التفاصيل
طفل الشوارع من التشرد إلى الانحراف ثم الجنوح

طفل الشوارع من التشرد إلى الانحراف ثم الجنوح

القاضي / وائل ثابت كاظم الطائي / رئيس محكمة أحداث بابل

2021-09-19 08:52:00

تمهيد :

من السلوكيات الاجتماعية الخاطئة والتي نراها في كل يوم نشاهدها صباحاً ومساءاً عند تقاطع الشوارع وفي مداخل الجسور والبنايات وفي الأسواق والعيادات الطبية وفي الأماكن المزدحمة الأخرى أطفال بعمر الزهور لا يتجاوز أكبرهم الثالثة أو الرابعة عشر من العمر أحدهم يحمل بيده قطع القماش الصغيرة وآخر يقوم في غسل زجاج السيارات فهو يحمل رشاش الماء والماسحة الصغيرة ويباشر عمله دون أن يكلف بذلك , وآخر في لهيب الحر يحمل قناني الماء وآخر وبشكل صريح يستجدي المال ويلفت الانتباه بمنظره الكئيب وكلمات الاستجداء التي تخرج من فمه , أن هذه الظاهرة نسميها بـ (ظاهرة طفل الشوارع) , فما هي أسباب هذه الظاهرة ؟ وما هي الآثار الناتجة عنها ؟ وكيفية معالجتها , كل ذلك نوجزه من خلال النقاط الآتية :

أولاً : أسباب هذه الظاهرة :

هناك أسباب كثيرة متداخلة مع بعضها البعض من رحمها ولد طفل الشوارع في مقدمتها الفقر الناتج عن قلة الموارد وعدم توافر فرص العمل وارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية والتقلبات في قيمة العملة والحروب والكوارث وعدم العناية بالتنمية الاقتصادية والتنمية البشرية , كل ذلك كان له انعكاساته على الأسرة وعلى المجتمع , ونتيجة لذلك فأن الأسرة الفقيرة , وبقصد تأمين موارد للعيش , تدفع بأولادها الصغار إلى الشارع لممارسة التسول .

ومن الأسباب الأخرى لانتشار هذه الظاهرة هو التفكك الأسري نتيجة لانتشار حالات الطلاق وزيادة حالات اليتم وفقدان البيئة الأسرية الآمنة والصالحة للعيش واستبدالها بأخرى حيث الشارع والمحلات العامة والتقاطعات وغيرها والتي أدت إلى حالات التشرد والانحراف لدى الأطفال ودفعت بهم إلى الجريمة .

أن الأسرة التي أصابها التفكك أو تلك التي فقدت مُعيلها تدفع بأطفالها إلى الشارع وتحرمهم من فرصة التعليم , فالطفل يجد نفسه في بيئة غير صالحة وفي مكان لا يتلائم مع مرحلته العمرية يكتسب من خلاله العادات السيئة والسلوك المنحرف مما يجعله قريباً من ظاهرة الجنوح .

وقد يكون الكسب المالي والربح الوفير الذي يحصل عليه المتسول سبباً فعالاً في بقاء ظاهرة طفل الشوارع , ففي اغلب الأحيان يكون الحصول على المال دافع للاعتياد على هذا السلوك حتى يصبح مدمناً له ومحترفاً بأدائه كما يدمن الشخص المتعاطي المخدرات أو الكحول , فلا يستطيع مغادرة هذه السلوكية الاجتماعية الخاطئة التي بدأت تدر عليه بأموال وفيرة يستغلها في ارتياد أماكن اللهو وأماكن تعاطي الخمور وغيرها من المفاسد الأخرى .

ومن الأسباب الرئيسية في ظهور وبقاء واستمرار هذه الظاهرة هو غياب دور الدولة وتقصيرها في مسؤولياتها تجاه هذه الشريحة فعدم خلق فرص العمل والقضاء على البطالة وخلق موارد معيشة للأسرة يحول دون تفككها أو ضياعها وتشرد أفرادها , يزيد المشكلة تعقيداً .

