التفاصيل
الآثار المترتبة على المطالبة القضائية

الآثار المترتبة على المطالبة القضائية

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2021-09-08 09:21:00

تقسم الطلبات المقدمة للقضاء في الدعوى المدنية إلى طلبات أصلية وطلبات عارضة او طارئة, والمراد بالطلب القضائي الاصلي بانه: اول طلب يقدم الى المحكمة من المدعي استعمالاً لحقه في الدعوى القضائية ويسمى ايضاً بالطلب المفتتح للخصومة. واما الطلبات العارضة بمعناها الواسع: هي الطلبات التي تُبدى بمناسبة طلب اصلي وفي اثناء النظر فيه وترمي الى وقف السير في الطلب الاصلي او منع الحكم به او تغيير وجه الحكم فيه او يكون الغرض من ابدائه ضمّه للطلب الاصلي والحكم فيهما معاً, وللمدعي الحق في تقديم ما يشاء من الطلبات الاصلية طالما توافرت شروط قبولها بخلاف الطلبات العارضة التي حدد المشرع حق الخصم في تقديمها للقضاء. وسواء كان الطلب المرفوع للقضاء أصلياً ام عارضاً تترتب على رفعه اثار منها ما يتعلق بالمحكمة ومنها ما يتعلق بالخصوم, ذلك ان الخصومة بوصفها سلسلة متتابعة من الاعمال الاجرائية فتكون وسطاً قانونياً لترتيب بعض الاثار القانونية بدءاً من تاريخ رفع الطلب، وهذه الآثار هي:-

في ما يتعلق بالمحكمة, التزام القاضي بإجراء التحقيقات في الطلب والفصل في موضوعه ما لم يحصل طارئ على الدعوى اثناء نظرها (المواد 82-88 مرافعات مدنية) فان امتنع القاضي عن الفصل في الدعوى عُد ممتنعاً عن إحقاق الحق ويُعدّ من قبيل الامتناع ان يرفض بغير عذر الاجابة عن عريضة قُدمت له او يؤخر ما يقتضي بشأنها من دون مبرر او يمتنع عن رؤية دعوى مهيأة للمرافعة واصدار القرار فيها بعد ان حان دورها من دون عذر مقبول (المادة 286/3 مرافعات مدنية).

وجاء نص المادة (30) من قانون المرافعات المدنية متضمنا (لا يجوز لأية محكمة أن تمتنع عن الحكم بحجة غموض القانون او فقدان النص او نقصه والا عُدّ القاضي ممتنعاً عن إحقاق الحق). والحكمة من هذا الالزام هي بسبب وظيفة القاضي وليس مصدره حقاً شخصياً للخصم تجاه القاضي.

ومما يترتب على رفع الطلب الى المحكمة المختصة سلب الاختصاص بالفصل في هذا الطلب من المحاكم الاخرى جميعها حتى لو كانت هي المختصة بالاصل في نظر الدعوى, متى رفع الطلب ذاته بين الخصوم انفسهم امام محكمة مختصة به ايضاً, واذا اقيمت الدعوى نفسها امام محكمتين مختلفتين فيجوز احالة الطلب من المحكمة التي رفع اليها اولاً الى المحكمة التي رفع اليها الطلب اخيراً بإجراء يسمى الدفع بالاحالة لقيام النزاع نفسه امام محكمتين مختلفتين, فالدفع في هذه الحالة هو صورة خاصة من صور الدفع بعدم الاختصاص.

اما في ما يتعلق بالخصوم, فمن الاثار المتعلقة بالخصوم والتي تترتب على المطالبة القضائية فكرة عدم جواز تأثر حقوق الخصم بسبب ما يثيره خصمه من نزاع وما يستوجبه تحقيق الدعوى والفصل في موضوعها من وقت يتأخر بسبب صدور الحكم فيها, ويبنى على ذلك ان تنظم حقوق الخصوم المحكوم بها على اعتبار ان الحكم قد صدر يوم رفع الدعوى, فرفع الدعوى من الخصم للمطالبة بحقوقه التي سيصدر حكم بها فيما بعد يُعدّ من هذه الناحية عملاً تخطيطياً ويترتب على هذه الفكرة ما يأتي:-

قطع التقادم: تنقطع بإقامة الدعوى امام القضاء مدة التقادم المانع من سماع الدعوى المقررة لمصلحة المدعى عليه, اذ نصت الفقرة (1) من المادة (437) من القانون المدني العراقي على انه (تنقطع المدة المقررة لعدم سماع الدعوى بالمطالبة القضائية ولو رفعت الدعوى الى محكمة غير مختصة عن غلط مغتفر, فإن طالب الدائن غريمه في المحكمة ولم تفصل في الدعوى حتى مضت المدة فإنها تسمع بعدها).

واذا حصل انقطاع للمدة المقررة لعدم سماع الدعوى بدأت مدة جديدة كالمدة الاولى, نصت المادة 439 من القانون المدني على (1- اذا انقطعت المدة المقررة لعدم سماع الدعوى بدأت مدة جديدة كالمدة الأولى. 2- على انه إذا حكم بالدين وحاز الحكم درجة البتات او إذا كانت المدة المقررة لعدم سماع الدعوى سنة واحدة وانقطعت بإقرار المدين كانت المدة الجديدة خمس عشر سنة), ويترتب على اقامة الدعوى ضمن مدة التقادم قطع التقادم, اما الدعوى التي تقام بعد انقضاء هذه المدة فإنه إذا دفع المدعى عليه بالتقادم المانع من سماع الدعوى تكون الدعوى كأنها لم تكن, لان التقادم على وفق التشريع العراقي ليس من النظام العام بل يجب ان يبديه المدعى عليه كدفع لدعوى المدعي, ولا يجوز للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها, وبهذا الصدد نصت المادة (442) من القانون المدني على انه (لا يجوز للمحكمة ان تمتنع من تلقاء نفسها من سماع الدعوى لمرور الزمان بل يجب ان يكون ذلك بناء على طلب المدين او بناء على طلب دائنيه او اي شخص اخر له مصلحة في هذا الدفع ولو لم يتمسك به المدين).

