التفاصيل
التقادم في قانون رعاية الأحداث

التقادم في قانون رعاية الأحداث

القاضي وائل ثابت كاظم الطائي

2021-08-10 11:56:00

 تمهيد :

إن التشريع الجنائي في العراق لم يأخذ بالتقادم بنوعيه سواء كان التقادم مسقط للدعوى الجزائية أو التقادم المسقط للعقوبة , وهذا هو المبدأ العام , وقد خالف المشرع في هذا التوجه بعض التشريعات في الدول العربية كالتشريع المصري والتشريع السوري والتشريع اللبناني ووافق تشريعات أخرى كالقانون السوداني , إلا أن هذا المبدأ العام نجد له استثناءاً في قانون رعاية الأحداث العراقي النافذ رقم 76 لسنة 1983 حيث أن المشرع لهذا القانون قد أخذ بنظام التقادم فيما يخص الجرائم المتعلقة بالأحداث وتناول هذا الموضوع في المادة 70 من القانون المذكور حيث جاء فيها :

(أولاً: تنقضي الدعوى الجزائية بمضي عشر سنوات في الجنايات وخمس سنوات في الجنح.

ثانياً: يسقط التدبير أذا لم ينفذ بمضي خمس عشرة سنة في الجنايات , وبمضي ثلاث سنوات على انتهاء مدة التدبير المحكوم به في الحالات الأخرى ).

وسوف نتناول أحكام هذا التقادم وفق الإيجاز الآتي:

أولاً: تعريف التقادم وبيان أنواعه :

*تعريف التقادم:

إن التقادم ومرور الزمان هي ألفاظ مشتركة تؤدي الى معنى واحد وهو مضي فترة من الزمن , ألا أن لفظة التقادم هي اللفظة الأكثر شيوعاً في الاستخدام باعتباره مصطلح قانوني متداول في مجال القانون الجنائي والقانون المدني .

ويمكن تعريف التقادم بأنه وسيلة قانونية للتخلص من آثار الجريمة بانقضاء الدعوى أو بانقضاء العقوبة نتيجة لمرور الزمن .

وقد أخذت الكثير من التشريعات الجنائية بفكرة التقادم وصاغت أحكامهُ ضمن النصوص القانونية المشرعة لديها لاعتبارات عديدة يمكن تلخيصها بالآتي :

1- نسيان الجريمة : أن مرور فترة زمنية معينة بنص القانون على وقت ارتكاب الجريمة دون اتخاذ أجراء قانوني فيها أو دون تنفيذ العقوبة على المحكوم يترتب عليه أن الجمهور قد نسى الآثار المترتبة على ما خلفه الجرم المرتكب .

2- اختفاء الأدلة : أن مرور فترة طويلة على تاريخ وقوع الحادث كفيل باختفاء الكثير من الأدلة مما يتعذر على الجهة التحقيقية معرفة الجاني أو التثبت من صحة الاتهام الموجه إلى المتهم, لهذا فأن الأخذ بالتقادم له مبرره الواقعي المتمثل بعدم الحصول على الدليل لمرور فترة طويلة على ارتكاب الحادث .

3- معاناة مرتكب الجريمة : إن الفاعل أو مرتكب الجريمة بكل تأكيد لا يعيش حالة مستقرة وتكون حياته بعيدة عن الاطمئنان بحكم هروبه وعدم استقراره في مكان معين فهو دائم التنقل أو أنه دائم التخفي ومرور هذه الفترة الطويلة على الفاعل وهو يعيش هذه الحالة تمثل عقوبة له من قبل القانون بشكل غير منصوص عليه .

4- إهمال الملاحقة :  ينظر جانب من الفقه أن اعطاء حق التقادم في إسقاط الدعوى أو إسقاط العقوبة إنما يمثل في طياته عقوبة للجهة التحقيقية التي لم تمارس دورها بشكل صحيح وكان نتيجة ذلك إفلات المتهم من العقاب وعدم القبض عليه .

5- الاستقرار القانوني :  أن بقاء الدعوى الجنائية بدون نهاية أو عدم تنفيذ العقوبة يمثل حالة عدم استقرار قانوناً لذلك فأن الفقه يتجه إلى أقرار حالة التقادم لوضع نهاية للدعوى الجزائية أو وضع نهاية لحالة الجاني الهارب من تنفيذ العقاب.

هذه المبررات وغيرها كانت وراء الأخذ بنظام التقادم في بعض التشريعات الجنائية , على الرغم من وجود انتقادات لهذه الاعتبارات لا يتسع المجال لذكرها .

*أنواع التقادم :

يمكن تصنيف التقادم إلى نوعين :

النوع الأول : تقادم الدعوى الجزائية :

أن انقضاء الدعوى الجزائية يعني عدم القدرة على الاستمرار أو العودة إلى إجراءات التحقيق والمحاكمة ضد المتهم .

