التفاصيل
الطعن بدستورية التعليمات في ظل دستور 2005 واتجاهات المحكمة الاتحادية العليا

الطعن بدستورية التعليمات في ظل دستور 2005 واتجاهات المحكمة الاتحادية العليا

أ.د علي هادي عطية الهلالي/ عميد كلية القانون – جامعة بغداد

2021-07-13 21:59:00

نتج عن مبدأ تدرج القواعد القانونية وهرميتها استناداً الى تدرج جهة إصدارها وأهميتها في الدولة القانونية أنواع من الرقابة ، يتكفل القضاء الدستوري في جانب منها ، ويسانده القضاء الإداري في جانب آخر ؛ ولا يخرج النظام القانوني والدستوري في العراق عن هذا الاطار بشكل عام .

ولكن ما احدثته ،صراحة، النصوص المؤسسة للمحكمة الاتحادية والمنظمة لعملها والمحددة لمهامها من جهة ، وما اختطه دستور 2005 من مهام للمحكمة نفسها من جهة أخرى انتج لنا التساؤل عن مدى اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بالنظر بالطعون الموجهة الى دستورية التعليمات ؟ .

وينبري التساؤل المتقدم كلما لاح في الأفق تعارضاً ظاهرياً أو ضمنياً بين التعليمات من جهة ، والنصوص الدستورية المتمتعة بالسمو والعلو من جهة اخرى " بفرضية أن القانون أو التشريع الذي صدرت بموجبه التعليمات كان موافقاً للدستور" ، وكانت هناك جهة محددة يناط بها البت بالطعون الدستورية فضلا عن وجود جهة أخرى يناط بها البت في مشروعية القواعد الأدنى للقواعد الأعلى ، وبخاصة في ظل الازدواجية التشريعية في بيان جهات الاختصاص ، ما يثير التساؤل عن أي من الجهتين ،أعلاه، تبت بالطعن بدستورية التعليمات ؟

اذا كان دستور جمهورية العراق لسنة 2005 عقد للمحكمة الاتحادية العليا ، بوصفها المحكمة الدستورية ، اختصاص "الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة"(( المادة /93 – أولا دستور 2005 )) ، فإنه لم يبين ،صراحة، موقفه من الجهة التي تنظر بالطعن بدستورية التعليمات ؛ ولكن بالعودة الى الدستور الذي شكل المحكمة الاتحادية ،بوصفه مصدراً تاريخياً مفسراً، وأناط بها اختصاص القضاء الدستوري نجده قد صرح باختصاص المحكمة الاتحادية بالنظر بدستورية التعليمات ((المادة/الرابعة والاربعون – ب – 2 قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية 2004 ))، وانعكس هذا السند الدستوري ، التاريخي ، على نصوص التشريع المنظم للمحكمة و عملها ، الذي عقد اليها الاختصاص ذاته ((المادة/4- ثانياً- قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 )) ، مما أتاح للمحكمة النظر بدستورية التعليمات في مناسبات عدة أخصها ما سنتناوله بالإشارة في القرار/55 /اتحادية/2017 .

ولكن بالرغم من كون المحكمة الاتحادية تعمل على وفق اختصاصاتها المبينة بالدستور ((المادة/93/دستور 2005)) ، وقانونها ((المادة/4 – اولاً- من قانون المحكمة الاتحادية العليا المعدلة بموجب المادة/2 – من قانون التعديل الأول رقم 25 لسنة 1921 )) ، بيد أن هذه النصوص قد خلت من التصريح باختصاص المحكمة بالنظر بدستورية التعليمات ، واكتفت بالنص على اختصاصها " بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة ، ولكن صراحة نصوص الاختصاص ، وأهميتها كونها من النظام العام ، لا تحول دون طرح التساؤل عن جهة الاختصاص بحسبان ما يثيره من إشكاليات وأهمية واقعية وعملية وبخاصة أن مخالفات التشريعات للدستور تظهر بجلاء ، غالباً ، بمخالفة التشريعات الفرعية (الأنظمة والتعليمات) له ، وتبدو متوارية بمخالفة التشريعات (القوانين) له .

