال هل يمكن اعتبار الجاني ضحية نرى ان ذلك يمكن ان يتحقق في جرائم الاحداث وبعض الجرائم التي يرى المجرم فيها ضحية، وتتأثر الظاهر الاجرامية المنتجة للضحايا بالاقتصاد فالظاهرة الاقتصادية ككل ظاهرة اجتماعية تتميز بالحركة وحركتها قد تكون تدريجية بطيئة ويتوافر فيها حالة التطور الاقتصادي، وقد تكون حركتها فجائية سريعة وتتحقق فيها التقلبات الاقتصادية ولكل من هاتين الحالتين  اثرهما الواضح بالظاهرة الاجرامية،فالأجرام يختلف كما ونوعا حسب التطور الاقتصادي وما اذا كان اقتصادا زراعيا او صناعيا ففي الاقتصاد الزراعي تكون نسية الظاهرة الاجرامية قليلة نسبيا نظرا لطابع الهدوء وبساطة العلاقات الاجتماعية واذا ما ظهر الاجرام فانه يتخذ  طابع العنف بسبب ظروف الحياة الصعبة والقاسية فتكثر جرائم القتل والايذاء والحريق العمد والائتلاف والسرقة بالإكراه، وهذه الظاهرة تنتج ضحايا تبدأ بوجود عدد من الايتام والارامل والمعاقين والثكالى اضافة الى الخسائر التي تنجم عن جرائم الائتلاف والسرقة والحرق وهذه الجرائم تشكل ضرباً  واضحاً للاقتصاد والدخل الفردي وبالتالي المستوى الاجتماعي للأسرة والخسارة تنتج ضحايا غير قادرة على تحقيق تعويض لما فقد كاثر للظاهرة الاجرامية  والتي احيانا تتسع بفعل الاعراف المجتمعية السلبية لتنتج مزيدا من الضحايا اما المجتمع الصناعي فتزداد نسبة الاجرام بسبب النشاط والحركة والتي يترتب عليها تعقد الحياة وتشابك العلاقات بين افراده ويتخذ الاجرام فيها طابع الحيلة والدهاء فتكثر جرائم الاحتيال وخيانة الامانة والسرقة والتزوير والرشوة والغش والتهريب وقد كشف العالم الايطالي (بوليتي ) بعد اجراء مقارنة بين النشاط الاجرامي من جهة والنشاط الاقتصادي (التجارة والصناعة ) وقد وجد زيادة في عدد الجرائم يقابلها زيادة مماثلة في حجم النشاط الاقتصادي  وان هذا التطور الاقتصادي لا يؤدي فقط الى ارتفاع مستوى معيشة الافراد وانما ايضا الى تعدد علاقاتهم وتشابك مصالحهم كما يصحب ذلك خلق ظروف جديدة تدفع للإجرام ، اما بخصوص التقلبات الاقتصادية وهي الازمات التي تنتاب الاقتصاد فقد يكون لها صفة الدورية او لا تكون وفي كل الاحوال فإنها تكون عارضة ولا تستمر لفترة طويلة ومن خلال الدراسات والبحوث بين التقلبات الاقتصادية والظاهرة الاجرامية جاءت النتائج متضاربة حيث انتهت بعض الابحاث الى انه يترتب على الازمات الاقتصادية ارتفاع عدد الجرائم وبصفة خاصة السرقة والتسول وبعض الابحاث توصلت الى العكس فقد وجد فيري ان الازمات الاقتصادية يترتب عليها انخفاض في نسبة الاجرام وان الثراء قد يكون عاملا من عوامل زيادة حجم الظاهرة الاجرامية، والواقع ان البحث في اثر التقلبات الاقتصادية على الظاهرة الاجرامية يتطلب النظر الى مدى قدرة الافراد على اشباع حاجاتهم ولما كان ذلك يتوقف على مقدار دخلهم الحقيقي فان البحث يتركز على بيان اثر التقلبات الاقتصادية على الدخول الحقيقية للإفراد فاذا لم تتأثر دخول الافراد او الفائض منها بالتقلبات الاقتصادية فالظاهرة الاجرامية لا تتأثر وتبقى تقريبا ثابته والعكس صحيح وكلها تشكل عوامل مهمة في نسبة عدد الضحايا.