التفاصيل
المصرف المُفلس في القافلة أمين

المصرف المُفلس في القافلة أمين

القاضية اريج خليل

2021-10-07 08:03:00

المثل العربي (المُفلس في القافلة أمين) اطلق على احد الأشخاص الذي كان فقيرا ولكنه سافر في قافلة التجار والتي كانت قديما تمشي فيها الإبل وهي محملة بالاموال والبضائع والذهب والفضة، وقد اعترض طريق القافلة مجموعة لصوص ولم ينجُ من الأذى والسرقة الا ذلك الفقير المعوز الذي لم يكن يحمل معه اي شيء، فأطلق هذا المثل المُفلس في القافلة امين كونه ليس معه ما يخاف عليه من السرقة.

اليوم ونتيجة للتطور الحاصل في كافة المجالات فقد اصبح العراق ايضا في مرحلة متقدمة في الأنظمة المصرفية والتعاملات البنكية الا ان هناك مصارف معروفة يصل بها التعثر المالي المصرفي الى حد اعلان وإشهار إفلاسها.

والإفلاس هو نظام قانوني اختلفت العديد من التشريعات والدراسات في تعريفه الا ان التعريف الاقرب للواقع هو (نظام قانوني يتم تنفيذه بغية السماح للشركات المتعثرة بالتحرر من ديونها، وفي نفس الوقت يوفر للدائنين فرصة السداد)، في القانون العراقي فان قانون المصارف رقم ٩٤ لسنة ٢٠٠٤ هو القانون الذي حدد أحكام إفلاس المصاريف والإجراءات التي يتم إتباعها من كافة الجهات ذات العلاقة لإصدار قرار بإشهار الإفلاس، وأجاز القانون لعدد من الدائنين ان يقدموا التماسا الى محكمة الخدمات المالية لغرض إشهار افلاس احد المصارف او المؤسسات المالية بعد ان يتم اعلام البنك المركزي العراقي بذلك ، وفي حقيقة الأمر مهما يكن هذا النظام مطبقا بأقصى درجات الحذر والدقة الا انه يبقى بمثابة رصاصة الرحمة لصالح المصرف المتعثر ماليا كون ان هذا المصرف سيتحرر من ديونه بإجراء قانوني سليم وبموجب حكم قضائي وعلى المتضرر اللجوء الى القضاء فيصبح أمينا شأنه شأن فقير القافلة لانه سيتحرر من الاموال التي بذمته والتي لم يبذل عناية لازمة في المحافظة عليها  .

وحيث ان الأفراد ومؤسسات الدولة يثقون بالتعامل مع هكذا مصارف ومن ثم يتم اشهار افلاسها وتصفيتها دون ان يكون لدى هذه المصارف سيولة نقدية تكفي لسداد ديونها ويتم رفع التماس اشهار الافلاس لمجرد ان عددا من الدائنين اتفقوا ووافقوا على الاكتفاء بقدر معين من السداد دون الأخذ بنظر الاعتبار ما يترتب على هكذا إجراء من ضياع للأموال العامة ومن تحميلات ادارية كبيرة تتكلفها مؤسسات الدولة لغرض الحصول على اموالها من المصارف المُفلسة ،ويجعل باقي الدائنين يستهلكون كل طاقتهم للحصول على اموالهم المودعة بأمان في هذه المصارف.

إن التعثرات المالية للمصارف الموجودة حاليا وخاصة المصارف الأهلية سببها اهتمامها بهامش الربح اكثر من اهتمامها بتوخي معايير دولية لأدارة المخاطر والتي تتيح لهذه المصارف العديد من الاجراءات الوقائية لمنع تفاقم التعثر المالي ، خاصة وان قانون البنك المركزي العراقي رقم ٥٦ لسنة ٢٠٠٤ قد اجاز للبنك المركزي العراقي مساعدة هذه المصارف واعادة هيكلتها وتأهيلها مجددا او دمجها مع مصارف اخرى اكثر كفاءة ،او ان هناك طريق اخر قيام الافراد ومؤسسات الدولة بالتأمين على ودائعها لغرض مواجهة حالة التعثر المالي والاداري للمصارف والمؤسسات المالية الأخرى .

وحيث ان البنك المركزي العراقي هو الجهة المختصة بالإشراف والرقابة لذا يكون الطريق السليم لمواجهة الاثار الخطرة لإحكام الافلاس هو تشديد اجراءات الاشراف والرقابة التي يقوم بها البنك المركزي العراقي وفق القانون الذي منحه حق الاشراف والرقابة والتفتيش على كافة المصارف والمؤسسات المالية وله حق فرض العقوبات الادارية بحقها وان يكون التشديد الى الحد الذي يمنع وصول المصارف المتعثرة الى مرحلة الافلاس خاصة وان المحكمة المختصة متجهة الى التحقق من عدم فائدة الاساليب الوقائية والعلاجية قبل اصدار الحكم بإفلاس المصارف من اجل ان يكون للقضاء دور رائد في الإصلاح المالي للمصارف ولما لذلك من اثار على الوضع الاقتصادي ككل وكذلك حفاظا على اموال المواطنين ومؤسسات الدولة.