التفاصيل
التدابير في قضاء الأحداث

التدابير في قضاء الأحداث

القاضي وائل ثابت الطائي

2021-09-08 09:23:00

لقد تعاملت التشريعات الجنائية الحديثة مع حالات جنوح الأحداث بعلمية ودقة ومهنية قانونية عالية المستوى، فتضمنت هذه التشريعات أحكاما موضوعية وأحكاما إجرائية راعت فيها المصلحة الفضلى للحدث الجانح، وكان المشرع العراقي في قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 السباق في هذا المجال حيث تضمنت مواد القانون، المشار إليه، أحكاما قانونية تعتبر مفخرة للتشريع والمشرع العراقي لما تضمنته من سياسة جنائية تضمنت أساليب قانونية وقائية وأخرى إصلاحية لمعالجة جنوح الحدث وإعادته إلى الحياة الاجتماعية، وان المدقق للمواد القانونية التي احتواها قانون رعاية الأحداث يلمس ذلك ويراه بوضوح.

وقد اعتنى المشرع بتنظيم الأحكام المتعلقة بالتدابير المفروضة على الحدث الجانح والتي سنوجزها بالآتي:

مصطلح التدبير: هو اصطلاح قانوني مستخدم في قانون رعاية الأحداث في مقابل العقوبة المفروضة عند إدانة المتهم البالغ، فلا يستخدم اصطلاح العقوبة عند إصدار حكم بالإدانة على الحدث بل تستخدم مفردة التدبير لكونها أجمل تعبيرا وألطف صياغة وأخف وقعا في نفس الحدث.

أنواع التدابير: وردت التدابير في قانون رعاية الأحداث حسب التدرج في شدتها كالآتي:

أولا: الإنذار، ونعني به تنبيه الحدث شفاها وتحريرا بعدم تكرار السلوك غير المشروع الذي قام به، وهذا التدبير جعله المشرع العراقي في جرائم المخالفات حصرا.

ثانيا: التسليم إلى الولي أو أحد الأقارب: إن تسليم الحدث إلى من له الولاية عليه أو أحد أقاربه يعتبر من التدابير المهمة التي منحها المشرع لقاضي الموضوع لغرض استخدامها في حالات الجنوح غير الخطرة، حيث يكتفي القاضي بتنبيه الشخص المسلم إليه الحدث بضرورة الاهتمام والعناية به ومراقبته ومحاسبته والحيلولة دون ارتكابه أفعالا أخرى مخالفة للقانون، وهذا التدبير يفرض على الحدث (الصبي والفتى) ولا يفرض على الحدث الذي وصل إلى سن البلوغ أثناء المحاكمة.

ثالثا: مراقبة السلوك: وهو وضع الحدث تحت مراقبة الباحث الاجتماعي الذي تعينه المحكمة والذي يتولى متابعة الحدث ومراقبته من خلال الزيارات الميدانية التي يقوم بها على أن يكون ذلك كله تحت إشراف المحكمة. وقد اشترط المشرع عند فرض هذا التدبير عدة شروط على الحدث الجانح تضمنتها المادة (91) من قانون رعاية الأحداث بأن يلتزم الحدث بالسلوك الحسن وأن يكون على اتصال دائم بمراقب السلوك ويلتزم بأوامره وتوجيهاته ويخبره في حالة انتقاله من محل سكناه أو في حالة انتقاله إلى عمل آخر أو مدرسة أخرى، وقد أعطى المشرع الصلاحية لقاضي الموضوع بوضع شروط أخرى لضمان نجاح الغاية من هذا التدبير، ومن الانتقادات الموجهة لهذا التدبير هو قيام المشرع في الفقرة ثالثا من المادة (90) اشتراط حصول موافقة الفتى التحريرية عند إصدار القرار، والحقيقة ان هذا الحكم غير منطقي ذلك لأن الحدث تكون موافقته موافقة إذعان وهو لا يمكن أن يعارض المحكمة في ذلك لأنه قد يتعرض الى فرض تدبير أشد عليه ولا نعرف الحكمة من اشتراط هذه الموافقة.

رابعا: الايداع في مدارس التأهيل : وهذا التدبير يعني إيداع الحدث في إحدى المدارس التأهيلية التي نص عليها المشرع وبحسب التصنيف العمري للحدث وهذه المدارس هي مدرسة تأهيل الصبيان، مدرسة تأهيل الفتيان، مدرسة الشباب البالغين، وهذه الأخيرة يوضع فيها الحدث بعد بلوغه سواء كان ذلك أثناء المحاكمة أو بعدها عند تنفيذ الحكم الصادر عليه.

إن هذه المدارس كانت في السابق أكثر قدرة وإمكانية على معالجة جنوح الحدث وتحسين سلوكه وإصلاح أوضاعه لأنها كانت تتمتع بإمكانيات واسعة وتوفر الفرص للحدث على التدريب والتعلم على حرفة معينة كالنجارة والحدادة أو غيرها... الخ، أما في الوقت الحاضر أصبحت هذه المدارس مجرد أماكن إيداع لا تقدم أي شيء جديد للحدث بل على العكس قد تؤدي إلى سلبيات من خلال الاحتكاك بالأحداث الجانحين الخطرين من أصحاب السوابق.

خامسا: الغرامة : من التدابير التي نص عليها المشرع هو فرض الغرامة على الحدث الجانح، وهذا التدبير على الرغم من الانتقادات الموجهة اليه والمتمركزة إن الحدث هو شخص غير مؤهل للحصول على ايراد مادي وان مصروفه ونفقاته على أهله فكيف له أن يسدد الغرامة؟ إلا أن الإيجابيات في هذا التدبير انه يعطي الفرصة للحدث الجانح بعدم الاختلاط مع الجانحين الآخرين كما هو الحال عند فرض تدبير سالب للحرية، وقد استطاع المشرع العراقي تلافي سلبية هذا التدبير من خلال السماح باستحصال الغرامة تنفيذا أي على شكل دفعات وليس دفعة واحدة.

ومن مميزات أحكام التدبير أن المشرع فيما يخص التدابير السالبة للحرية (الايداع) اعطى صلاحية للقاضي بتنفيذها بالتعاقب أو بالتداخل وفق ما نصت عليه المادة (68) أحداث، كما أن المشرع أجاز في المادة (78) أحداث الحكم بالغرامة بدلا من الإيداع في جرائم الجنايات والجنح متى ما وجد القاضي أن الغرامة هي الأصلح في الحدث، كما أن الأحكام الصدارة في الجنايات شملت بالتمييز الوجوبي.