يقصد بالتشريع الفرعي (التعليمات) : قواعد تسنها السلطة التنفيذية بمقتضى اختصاصها الوارد بالدستور ، ويكون : إما تنفيذياً ، كونه يصدر ضماناً لتنفيذ القوانين الصادرة من السلطة التشريعية ، لذا يتوجب أن يلتزم حدود هذا الفرض ، بحيث لا تملك السلطة التنفيذية تحت غطاء اصدار التعليمات الحق في الغاء احكام القانون أو تعديله أو تعطيله ؛ أو يكون التشريع الفرعي: تنظيمياً إذا ما صدر منظماً لسير المرافق العامة ؛ أو يكون التشريع الفرعي ضبطياً إذا ما صدر مقيداً للحريات الفردية لحفظ النظام العام والآداب العامة والصحة العامة والذوق العام .. الخ ((أ.د حسن كيرة . المدخل الى القانون ، منشأة المعارف / الإسكندرية ، ط5، 1974 ، 239 – 242 ))  .

وتصدر التعليمات في العراق ، بأوصافها وأهدافها المبينة أعلاه ، من قبل السلطة التنفيذية ((المادة/ 80-ثالثاً/ دستور 2005 )) ، ولكن بالرغم من كون إصدارها قد يكون تنفيذياً لقانون متطابق مع الدستور شكلاً ومضموناً ، لكنها ، أي: التعليمات، قد تنتهك ضمانة أو حقاً أو حرية أو قيداً ورد بصريح نصوص الدستور ، مما يثير مسألة الطعن بالدستورية ضدها ، وإشكالية تحديد الجهة صاحبة الاختصاص النوعي ؟ .

إن توجه المشرع الدستوري والقانوني بإغفال ذكر هذا الاختصاص للمحكمة الاتحادية العليا صراحةً ، يؤدي الى أحد احتمالين : أما الأول: أن المحكمة الاتحادية العليا غير مختصة بالنظر في الطعن بعدم دستورية التعليمات ، وبالنتيجة يعقد الاختصاص للقضاء الإداري ، كونه الجهة التي تراقب احترام التدرج الهرمي للقواعد القانونية في الدولة  القانونية ، ولكن هذا الاحتمال يجعل من سمو الدستور وعلوه مبدأً يتشارك في ضمانه المحكمة الاتحادية والقضاء الاداري ، وهذه النتيجة لا تتطابق مع توجه المشرع الدستوري في ايكال الرقابة على الدستورية لجهة واحدة لضمان مبدأ : " وحدة الأمر من حيث المصدر " ؛ أما الثاني: فتكون المحكمة الاتحادية مختصة برقابة دستورية التعليمات طبقا لإرادة المشرع الدستوري ، الذي أوكل لها مهمة حماية سمو الدستور وعلوه في ارجاء الدولة كافة ، فضلاً عن كون قانون إدارة الدولة بوصفه مصدراً تاريخياً في التفسير ، وقانونها قبل التعديل سبق أن تضمنا صراحةً على هذا الاختصاص ، فضلاً عن كون المحكمة نفسها قد نظرت بمثل هذه الطعون من دون تردد .

إن  مما لا ريب فيه أن السمة التي تتصف بها الأنظمة هي السمة ذاتها التي تتصف بها التعليمات ، كونهما قواعد عامة مجردة ترتب مراكز قانونية عامة في الغالب الأعم ، فضلاً عن صدورهما من الجهة نفسها ،السلطة التنفيذية ، لذا لا فرق جوهري بين نص المشرع الدستوري وغايته على الرقابة على دستورية الأنظمة ، وعدم نصه على التعليمات ، طالما اتحدا بالخصائص عينها هذا من جهة ومن جهة ثانية أن نصوص الدستور إذا ما رسمت حدوداً عامة للتشريع والأنظمة والتعليمات ، وحددت أوصافاً لها توجب حماية تلك النصوص من عسف المشرع عند إصداره التشريع أو السلطة التنفيذية عند إصدارها الأنظمة والتعليمات ، لذا توجب أن تكون الجهة التي اوكل لها الدستور حماية نصوصه هي من يتصدى الى النظر بدستورية القانون والأنظمة والتعليمات على حد سواء .