وأن المشرع لقانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي لم يأخذ بالتقادم كسبب رئيسي لانقضاء الدعوى وإنما أخذ به في حالات استثنائية خاصة منصوص عليها في القانون في حين إن المشرع اخذ بأسباب أخرى نصت عليها المادة (300) الأصولية التي جاء فيها (تنقضي الدعوى الجزائية بوفاة المتهم أو صدور حكم بات بإدانته أو براءته أو حكم أو قرار بات بعدم مسؤوليته عن الجريمة المسندة إليه أو قرار نهائي بالإفراج عنه أو العفو عن الجريمة أو بوقف الإجراءات فيها وقفاً نهائياً أو في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون) , وهذا هو المبدأ العام الذي سار عليه المشرع العراقي , إلا أنه خرج عن هذا المبدأ عند تشريعه لقانون رعاية الأحداث وهو قانون خاص ينظم أحكام الجرائم الواقعة من قبل الأشخاص غير البالغين السن القانوني , وقد نصت المادة (70) في فقرتها الأولى على اعتبار التقادم سبب تنقضي فيه الدعوى الجزائية وجاء منطوق المادة كالآتي: (أولاً- تنقضي الدعوى الجزائية بمضي عشر سنوات في الجنايات وخمس سنوات في الجنح) .

أن منطوق النص أعلاه قد حدد مدة للتقادم المسقط للدعوى متخذاً من جسامة الجريمة وخطورتها وطبيعتها القانونية معياراً في تحديد مدة التقادم , فالمشرع قد وضع نصب عينيه أن الجريمة الجسيمة الخطرة والمتمثلة بجرائم الجنايات تحتاج إلى مدة أطول عما تحتاجه الجريمة الأقل خطورة أو الجريمة البسيطة , لهذا فأن المشرع لقانون رعاية الأحداث قد فرق في تحديد مدة سقوط الدعوى بين هذين النوعين من الجرائم فجعل التقادم المسقط في الجنايات هو مرور عشرة سنوات وخمس سنوات في الجنح .

أن هذا النوع من التقادم , وفق النص المشار إليه أعلاه لم يشمل جميع الجرائم فأقتصر نطاقه على جرائم الجنايات وجرائم الجنح مستبعداً جرائم المخالفات ونعتقد وأن هذا التوجه من المشرع كان غير موفقاً فيه وذلك لقلة جسامتها وخطورتها .

النوع الثاني : التقادم المسقط للعقوبة :

يمكن تعريف هذا النوع من التقادم بأنه : مرور مدة من الزمن يقدرها المشرع وينص عليها لم تنفذ العقوبة خلالها على المحكوم بها فيسقط حق السلطة العامة في تنفيذها .

ومن خلال هذا التعريف يتبين أن مضي فترة من الزمن على صدور حكم بالعقوبة لعدم قيام السلطات العامة بتنفيذها على الرغم من كونها واجبة التنفيذ على المحكوم بها مما أدى إلى تقادمها وهذا التقادم كان سبباً في انقضائها بنص القانون ووفقاً لإرادة المشرع , ويلاحظ أن سبب انقضاء العقوبة بالتقادم أنما يمثل حالة استثنائية كغيره من الأسباب الأخرى للانقضاء ذلك لأن الأصل العام أن العقوبة أنما تنقضي بتنفيذها باعتبار أن التنفيذ هو المسار الطبيعي لنهاية العقوبة إلا أن التشريعات الجنائية قد نصت على أسباب أخرى .

أن المشرع في النظام الجنائي العراقي لم يأخذ بالتقادم بشكل عام ولكنه استثناءاً أخذ به فيما يخص الجرائم التي ترتكب من قبل الأحداث وقد نص على ذلك في قانون رعاية الأحداث في المادة (70) الفقرة ثانياً منه حيث جاء فيها :(يسقط التدبير أذا لم ينفذ بمضي خمس عشرة سنة في الجنايات , وبمضي ثلاث سنوات على انتهاء مدة التدبير المحكوم به في الحالات الأخرى) , ويمكن القول ان المشرع العراقي فيما يخص هذا السبب بأنقضاء الدعوى  ونعني به , التقادم , أنما اخذ بالتقادم الجزئي حيث أخذ به في الجرائم التي ترتكب من قبل فئة معينة وليس على كل الجرائم المرتكبة وفق أحكام قانون العقوبات العام , وحصراً في الجرائم المرتكبة من قبل الأحداث .

