التفاصيل
اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بالنظر بالقضايا الناشئة عن تطبيق القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والاجراءات الاتحادية

اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بالنظر بالقضايا الناشئة عن تطبيق القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والاجراءات الاتحادية

أ.د علي هادي عطية الهلالي/ عميد كلية القانون – جامعة بغداد

2021-06-26 21:35:00

 دأبت الدساتير ذات النزعة الهادفة لحماية سمو الدستور وضمان مبدأ سيادة القانون بشكل عام ، واستقرار النموذج المركب الاتحادي للدولة بشكل خاص على تشكيل محكمة دستورية أو عليا أو اتحادية تناط بها مجموعة من الاختصاصات في مقدمتها كفالة علو الدستور بوصفه هدفا أساسيا فضلا عن اختصاصات أخرى تتكامل مع ذلك الهدف .

من الزاوية المتقدمة استمر دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على تشكيل المحكمة الاتحادية العليا، التي حرص على تشكيلها قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية ((المادة/44/ من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 المنشور بالعدد 3981 في  2003 /12 / 31 ))، وأناط بها عددا من الاختصاصات من بينها: "الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية .."(( المادة /93/ ثالثا/ دستور 2005 ))، بالرغم من كون قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لم يعقد الاختصاص ذاته للمحكمة نفسها، إنما عقده الى محاكم اتحادية ((يجري تأسيسها في الاقاليم بالتشاور مع رؤساء مجالس القضاء في الاقاليم المادة/ 43/د من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 نفسه)).

 لذا كان المهم نظريا وعمليا تحديد معنى الاختصاص المتقدم ؟ ونطاقه ؟ في ظل اهداف تشكيل المحاكم الدستورية أو العليا أو الاتحادية سالفة الذكر متوصلين الى المعنى والنطاق المتلائم مع ذاتية تلك المحاكم وتشكيلها وجوهر عملها بما يحقق صميم غاياتها، فضلا عن ضمان عدم تشعب عملها والدعوى الواردة الى ساحتها بما يضيع من تلك الذاتية ويبتعد عن تلك الغايات؛ وطالما كان مضمون الاختصاص "محل البحث" هو:" تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية"، لذا اقتضى ذلك الانكفاء على معناه، وجهة إصدارها، واهميتها، ولكن في ظل ما يندرج تحت عنوان سمو الدستور وعلوه وما يندرج تحته من عناوين سعت الى حمايتها نصوص الدستور وبأخصها شكل الدولة المركب الاتحادي، وحماية الحقوق والضمانات الدستورية فيها، اسوة بغيره من الدساتير الاتحادية ((كما أورد الاختصاص نفسه دستور المانيا الصادر عام 1949 المعدل / المادة 93 الفقرة 3 على سبيل المثال )).

إن الالفاظ التي يختارها المشرع الدستوري في الصياغة ويبثها في الوثيقة الدستورية يقصد منها معان محددة، فإذا ما كرر تلك الالفاظ لا يمكن أن يظن أنه لم يرد المعنى نفسه وبخالف ذلك يصعب تحديد المقاصد منها، لذا وجب تحديد معنى: "القوانين الاتحادية" و"القرارات والانظمة والتعليمات الاتحادية" و"الاجراءات الاتحادية "؟ فضلا عن تحديد معنى "التطبيق" نفسه؟

يظهر لنا أن المشرع الدستوري استخدم لفظ القانون بمواضع متعددة من الوثيقة الدستورية ((المادة/ 128 دستور 2005 مثلا))، كما استخدم لفظ التشريعات فيها ((المادة/130 دستور 2005 مثلا))، كما استخدم لفظ "القوانين الاتحادية" ذاته بموضع تحديده اختصاصات مجلس النواب ((المادة/61/أولا من دستور2005))، عليه يكون مقصد المشرع من لفظ "القوانين الاتحادية" هو: التشريعات التي يصدرها مجلس النواب الاتحادي والحاكمة لعموم الدولة الاتحادية فقط دون غيرها، لذا يخرج من ذلك القواعد القانونية الاخرى التي تسنها السلطات الاقليمية واللامركزية.

