التفاصيل
الحماية القضائية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية

الحماية القضائية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية

القاضي د. صفاء الدين الحـﭽـامي

2021-09-08 09:19:00

حقوق الإنسان وحرياته الأساسية أضحت اليوم من أهم المعايير الدولية التي يقاس عليها تطور الأمم والمجتمعات، وتراقب كثير من المنظمات الدولية تطبيقها. وإن الإنسان أحوج ما يكون لاحترام حقوقه وحرياته الأساسية حينما يكون متهماً، فالمتهم من لحقته صفة الاتهام وهي صفة طارئة يوصف بها الشخص بعد توافر مجموعة من الأدلة الظاهر فيها انها تفيد إدانته، فعند وقوع الجريمة يحصل التعارض الظاهري والتضاد بين مصلحتين، الأولى تتمثل بالحرية الفردية وضرورة حماية أصل البراءة الذي يتمتع به الإنسان. والثانية مصلحة المجتمع، في تحقيق العدالة من خلال الاستعانة بالوسائل المشروعة للوصول الى الفاعل وايقاع العقوبة عليه، وإذا كان المشرع قد رسم القيود النظرية التي تقع على عاتق السلطات التقيد بها كونها تمثل ضمانات اجرائية للمتهم, فإن الحماية القضائية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية عبر التطبيقات القضائية تكمل وتتكامل مع الحماية الدستورية والقانونية لمعايير العدالة الجنائية، ومن دون الحماية القضائية تفقد تلك المعايير قيمتها، بل وتبقى حبراً على ورق، فالحماية القضائية هي الميزان الذي يزن بالقسط ويضع بعدالة موضوعية مصلحة المتهم ومصلحة المجتمع في كفتي الميزان دون أن ينقص من حقوق أي منهما, والقضاء هو من ينقل هذه الضمانات من إطارها النظري الى نطاقها العملي، وهو الذي يعطيها الفاعلية الواقعية، وهو وحده دون غيره يمثل الضمانة العملية الأكيدة التي تتيح للمتهم التمتع بحقوقه وحرياته الأساسية، وهو وراء القضبان, فالقضاء هو من يوفر للمتهم ضمانة المحاكمة العادلة وهو من يعمل جاهداً للكشف عن الحقيقة تحقيقاً للعدالة الجنائية الناجزة.

وقد شهد القضاء العراقي تطوراً ملحوظاً في قراراته ذات الصلة بحقوق الإنسان، خاصة وأن طريق حماية حقوق الإنسان وضمانات المتهم لم يكن يسيراً في ظل بعض التشريعات التي تنتقص من هذه الحقوق, ولم يكن أمام محكمة التمييز الاتحادية إلا أن يكون لها نهجها الخلاّق في تأويل نصوص هذه التشريعات والاجتهاد في تفسيرها بقدر ما يتسع له ضمان حقوق الإنسان وصوناً لحرياته وحفاظاً على كرامته وأدميته, إذ تعد أحكام محكمة التمييز الاتحادية وما تتضمنه من مبادئ قانونية مصدراً تستهدي به المحاكم الدنيا على اختلاف اختصاصاتها، كما إن المشرع الجنائي ينبغي عليه أن يسترشد بها عند تشريع القوانين أو تعديل النافذ منها لجعله منسجماً مع مستجدات ظروف المجتمع، ذلك لأن التطبيقات القضائية هي التي تكشف نقص وخلل التشريع، وهي التي تعطي للنصوص الدستورية والقانونية الفاعلية والأثر في الواقع العملي, وهذه الفاعلية تنعكس ايجاباً على المصالح الاجتماعية الجديرة بالحماية الدستورية والقانونية, فالحماية لا يمكن أن توفرها النصوص القانونية المجردة وإنما توفرها الحماية القضائية.

لذا كانت وستبقى أحكام القضاء وفي مقدمتها أحكام محكمة التمييز الاتحادية هي عنوان الحقيقة وجوهر العدالة، وهذه الأخيرة هي الغاية الأسمى لكل قانون وفي كل زمان ومكان.