التفاصيل
القانون إشكالية الدلالة وحتمية الوجود

القانون إشكالية الدلالة وحتمية الوجود

القاضي ناصر عمران

2021-09-08 09:22:00

 الوجود إحساس مرتبط بنا عندما نغادره لا يكون موجودا، نحن نعين لا نعرف ولا نحدد، وهذه هي الحتمية، فإذا كان القانون نظاماً من القواعد الملزمة التي تحكم العلاقات الاجتماعية، والتي تم تشريعها بواسطة النظام السياسي، فإنه يبدو جليا أن القانون مرتبط بالوجود الذي نحدده ونعينه ونعتبره حتمية ومادام كذلك فهو مرتهن إلى رؤى واضعيه وفلسفتهم أليس الدستور وهو الوثيقة الأعلى والأسمى، ذات طابع سياسي قانوني. ثم أن القانون لا ينشأ من العدم فلابد من صانع له وهذا الصانع بالتأكيد له رؤيته السياسية التي يسعى الى تحقيقها من خلال برامجه السياسية التي تنفتح على مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية يتضمنها البرنامج السياسي لواضعي القانون والتي تسمى: الاسباب الموجبة للتشريع، وبالتأكيد أن آليات صناعة القوانين لها مالها وعليها ما عليها بحسب النظام الحاكم على انها في النهاية متبنى لطبقة او طيف او مجموعة او مؤسسة وهذه المتبنيات إذا لم تجد في القانون إسقاطاتها فأين تجده..! والقانون له مجالاته التنظيمية وله رؤيته الاجتماعية والاقتصادية اضافة الى السياسية والقوانين والسياسات تتداخل معا بشكل معقد.

 ويتأثر علم السياسة بالأيديولوجيا؛ فهي العامل المؤثر في النظام والسلطة، فلكل سلطة أيديولوجيا معينة، تحاول أن تفرضها على الناس، وتؤثر فيهم، وفي أفكارهم، وقد يؤدي الخلاف الأيديولوجي إلى خلاف سياسي يصل إلى حد الصراع بين الأفراد والجماعات المختلفة. بل إن علم السياسة علم قائم على الأيديولوجيا التي تتغير بتغير الزمان والمكان، والظروف المحيطة. كما تتباين الإيديولوجيات عبر الطيف السياسي، فكذلك تتباين النظم القانونية.. فالقانون لابد وأن يستند جزئيا إلى معايير أخلاقية. فمنذ توما الأكويني (توماس أكويناس)، لم تبتعد المعايير كثيرا عن تعاليم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ولكن الحجج الأكثر حداثة، قدمت معايير علمانية نابعة من المثل الإجرائية لحكم القانون والنزعة الدستورية لليبرالية. ورأت أن القانون يتحدد فقط بالحقائق المؤسساتية الداخلية للنظام القانوني، سواء وافقت معايير أخلاقية أم لم توافق. ورأى البعض أن شرعية القانون لا تستند إلى معايير أخلاقية، فالقانون يجب أن يطاع مهما كان ابتعاده عن المثل الأخلاقية.

وجادل منظرون أكثر حداثة مثل اتش هارت بأن الوضعية ملتزمة فقط بالفكرة القائلة إن القانون سؤال وقائعي، وتحديد القانون وفقا لمعايير أخلاقية خارج القانون قد يشجع على العصيان. وسلم البعض بأن القانون قد يتوافق مع معايير أخلاقية، ولكن تعريف القانون وما يجب أن يكون عليه يجب أن يظل متمايزا. ولابد من تقديم مفهوم لجوهر القانون. وأن محاولة تحديد ماهية القانون مسألة خاطئة بشكل أساسي. فعلى أيه حال، لو كان القانون يتشكل حسب أفكار نابعة من علاقات القوة خارج القانون فأن القانون سيصبح بلا جوهر، سواء كان أخلاقيا أو مؤسساتيا. فلو تم اختزال القانون إلى الإيديولوجيا أو اعتباره مجرد أثر لها، فستكون الشرعية احتمالية ولا تستند إلى أساس، ولن يكون لها معنى ضروري أو تعريف، ولا طبيعة جوهرية. وإذا كان القانون يعكس ويشوه وقائع القوة، فإن القوة وليس مبادئ الشرعية هي التي تحدد ماهية القانون، وبالتالي بالنسبة لغالبية المنظرين القانونيين، فإن الإيديولوجيا ليست ملمحا ضروريا للقانون، وبالتأكيد لا يجب تعريف القانون طبقا للمفاهيم التي ترى أن القانون تشويه للواقع أو تشويها للعلاقات الاجتماعية. إن مفهوم القانون باعتبار أن له مصادر أخلاقية أو باعتباره مصدرا في مؤسسات النظام، من الممكن أن يتواجد استقلالا عن وظيفة القانون الإيديولوجية المفترضة، أو عن العملية الإيديولوجية التي صيغ لأجلها، فقد اتضح جلياً إشارات الكثيرين الى المثل القانونية الليبرالية، مثل حقوق الانسان وسيادة القانون، في نفس الوقت الذي انتقدت فيه الأغراض الإيديولوجية التي وضعت لأجلها تلك المثل. فالقانون وكما تنظر اليه الفلسفة : مجموعة من القواعد تنطبق على الخاضعين لهذه السلطة، والسلطة المقصود بها الحاكم وفي سياق اخر القانون: هو مجموعة من القواعد التي تحكم العلاقات. وهذا يعني ان القانون في نظر الفلسفة هو مشيئة الدولة وفي النظرة اليونانية الى القانون تعني ان القانون فعل القوة. ويرجعِ أصل كلمة قانون في اللغة إلى الكلمة اليونانيّة (Kanun)، ومعناها العصا المُستقيمة، وكانت تُستخدم للدّلالة على الاستقامة والنِّظام، ثمّ انتقلت من اليونانيّة إلى اللغة الفارسيّة بِنفس اللفظ كانون بِمعنى أصل الشيء وقياسه، ثمّ تم تعريبها لِتأخُذ أحد المعنييْن، إمّا الأصل أو الاستقامة، وفي الاصطلاح القانون هو: (أمرٌ كُلّي ينطبِق على جميع جُزيئاته، التي تعرف أحكامها منه)، وجاء في معجم المعاني أنّ القانون هو: (مِقياس كل شيء وطريقه) والقانون وان تعددت رؤاه ومتبنياته الفكرية يظل منهجاً ونسقاً تنظيمياً لا مناص من الخضوع اليه اعتقاداً وفرضاً وقديما قيل ((القانون شر وشر لابد منه)) وأياً تكن إشكاليته الدلالية فان الحتمية تظل وجودا لا غنى عنه يشعر الخاضعين بروح المسؤولية والالتزامات المفروضة عليهم وبالمقابل تحقيق الطمأنينة بضمانة الحريات والحقوق.