أن دوائر الدولة المعنية في الضمان وللرعاية الاجتماعية أصبحت في حال غير قادرة على تشخيص الإنسان الفقير والأسر الضعيفة من غيرها ممن يدعون الفقر وهذا انعكس بسلبياته على استمرار حالة الفقر التي يعتبرها علماء الاجتماع السبب الرئيسي في ظهور ظاهرة طفل الشوارع . 

ثانيا: الآثار السلبية لظاهرة طفل الشوارع :

أن ظاهرة طفل الشوارع تمتد آثارها السلبية على الطفل وعلى المجتمع , فهي تولد نتائج غير مرضية ووخيمة على المستوى الشخصي وعلى المستوى المجتمعي , أما على المستوى الشخصي فأن هذه الظاهرة هي الرافد الأساسي لحالات التشرد والانحراف التي يعاني منها الأطفال بعد أن فقدوا البيئة الاجتماعية الصحيحة التي كان ينبغي أن يعيشوا في ظلالها , وإن الأسرة كما تكون سبباً في بناء شخصيه ناجحة قد تكون سبباً في فشل هذه الشخصية وتكون المسؤولة عما يصيبها من انحراف في السلوك نتيجةً لخروج الأطفال من البيت تحت وطأة الحاجة أو هروباً من المشاكل التي تحدث بين الأب والأم أو لأسباب أخرى .

إن هذه الظاهرة تؤدي إلى التشرد ومن ثم إلى الانحراف ومن ثم إلى الجنوح والإجرام , وقد أيدت الدراسات أن معظم الأطفال المنحرفين إنما أتوا من أسر متصدعة نتيجةً لحالات الطلاق أو لحالات اليتم .

أما الآثار السلبية لهذه الظاهرة على المستوى المجتمعي فتبرز من خلال صناعة جيل من العاطلين أو المنحرفين أو المجرمين , وقد لوحظ أن معظم المجتمعات غير المتقدمة تعاني من حالة الجانحين الذين لم يلقوا العناية الكافية من أسرهم ومن الدولة , فأصبحوا عناصر غير فعالة في المجتمع , ولعل إحصائية عن المودعين في الإصلاحيات والسجون يعطينا هذه النتيجة .

ثالثاً: المعالجات :

أن البيئة التي يعيش فيها طفل الشوارع هي بيئة فاسدة تساهم في بناء شخصية سلبية ومع الأيام القادمة تكون شخصية مرفوضة من محيطها الاجتماعي , فكيف نستطيع معالجة هذه الظاهرة وما هي الوسائل لتحقيق هذه الغاية ؟

إن الإجابة على هذا السؤال يكون مدخله من خلال المعالجات القانونية التي وضعها المشرع للوقوف ضد هذه الظاهرة , ومن خلال استقراء نصوص قانون رعاية الأحداث يمكن أن نوجز المعالجات القانونية بالنقاط الآتية :

المعالجة الأولى : تسليم الطفل المتشرد إلى وليه :

إن المادة (26/أولاً/أ) من قانون رعاية الأحداث نصت على تسليم الطفل المتشرد أو المنحرف إلى ولي أمره مشفوعاً بالتوصيات التي تقررها المحكمة على ضوء نتائج البحث الاجتماعي الصادرة من مكتب الدراسة الشخصية .

وهذه المعالجة لا يكون لها أي أثر خصوصاً وأن الأسباب التي أدت إلى حالة التشرد والانحراف ناتجة عن تفكك الأسرة وعدم وجود الولي القادر على تربية ورعاية شؤون أسرته , بل أن بعض الأسر هي التي تدفع بأبنائها إلى ممارسة مظاهر التشرد والانحراف بغية الحصول على المال .

المعالجة الثانية : هو إيداع الطفل في دور الدولة المخصصة لمثل هذه الحالات والتابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهذه الدور يحكمها قانون الرعاية الاجتماعية النافذ .

أن هذه المعالجة هي الأكثر نجاحاً متى ما استوفت شروطها ووسائلها والمتمثلة بوجود أماكن ودور متخصصة يسودها الإخلاص في العمل والجدية في التعامل مع الأطفال المودعين مع توفير كافة الوسائل التي تنقلهم إلى بيئة اجتماعية صالحة .