من الرؤية المتقدمة نظرت المحكمة الاتحادية ، بسياق ضرب المثل ، بعدم دستورية تعليمات كشف الذمة المالية رقم 2 لسنة 2017 ، وأسست حكمها المتضمن عدم دستوريتها على اساسين : أما الأول : لكون التعليمات قد صدرت بمضامين يعود اختصاص تنظيمها الى السلطة التشريعية وليس التنفيذية ، مما أدى الى تعارض التعليمات مع صريح احكام الدستور المبينة لمبدأ الفصل بين السلطات ، مما يعد متعارضاً مع تقدير المشرع الدستوري لتحديد مهام كل سلطة من السلطات ، بمعنى : أن التعليمات قد تصادمت مع المادة/47 من الدستور ؛ أما الثاني: لكون التعليمات قد خرجت من الاوصاف المحددة لوضعها والحاكمة لمضمونها والمبينة لحدودها واللازمة في تحديد أهدافها وغاياتها ، كون الدستور قد أوكل للسلطة التنفيذية اختصاص إصدارها لتكون إما كاشفة لنصوص التشريع أو مفسرة له أو موجهة لكيفية تطبيقه دون أن تتغول لتضيف للقانون الذي صدرت بظله نصوصاً جديدة ، بمعنى: أن التعليمات قد جافت حدود اوصافها ومراميها المبينة في نص المادة /80- ثالثاً من الدستور ((قرار المحكمة الاتحادية العليا بالعدد/55 /اتحادية/2017 في 20-6-2017))

إن مما لا ريب فيه أن التوجه القضائي المتقدم قد قبل مخاصمة التعليمات وتوجيه المطاعن الدستورية ضدها ، ووزن تلك التعليمات بميزان الدستورية بالركون للنصوص الدستورية الحاكمة لسلطة إصدارها فضلاً عن تلك النصوص المبينة لأهداف إصدارها ومقاصد تشريعها .

ولكن إن ما قد يعترض التوجه التحليلي و القضائي المتقدم هو: أن التعليمات تستند الى القانون الذي صدرت لتوضيحه أو لتسهيل تنفيذ احكامه ، وأن الطعن بها لا يمكن ان يكون مجرداً أو منبت الصلة عن ذلك القانون ، كونه أساس وجودها ومصدر شرعيتها وسبب صدورها ، لذا فإن الطعن بالدستورية يتوجب أن يكون طعناً بذلك الأساس أو المصدر أو السبب وليس طعناً متوجهاً لتلك التعليمات ، ولكن هذا التوجه يفترض بالضرورة أن التشكيك بالدستورية يستطيل الى القانون الذي صدرت التعليمات لتسهيل تنفيذه ، ولكن هذه الفرضية لا تنهض على الدوام مستوسقة ، فالقانون قد يكون دستوريا شكلا وموضوعاً ولا ينتهك علوية احكام الدستور السامية ، إلا أن تعليمات تنفيذه قد تصدر تشوبها مضنة عدم الدستورية مما يستوجب توجيه المطاعن إليها أمام الجهة التي تحمي قلاع الدستورية لا غيرها ، وبخاصة اذا ما صدرت تلك التعليمات تجافي حدودها وشروط إصدارها وخصائصها المبينة بالدستور وليس بقاعدة قانونية ادنى منه ؛ أو قد يقدح الى القول أن الطعن بالتعليمات هو طعناً بالمشروعية وليس بالدستورية ، وهذا ما يُعقد لمحكمة القضاء الإداري عند نظرها بالطعن ضد " الأوامر والقرارات الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام " ((المادة  7 - رابعاً قانون مجلس الدولة بالرقم 65 لسنة 1979 وتعديلاته)) ، ولكن هذا الاختصاص يتعين بتدقيق مدى مطابقة التعليمات للقواعد القانونية التي تعلوها (القانون) ، وليس بمطابقتها مع الاحكام الدستورية ، كون هذا الاختصاص من أخص واجبات ومهام المحاكم الدستورية "المحكمة الاتحادية العليا" .

إن النتيجة التي تترتب على قبول التحليل المتقدم هو إمكانية الغاء التعليمات المخالفة للدستور كلاً أو جزءاً مع بقاء القانون الذي صدرت لتسهيل تنفيذ احكامه في عالم القانون من قبل المحكمة الاتحادية العليا، ورغم هذا التحليل والنتيجة يبقى الباب مشرعاً أمام تلمس حكمة المشرع الدستوري الذي صرح "بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة  " ولم ينص ،صراحة، على الرقابة على دستورية "التعليمات" ؟.