ومما يلاحظ على هذا النص القانوني في الفقرة ثانياً من المادة (70) من قانون رعاية الأحداث أن مدة التقادم تختلف في جرائم الجنايات عنها في الجرائم الأخرى فقد جعل المشرع مرور خمسة عشر سنة عن فرض التدبير (العقوبة) في جرائم الجنايات سبباً في انقضائها أما في غير ذلك فأعتبر مرور ثلاثة سنوات كافية لإنهاء التدبير المحكوم به الحدث , ألا أن هذا النص لم يكن موفقاً في صياغته فعبارة (الحالات الأخرى) لم تكن واضحة ودقيقة فهل قصد بها المشرع جرائم الجنح وجرائم المخالفات أم انه كما هو الحال في انقضاء الدعوى الجزائية التي حصرها في جرائم الجنايات والجنح فقط وأستبعد جرائم المخالفات عنها , فكان الأوفق توضيح منطوق النص بشكل قاطع وبيان نطاق سريان هذا النوع من التقادم .

ثالثاً: مدة التقادم :

أن نص المادة (70) بفقرتيه أولاً وثانياً من قانون رعاية الأحداث لم يتطرق فيه المشرع إلى بداية سريان مدة التقادم وهذا من أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا النص , ألا أن ما جرى العمل به أن بدأ سريان مدة التقادم في الدعوى الجزائية وكذلك تقادم العقوبة يكون من تاريخ وقوع الجريمة ويشمل ذلك الفاعل والشريك .

وهناك رأي فقهي يذهب إلى إن تاريخ وقوع الجريمة ينبغي أن لا يدخل في حساب المدة وإنما تحسب مدة التقادم من اليوم التالي وذلك استناداً إلى أن مدة التقادم يجب أن تكون كاملة وهي لا تكون كذلك أذا أدخل يوم الجريمة في حسابه وقد تبنت هذا الرأي الدكتورة فوزية عبد الستار .

أن مدة التقادم قد تتعرض على انقطاع ونقصد به إلغاء المدة التي مرت سابقاً وبدأ مدة جديدة من تاريخ حدوث سبب هذا القطع وأسباب القطع عديدة لا نستطيع حصرها , كذلك إن هذه المدة قد تتعرض إلى الإيقاف ونقصد بالإيقاف إلغاء حساب المدة متى ما تحقق سبب الإيقاف وهذه الأسباب من قبيل الأسباب المادية كالفيضانات والأوبئة والاحتلال وقد تكون أسباب قانونية من قبيل تعرض المتهم للجنون .

رابعاً: الفرق بين التقادم المسقط للعقوبة والتقادم المسقط للدعوى :

يمكن أن نبين أهم الفروقات بين هذين النوعين من التقادم بالنقاط الآتية :

1- التقادم المسقط للعقوبة يترتب عليه انقضاء العقوبة المحكوم    بها بموجب القانون لعدم قيام السلطات العامة بتنفيذها مع انتهاء مدة التقادم المحددة قانوناً , إلا أن الحكم الصادر للإدانة يبقى قائماً , أما في تقادم الدعوى الجزائية فلا يكون هناك حكم صادر في الدعوى بإدانة المتهم , وهذا الاختلاف يرتب نتائج قانونية كثيرة ليس محلها هذا البحث .

2- التقادم مسقط العقوبة والذي بموجبه تنتهي العقوبة المحكوم بها هو تقادم يوصف بأنه ذا طابع موضوعي في حين أن التقادم المسقط للدعوى والذي هو من معطيات أصول المحاكمات الجزائية الذي يؤدي إلى إسقاط الدعوى يوصف بأنه ذا طابع شكلي .

3- إن نطاق التقادم المسقط للدعوى يكون أوسع لأنه يشمل الدعاوى الجزائية كلها حيث تسقط وتنقضي في حين أن التقادم المسقط للعقوبة يتسع إلى عقوبة الإعدام والعقوبات السالبة للحرية والغرامة .

وعلى الرغم من أوجه الاختلاف المشار إليها في أعلاه إلا إن هناك تشابه بين هذين النوعين من التقادم حيث أنهما يعتبران من النظام العام وعلى المحكمة الأخذ بهما وجوباً من تلقاء نفسها وإن لم يثار دفع أمامها وأنه لا يمكن مخالفة أحكام التقادم بنوعيه المشار إليه بالاتفاق , وأن هذا الوصف قائم على اعتبارات لها صلة بالسياسة الجزائية التي رسمها المشرع للتعامل مع الخارجين على حكم القانون , كما إن هناك تشابه من حيث النتيجة فالشخص المحكوم الذي شمل بالتقادم لم ينفذ بحقه الحكم الصادر ضده بتقادمه مع الزمن وهذا الأمر ينطبق مع الشخص الذي انقضت دعواه الجزائية ففي كلا الحالتين كانت النتيجة واحدة وهو الإفلات من المسؤولية التي رتبها القانون على مرتكب الجريمة , ومن التشابه أيضاً أن العلة في التقادمين وحسب ما ذكره الفقهاء تكاد أن تكون ذات العلة والسبب وان كان ليس هناك اتفاق او إجماع عليها بسبب وجود بعض المخالفين .