التفاصيل
الفاعل المعنوي في الفقه الجنائي

الفاعل المعنوي في الفقه الجنائي

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2021-07-07 08:04:00

توسعت التشريعات الجنائية في تحديد مفهوم الفاعل للجريمة, ولم تقصر الفاعل على انه من يرتكب الركن المادي للجريمة او بعضه, او يقترف فعلاً يعد شروعاً عند البدء في تنفيذ جريمة, فعلى سبيل المثال عد فاعلاً –كما في التشريع الجنائي العراقي- من ارتكب الجريمة وحده او مع غيره, او من ساهم في ارتكابها اذا كانت تتكون من جملة افعال فقام عمداً اثناء ارتكابها بعمل من الاعمال المكونة لها او من دفع باي وسيلة, شخصاً على تنفيذ الفعل المكون للجريمة اذا كان هذا الشخص غير مسؤول جزائياً عنها لاي سبب المادة (47) من قانون العقوبات), وفي التشريع الجنائي المصري يعد فاعلاً, من يرتكب الجريمة وحده او مع غيره, او من يدخل في ارتكابها اذا كانت تتكون من جملة اعمال فيأتي عمداً من الاعمال المكونة لها المادة (39) من قانون العقوبات المصري.

وينبني على هذا التوسع ان الفاعل قد لا ينسب اليه سوى فعل لا يتعدى –اذا ما نظرنا اليه في ذاته- وافترضنا ان الجريمة لا تتم –وهو مجرد عمل تحضيري للجريمة- وبالرغم من هذا فان الفعل يمثل دوراً رئيسياً فيها, ويعتبر عملاً من الاعمال المكونة لها. وبذلك فيكون من الأفعال الواردة في الفقرة (2) من المادة (47) من قانون العقوبات المشار لها آنفاً.

ولانطباق المفهوم الواسع للفاعل عند التطبيق القضائي للنص بمعنى "يعد فاعلا للجريمة" اشتراط ان يثبت ان الدور الذي قام به المتهم في الجريمة هو دور رئيسي يدخل في تنفيذها, وهذا يتطلب دراسة خطة الجريمة التي وضعها الجناة لبيان دور كل منهم, فان تمكنا ان نستنتج من خلال ذلك اهمية دور الجاني وكونه من منفذي الجريمة فهو فاعل لها مع وجوب ان يكون له دور في مسرح الجريمة, بمعنى ان تكون هناك معاصرة لنشاطه وقت تنفيذ الجريمة, مع الاخذ بنظر الاعتبار ان يعد من مسرح الجريمة المكان الذي تتاح فيه الفرصة للجاني ان يقوم بدوره عند تنفيذها. وان مسرح الجريمة تختلف رقعته باختلاف ظروف كل جريمة, اي قد لا يكون الجاني يلمس تنفيذها باحدى حواسه ولكن من خلال جهاز تصوير عن بعد كجهاز الموبايل مثلاً.

واذا كان هذا هو الفاعل للجريمة, فمن هو الفاعل المعنوي لها؟ المقصود بالفاعل المعنوي للجريمة هو من يسخر غيره في تنفيذها ويجعله أشبه بالأداة التي يستعين بها في تحقيق العناصر التي تقوم عليها, فالفاعل المعنوي يكون قد نفذ الجريمة, ولكن بواسطة غيره, وابرز مثال للفاعل المعنوي من يحرض شخصاً غير مسؤول جزائياً, كمن يدفع مجنون لقتل ثالث فتقع الجريمة نتيجة لذلك, وكمن يدفع بصغير غير مميز لوضع النار في مسكن فتقع نتيجة لذلك جريمة الحريق. ويعتبر فاعلاً معنوياً كذلك من يدفع شخصاً حسن النية الى ارتكاب الجريمة اي غير عالم بالصفة غير المشروعة انما يعتقد ان ما يفعله عمل مشروع كمن يسلم شخصاً طعاماً دس فيه سماً مخفياً عنه وجود المادة السامة ويطلب منه ان يقدمه لشخص المجنى عليه فيفعل ذلك وتقع جريمة القتل بالسم, او كمن يطلب من خادمه ان يسلمه شيئاً لا يعود له فيجبه خادمه لذلك معتقداً ان الشيء له فتقع جريمة السرقة.

ويبدو الفرق واضحاً بين الفاعل المعنوي والمساهم في الجريمة, فالاول عبارة عن اداة مسخرة, والثاني شخص له في نظر القانون وجوده ومسؤوليته.

ويسوق الفقه حجج متعددة لتبرير نظرية الفاعل المعنوي ابرزها:-

اولاً/ المساواة بين الادوات التي يستعين بها الجاني في ارتكاب الجريمة –كقاعدة عامة- بمعنى ان لا يشترط استعانته باعضاء جسده لوحدها لإتيان الفعل مما تتطلبه ماديات الجريمة, بل يتساوى بنظر القانون استخدامه اداة منفصلة عن جسده تزيد من امكاناته على تنفيذها سيما وان القانون لايميز بين الادوات, فنظرته لها سواء, فعلى سبيل المثال لايشترط القانون في جريمة القتل ان يخنق الجاني ضحيته بيده او يضربه بيده او رجله ليزهق روحه, بل يعد قاتلاً اذا ما استعان على قتله باداة قد تكون جماد كالحبل مثلاً, او يكون حيوان يطلقه على ضحيته, او انسان غير مسؤول جنائياً يسلمه مادة حارقة او متفجرة ليرميها على المجنى عليه. وثانيهما, ان نشاط الفاعل المعنوي لا يعد تحريضاً على الجريمة, لان مفهوم التحريض بث فكرة الجريمة في ذهن الغير وخلق التصميم الاجرامي لديه, ولا يتحقق ذلك الا اذا وجه الى شخص يدرك دلالته الاجرامية مقدرا خطورة الفعل الذي يقدم عليه, بمعنى ادراك ذلك وتقديره, وهذا لا يتحقق اذا ما وجه التحريض الى الشخص غير المسؤول جنائياً, لفقدان الادراك لديه وكذا الحال بالنسبة للشخص حسن النية, فهو مدرك وان كان بالامكان يدرك ذلك.

فمجال تطبيق نظرية الفاعل المعنوي على وفق ما ذكر تكون عندما يكون منفذ الجريمة غير مسؤول جنائياً, وحيث يكون حسن النية, ففي كلتا الحالتين يسخر لحساب من يدفعه لارتكاب الجريمة. وقد تباين موقف الفقه من نظرية الفاعل المعنوي. ولكن قدر تعلق الامر بالتشريع العراقي نلاحظ ان المشرع وفي الفقرة (3) من المادة (47) مارة الذكر عدّ من دفع بأي وسيلة شخصاً على تنفيذ الفعل المكون للجريمة اذا كان الشخص غير مسؤول جزائياً لاي سبب فاعلاً للجريمة, وواضح من ظاهر النص وفحواه عدم مسؤولية الشخص المباشر للجريمة لتوافر سبب من اسباب انتفاء المسؤولية الجنائية.