أما عن معنى:" القرارات والانظمة والتعليمات الاتحادية" فيظهر لنا أن المشرع الدستوري استخدم الالفاظ ذاتها بالتسلسل نفسه في موضع آخر من الوثيقة الدستورية عند تبيانه اختصاصات مجلس الوزراء ((المادة/ 80/ثالثا من دستور 2005 ))، لذا تكون: القواعد التي يصدرها مجلس الوزراء الاتحادي وتكون ملزمة في أرجاء الدولة الاتحادية كافة بحكم اختصاصاته المبينة في الدستور، لذا يخرج من هذا النطاق كل ما يصدر عن سائر السلطات الاخرى سواء إقليمية أكانت أم لامركزية.

يبقى تحديد معنى "التطبيق"، وهل ورد في الوثيقة الدستورية متصلا بالقوانين والقواعد الاتحادية الاخرى سابقة الاشارة؟

استخدم المشرع الدستوري الفاظا أخرى غير لفظ "التطبيق" للدلالة على نفاذ التشريعات ولزوم العمل بها حينما استخدم لفظ "العمل بها" ((المواد 129 و 130 من دستور 2005))، وبالتأكيد ان اختلاف اللفظ مدعاة الى اختلاف المعنى المراد من المشرع كون توحيد الالفاظ والمصطلحات في الصياغة للوثيقة الدستورية من أخص شروط دقتها ووضوحها فيما لو أراد المشرع الدستوري أن يصل الى المعنى ذاته، ولكون اللفظ المستخدم قد تغير لذا يكون المعنى المراد قد تغير، فالعمل بالتشريع ارتبط بالنفاذ له ((لاحظ المواد 129 و 130 من دستور 2005))، في حين "التطبيق" يأتي بمرحلة لاحقة للنفاذ، والتي تستوجب تدخلا إيجابيا أو امتناعا سلبيا من قبل سلطات الاقاليم والسلطات اللامركزية لتطبيق القواعد والاجراءات الاتحادية.

ولكن ما تقدم يوضح معاني مضامين القضايا التي تنظرها المحكمة الاتحادية العليا بمناسبة تطبيق القواعد والاجراءات الاتحادية من دون ان يوضح السلطات التي تصدر عنها تلك القواعد والرابطة بينها وبين كفالة ضمان تطبيقها ومراقبته من قبل المحكمة الاتحادية العليا في ظل مهام المحكمة واهداف تشكيلها سالفة الذكر؟

إن تأمل ما استخدمه المشرع الدستوري من لفظ " القوانين الاتحادية"، وباقي القواعد والاجراءات التي تصدر من "السلطة الاتحادية" ((المادة /93/ثالثا ))، يشير صراحة الى كون جهات إصدارها مكلفة بمهام تتصل بمسائل سيادية لا تقبل التجزئة والابتسار، فمجلس النواب بوصفه جهة اصدار القوانين الاتحادية يلتزم بمسائل جوهرية اخصها:"الحفاظ على استقلال العراق وسيادته وسلامة ارضه.."((المادة 50/ من دستور 2005))، أما من يصدر " القرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات " فهي: "السلطة الاتحادية"، ويبدو لنا أن المشرع الدستوري أراد بهذا اللفظ معنى مختلفا عما درج على استخدامه من لفظ "السلطات الاتحادية" (( المواد/ 109 و 110 و 113 و 114 و  115 ))، فلو أراد المعنى نفسه لاستخدم اللفظ نفسه وهذا ما توجبه قواعد الصياغة الموصلة الى المعاني والمقاصد الواحدة، مما يقتضي التساؤل عن مدى استخدامه للفظ نفسه في موضع آخر من الوثيقة الدستورية لكي نتمكن من تحديد معناه؟

يظهر لنا أن المشرع الدستوري استخدم لفظ " السلطة الاتحادية" عندما عبر عن مكونات السلطة التنفيذية، إذ نص على "السلطة التنفيذية الاتحادية" ((المادة/ 66 من دستور  2005))، عليه يكون المراد "بالسلطة الاتحادية" هو: السلطة التنفيذية الاتحادية والتي تتألف من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، كما يظهر أن من أخص المشتركات في مهام مكونات السلطة الاتحادية هي: الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال الدولة وسيادتها ووحدتها ((المادة/ 67 من دستور 2005))، بدلالة ان هذه المكونات تعمل بحالة من التكامل بتقديم مشروعات القوانين ((المادة/ 60/أولا من دستور 2005))، وقيام رئيس الجمهورية مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب ((المادة/81/أولا من دستور 2005))، وغير ذلك..

