التفاصيل
رقابة القضاء الدستوري على السياسات العامة "السياسة التعليمية انموذجا" في ظل قرار المحكمة الاتحادية العليا بالرقم 97/اتحادية/في 1 /8 /2021

رقابة القضاء الدستوري على السياسات العامة "السياسة التعليمية انموذجا" في ظل قرار المحكمة الاتحادية العليا بالرقم 97/اتحادية/في 1 /8 /2021

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي / عميد كلية القانون – جامعة بغداد

2021-08-09 22:55:00

لا نقاش أن رسم السياسات العامة ، وأخصها السياسة التعليمية ،  وتنفيذها يعود الى السلطة التنفيذية كما صرح بذلك دستور جمهورية العراق ((المادة/80-أولاً)) ، ولكن النقاش قد يدور حول دور القضاء الدستوري بهذا النطاق ، فيما إذا كانت رقابته تتحدد باطار الرقابة على الدستورية أم بسائر اختصاصاته الأخرى ؟ ، وهل سيكون دوره مؤطراً بحدود قوامها الفصل بين السلطات وعدم التعقيب على السلطة التقديرية "الاستنسابية" للسلطة التنفيذية في التخطيط والتنفيذ ، وبخاصة أن الأخيرة تلتزم ببرنامج حكومي يؤسس على مجموعة من السياسات العامة ، لذا يكون من المنطقي أن تتمتع السلطة التنفيذية بمديات من السلطة التقديرية في التخطيط والتنفيذ وبخاصة تلك التي لا تحدها ضوابط دستورية جامدة ، أي :قاطعة الدلالة ؟

   عرفت السياسات العامة تعريفات عدة منها: أنها برنامج عمل يتضمن الحلول والإجراءات والخطط الواجب تنفيذها وتتضمن حلولاً عملية لمشكلات أو مواضيع معينة لتحقيق اهداف مقصودة ، فهي لا تعني التصرفات العشوائية لرجال السلطة التنفيذية بل هي الأفعال المقصودة المستهدفة تحقيق اهداف معينة(( د.جميس اندرسون . صنع السياسات العامة ، ص 14-15 )) ؛ ولا تختلف السياسة التعليمية عن هذا الاطار فهي: خطة شاملة تتضمن مجموعة من البرامج والأولويات والأنشطة والقرارات التي تسعى الى تحقيق اهداف معينة في التعليم أخصها : وضع الحلول للمشكلات التي تواجه التعليم ، والوصول الى جودة التعليم بما يمكن المؤسسات التعليمية المحلية أن تصطف مصاف المؤسسات والاكاديميات العالمية والإقليمية ، فضلاً عن تطوير المخرجات البحثية والبشرية للجامعات .

   وحاولت المحكمة الاتحادية العليا أن تخوض في نطاق السياسات العامة ، إذ كانت المحاولة الأولى لها عندما فصلت في الطعن الموجه ضد بقاء صلاحية الوزارات في التخطيط للسياسات العامة مع صلاحية المحافظات بالتنفيذ لها ، على أساس أن ذلك يمس اصل اللامركزية الواسعة التي تبناها المشرع الدستوري لكن المحكمة قضت :"وإن الإبقاء على دور الوزارات في التخطيط للسياسات العامة لا يخالف احكام المادة 122/ثانيا من الدستور كون المحافظات هي جزء من النظام الاتحادي في العراق وفق احكام المادة 116 من الدستور"((القرار بالعدد 80/اتحادية/2018 في 11/6/2018 )) ، أما في محاولتها الثانية ، وهي محور مقالتنا ، فقد صرحت برؤيتها عن مفهوم السياسات العامة في معرض الطعن الوارد حول الإجراءات الحكومية في اطار السياسة التعليمة ، حيث قضت :"أما مفهوم السياسات العامة والتي يكون رئيس مجلس الوزراء المسؤول التنفيذي المباشر عنها فهي لا تعني الصلاحيات الدستورية المحددة بموجب الدستور لمجلس الوزراء وانما تعني برنامج عمل حكومي يحتوي على مجموعة من القواعد والتي تلتزم الحكومة بتطبيقها في المجتمع وكذلك تعني مجموعة من الاتجاهات الفكرية التي تسعى الحكومة الى تنفيذ الهدف الخاص بها من خلال الاعتماد على مجموعة من الوسائل والأدوات وبالتالي فان السياسات العامة تنطوي على اهداف اجتماعية تخص كافة القطاعات الحياتية تعليمية ، ثقافية ، صحية ، قطاعات الطرق وكل ما يتعلق بتقديم الخدمات للمجتمع ..."((القرار بالعدد 97 /اتحادية/امر ولائي /2021 في 1/8/2021))