وهذا التوجه في التشريع العراقي يحمل معاني أخلاقية ومصدره التاريخي الفقه الإسلامي وليس القانون الفرنسي كبعض القوانين المدنية العربية التي تجعل التقادم من النظام العام, وانه مُسقط للحق وليس مانعاً من سماع الدعوى, فالتقادم في التشريع العراقي لا يترتب عليه سقوط الحق ولا براءة ذمة المدين منه وانما يترتب عليه عدم سماع الدعوى فقط, لذا يبقى التمسك بالتقادم مرتبطاً بمدى احساس المدين بلزوم الأداء ومدى خوفه من الله سبحانه وتعالى في عدم أداء ما عليه من حقوق للناس, فقد يمنع الإنسان ذلك وازع من دين او قيم في الضمير, وأما الأثر الاخر فهو سريان الفوائد القانونية اذ تترتب على اقامة الدعوى سريان الفوائد القانونية من تاريخ اقامة الدعوى, أي من بدء المطالبة القضائية, اذ نصت المادة (171) من القانون المدني (اذا كان محل الالتزام مبلغا من النقود وكان معلوم المقدار وقت نشوء الالتزام وتأخر المدين في الوفاء به كان ملزما ان يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخير فوائد قانونية قدرها اربعة في المائة في المسائل المدنية وخمسة في المائة في المسائل التجارية. وتسري هذه الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بها ان لم يحدد الاتفاق او العرف التجاري تاريخا اخر لسريانها وهذا كله ما لم ينص القانون على غيره).

وبموجب النص أعلاه فإن الفوائد هي تعويض والتعويض يكون مقابل الضرر, ويتحدد مقداره بمقدار الضرر, في حين ان للمدعي الحق في المطالبة بالفوائد القانونية من خصمه من تاريخ الدعوى اي من تاريخ دفع الرسم القانوني عنها الى حين تأدية المبلغ المحكوم به سواء اصابه ضرر أم لم يصبه, كما ان المادة (173) من القانون المدني لم تشترط لاستحقاق فوائد التأخير قانونية كانت او اتفاقية ان يثبت الدائن ان ضررا لحقه من هذا التأخير وبهذا تصبح هذه الفوائد مجرد فوائد ربوية, ومن الاثار ايضا يعد رفع الدعوى متضمناً اعذاراً للمدعى عليه ما يرتب عليه التزامه بالتعويض عند عدم قيامه بتنفيذ الالتزام نصت المادة (257) من القانون المدني على (يكون اعذار المدين بأنذاره ويجوز ان يتم الاعذار باي طلب كتابي اخر كما يجوز ان يكون مترتبا على اتفاق يقضي بان يكون المدين معذرا بمجرد حلول الاجل دون حاجة الى انذار), ولكن رفع الدعوى لا يرتب بذاته اعتبار المدعى عليه سيء النية فتلزمه النتائج التي يرتبها القانون على ذلك, الا انه اذا كان موضوع الدعوى ملكية عين, وحكم على الحائز بردها أُلزم برد الفوائد والثمرات من يوم رفع الدعوى نصت المادة (1166) من القانون المدني على (يكون الحائز سيء النية مسؤولاً, من وقت ان يصبح سيء النية, عن جميع الثمار التي يقبضها والتي قصر في قبضها. غير انه يجوز له ان يسترد ما انفقه في انتاج هذه الثمار), ومن الاثار التي تترتب على رفع الدعوى توارث بعض الحقوق ذات الصلة بشخص صاحبها والتي لا تنتقل من السلف الى الخلف, بمعنى ان مثل هذه الحقوق اذا توفي صاحبها قبل المطالبة بها امام القضاء فلا تنتقل الى خلفه, ولكن اذا توفي بعد المطالبة امام القضاء فإنها تنتقل كالمطالبة بالتعويض عن الضرر الادبي, والاثر المترتب على الفكرة المتقدمة وجوب نظر الدعوى والفصل فيها من حيث قبولها وسلامة مبناها وبالحال الذي كانت عليه عند رفعها بغض النظر عما يطرأ عليها بعد ذلك من تغيرات, بمعنى ان تفصل المحكمة في الدعوى على النحو الذي كانت ستفصل به لو انها حكمت في الدعوى يوم رفعها حتى لا يضار الخصوم نتيجة تأخير الفصل في الدعوى أياً كان سبب هذا التأخير, وينبني على ذلك انه اذا غيَّر المدعى عليه موطنه اثناء سير الدعوى واصبح تابعاً بحسب موطنه الجديد الى محكمة اخرى غير المحكمة التي رفعت اليها الدعوى فلا يقبل الدفع بعدم الاختصاص.

انما تم بيانه من اثار ينتج عن تقديم الطلبات الاصلية والعارضة, وهناك آثار تترتب على رفع الطلب الاصلي فقط ومن هذه الاثار هي ان تنشئ خصومة لا وجود لها قبل ابدائه على خلاف الطلب العارض فلا ينشئ خصومة جديدة إنما يُعدّل من نطاق خصومة قائمة, اما الاثر الاخر فانه يصار الى تقدير قيمة الدعوى اضافة الى تحديد المحكمة المختصة بالدعوى لان الطلب الاصلي يحدد نطاق الخصومة سواء من حيث موضوعها او من حيث الخصومة فيها وسببها.