عليه تكون السلطة التنفيذية الاتحادية بما تصدره من قواعد وإجراءات ومجلس النواب بما يسنه من قوانين اتحادية يشتركان بمنبع مهام تلك السلطات وغاياتها السيادية والمرتبطة بأهداف شاملة للدولة عموما أخصها: ضمان سمو الدستور، ووحدة الدولة، وأمنها، والسياسة العامة للدولة الخ...

ولكن ضمان تطبيق ما تصدره السطات الاتحادية أعلاه في الدول المركبة يحتاج الى ضمانات عملية واقعية يعقدها المشرع الدستوري بجهات قضائية أو تنفيذية اتحادية، في الغالب، كون هواجس عدم تطبيقها أو الانحراف في تطبيقها سواءٌ أكانت بقصد أم بدون قصد يؤثر في تلك المسائل الجوهرية التي عقدت مسالة حمايتها السلطة التشريعية الاتحادية والسلطة التنفيذية الاتحادية كما مر ذكر بعضها.

من الزاوية المتقدمة اناط المشرع الدستوري بالمحكمة الاتحادية العليا مراقبة انفاذ القوانين الاتحادية وتطبيقها في سائر انحاء الدولة بوصف هذا الاختصاص من متطلبات ضمان وحدة الدولة وديمومتها وسلامتها وسمو دستورها في ظل الشكل المركب للدولة الاتحادية والذي يشهد تنوعا بالقواعد "اتحادية وإقليمية ومحلية " وتنوعا بالسلطات " اتحادية وإقليمية ومحلية "، وقد رأى المشرع الدستوري اناطته بالمحكمة الاتحادية العليا برؤية متطورة عن رؤية مشرع قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي تركه للمحاكم الاتحادية (المادة/43/د).

 ونتيجة ما تقدم يكون نطاق فهم الاختصاص أعلاه للمحكمة الاتحادية يدور في النطاق آلاتي:

أولا: ان ترتبط الدعوى التي تنظرها المحكمة الاتحادية بتطبيق للنصوص أو الاجراءات الاتحادية، وليس بمدى دستوريتها، أي: ان الفرضية تكون قائمة عن كونها موافقة للدستور ابتداء، ويفرض المشرع الدستوري متابعة تطبيقها، وهذا الظن يستند الى كون المحكمة تختص بالنظر بالدستورية في مورد آخر وبدعوى أخرى أوردها الدستور صراحة (المادة/93/أولا) وبخلاف هذا الظن يكون المشرع قد كرر الاختصاص نفسه دون مبرر وهذا ما تأباه الصياغة الدستورية المثلى.

ثانيا: ان يكون موضوع الدعوى مرتبطا بتطبيق النصوص والاجراءات الاتحادية وليس تشريعهما، عليه تكون مواضيع: التزام مجلس النواب بتشريع القانون الاتحادي، وامتناعه عن تشريعه، فضلا عن البحث في دستوريته، خارجا عن النطاق الموضوعي لهذه الدعوى.

ثالثا: أن يكون موضع الدعوى مرتبطا بتطبيق نص أو اجراء اتحادي، بمعنى: ان يكون موضوع الدعوى متصلا بمصلحة سيادية وقومية تهم ارجاء الدولة، كوحدة الدولة وأمنها وسلامة أراضيها وحمايتها من العدوان والكوارث وغيرها، أو يتصل بحق أو ضمانة دستورية حرص المشرع الدستوري على تأكيدها والزام السلطة التشريعية الاتحادية بتفصيلها في قانون اتحادي، كضمانة الدستور للغات المستخدمة بالدولة((المادة/4 ثانيا من دستور 2005 ))، وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ ((المادة/61 تاسعا ج من دستور 2005))، وضمانات حقوق الاقاليم والمحافظات ((المادة/105 من دستور 2005))، والاختصاصات المشتركة التي تستوجب التعاون بين السلطات المركزية والاقاليم والمحافظات ((المواد/ 112 و 113 و114 وغيرها من دستور 2005))

 ويبقى التساؤل عن التثبت من شرط المصلحة لقبول الدعوى بالمضمون والمعنى المتقدم ؟

- انتهى -