   ويلاحظ أن المحكمة الاتحادية في القرار الأول تميز ، دون وجه حق ، بين تخطيط السياسة العامة  وتعقده للوزارات الاتحادية من جهة وبين تنفيذ تلك السياسات وتعقده للمحافظات غير المنتظمة في إقليم من جهة أخرى بما يخالف صراحةً الدستور من وجهتين : أما الأولى : فلكون الدستور جمع بين صلاحية التخطيط والتنفيذ للسياسات العامة وعقدها لمجلس الوزراء ولم يفصل بينهما ((المادة/80 – أولاً من الدستور)) ، أما الثانية فلكون الدستور أجاز التعاون أو التشاور في رسم السياسات العامة بين السلطات الاتحادية والاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم وليس في تنفيذها ((المادة/114 من الدستور)) ، عليه يكون توجه المحكمة الاتحادية بالفصل بين التخطيط والتنفيذ للسياسات العامة فصلاً مجانباً ومعاكساً لصراحة نصوص الدستور .

   أما ما يلاحظ في قرار المحكمة الاتحادية الثاني ، محل التعليق ، فإن المحكمة استبدلت أوجه الطعن التي بسطها المدعي في دعواه والمركزة على المطاعن في مخالفة القرار الحكومي الطعين للاختصاصات الواردة في الدستور فضلا عن مخالفته لمبدأ الفصل بين السلطات ليبلغ المدعي مقصده في إظهار اعوجاج القرار الحكومي ومجانبته للدستور ، بيد أن المحكمة مالت الى الركون الى أوجه أخرى ظنتها أنها الاولى بالرقابة والنظر في مشروعيتها ومدى اتكاء تلك المشروعية على المبادىْ الدستورية ، لذا اختارت المحكمة البحث في اركان السياسات العامة وبخاصة السياسة التعليمية بديلاً عن البحث في الصلاحيات المحددة للسلطات في الدستور ، إذ أن المحكمة تدرك أن "القوانين والأنظمة النافذة" هي ما يجوز النظر في دستوريته فقط ، ثم أنها تدرك أن لا سبيل لرقابة السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية الا من خلال الرقابة على اسانيد تلك السلطة ومرتكزاتها ، وبالنتيجة فإن المحكمة استبدلت اسباب الدعوى ونوعها لتذهب تلقاء الدعوى المرتبطة بالفصل في القضايا الناشئة عن تطبيق القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الاتحادية((المادة/93 – ثالثاً من الدستور)) ، لتصل الى حسم طلبات المدعي التي سطرها في دعواه والمتضمنة الغاء القرار الحكومي الطعين .

   ولا يتوقف توجه المحكمة بحدود ما تقدم فقد قدمت لنا تعريفاً للأساس الذي اختارته بنفسها للدعوى عندما قدمت مفهومها الخاص للسياسات العامة ، وأومأت الى قاعدة دستورية اشتقتها من النصوص الدستورية ذات الصلة ، بكون التزام السلطة التنفيذية بما رسمته من خطة للسياسات العامة يبقى متواصلاً ولا يمكن الحيدة عنه وبخاصة إذا لم يكن هناك ما يبرر الخروج عن تلك الخطة ، بحسبان أن خطة السياسات العامة هي برنامج حكومي ملزم لولاه لما تم التصويت على الكابينة الحكومية ، وبهذا فإن المحكمة الاتحادية فرعت عن الالتزام بتقديم البرنامج الحكومي وعرضه على مجلس النواب لمنح الثقة الثابت بالدستور ((المادة/76 – رابعاً من الدستور)) التزاماً دستورياً آخر هو الالتزام الحكومي بعدم تغيير ذلك البرنامج أو استبدال أدوات تنفيذه ، بحسبان أن أدوات التنفيذ لازمة لنجاحه وأن تغيرها أثناء التنفيذ أو في المدة القليلة الباقية للتنفيذ يعد بمثابة تراجعاً عن الالتزام به .

   ولكن هل يعني ما تقدم أن المحكمة الاتحادية قد تدخلت في اطار السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية في استبدال المدعي من إدارة احدى الجامعات الحكومية ؟

   ذهب الدستور الى كفالة الحق في التعليم وقرنه مرة بتقدم المجتمع ، وبخدمة الإنسانية مرة أخرى ((المادة/34 من الدستور)) ، لذا جعل الدستور رسم السياسة التعليمية "فقط" اختصاصاً مشتركاً تمارسه السلطات الاتحادية بالتشاور مع الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم ((المادة/114 – سادساً من الدستور)) ، لكن هذا التشاور لا يلغي اختصاص السلطة التنفيذية والتزامها بالتخطيط والتنفيذ للسياسات العامة ((المادة/80 – أولاً من الدستور)) ، أما في اطار السياسة العامة للتعليم العالي فإنها تتم بالتشاور والتشارك بين الوزارة والجامعات ((المادة/3 من قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 40 لسنة 1988 المعدل النافذ  )) ، بما يجعل من الطبيعي أن تلتزم تلك الجامعات بتنفيذ تلك الخطة ((المادة/9 من قانون وزارة التعليم العالي  )) ، وأن تكون إدارات الجامعات جزءاً لا يتجزأ من رسم السياسة العامة التعليمية وتنفيذها ، إذ أن رسم السياسة العامة التعليمية يتكأ على عناصر عدة أخصها: مواطن القوة ، والفرص المتاحة ، والمشكلات التي تواجه التعليم ، والإمكانيات البشرية والمادية الواقعية التي تؤثر في رسم السياسة العامة التعليمية وتنفيذها، فضلاً عن الاستقرار الوظيفي للقيادات الجامعية ، لذا تكون خطة السياسة التعليمية متكاملة ترتبط بين التخطيط والتنفيذ ، وتشاركية بين وزارة التعليم والجامعات ، من هذا الوصف يمكن قبول توجه المحكمة الاتحادية الى عد إدارة الجامعة جزءاً من رسم السياسة التعليمية وتنفيذها ، ورفضها التداخل بين فكرتي الصلاحيات والفصل بين السلطات من جهة ورسم السياسات العامة وتنفيذها من جهة أخرى بحسبان أن كل فكرة لها نطاقها الدستوري المرسوم والذي لا يقبل التداخل ، ومجاله الحيوي الذي يتنفس فيه "((القرار بالعدد 97 /اتحادية/امر ولائي /2021 في 1/8/2021)) .

    إن السياسة العامة التعليمية ترتبط بمضامين دستورية أخرى ، بمعنى أن رسمها وتنفيذها يؤثر في تنفيذ مسائل دستورية لا تنفك عنها ، فمخرجات التعليم البشرية والبحثية تتداخل في تطبيق مضامين دستورية أخرى وأهداف سعى المشرع الدستوري الى تحقيقها كالصحة والبيئة والتنمية ... الخ ، عليه يعد التزام السلطة التنفيذية برسم السياسة التعليمية والالتزام باليات ووسائل تنفيذها التزاماً دستورياً استطاعت المحكمة ، بحق ، تفريعه من التزام الحكومة بتقديم برنامج حكومي متكامل لمنحها الثقة ابتداءً .

   عليه تكون الرقابة على رسم السياسات العامة عموما والسياسة التعليمية على وجه الخصوص من قبل القضاء الدستوري رقابة تستهدف تنفيذ الحكومة ما التزمت به دستورياً من خلال برنامجها الحكومي المتضمن مجموعة من السياسات العامة وعلى وفق الوسائل التي اخذتها بنظر الاعتبار لتنفيذ ذلك الالتزام الدستوري ، ولا يمكن القول أن هذه الرقابة قد طالت السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية حتى وإن كانت تلك السلطة لا يمكن قبول تحررها من الرقابة بحسبان أنها اقتربت من نهاية فترتها المحددة لتنفيذ ذلك البرنامج

، ويبقى لنا أن نتسائل هل ستستمر المحكمة الاتحادية في الرقابة على تنفيذ السياسات العامة ، وهل ستبلغ ما بلغته المحاكم العليا في العالم من تأثير في رسم السياسات العامة بما تصل اليه من مبادئ سياسية واقتصادية ومالية وتعليمية وتنموية واجتماعية وغيرها ؟  .