التفاصيل
مستلزمات صحة الاجراء القضائي (الجزء الاول)

مستلزمات صحة الاجراء القضائي (الجزء الاول)

القاضي عبد الستار الناهي

2021-10-07 08:04:00

 الإجراء القضائي –شأنه شأن أي عمل قانوني- يستوجب توافر مستلزمات موضوعية ومستلزمات شكلية لنشوئه صحيحا منتجا لآثاره, ولكن ما يميزه عن الاعمال القانونية أهمية الشكل فيه لان المبدأ ان الاجراء القضائي هو عمل قانوني شكلي.

فالشروط الموضوعية الاساسية في العمل القانوني تقل اهميتها في الاجراء القضائي لوجود عنصر الشكل فيها.

وعلى الرغم من ان الشكل في الاجراء القضائي غالبا ما يحقق الموضوعية الا انه يتوجب توافرها بجانب المقتضيات الشكلية, على ان الاجراء القضائي لا صحة له الا بوجود مستلزمات شكلية بصورة صحيحة, فضلا عن ان عدم وجود الارادة رغم توافر الشكل لا يجعل من الاجراء القضائي صحيحا ويستطيع من نسب اليه الاجراء التمسك ببطلانه. 

وقد اشترط القانون شروطا معينة في من يباشر العمل الاجرائي, فيشترط فيه ان يكون متمتعا بصلاحية تخوله القيام بالعمل الاجرائي سواء كان العمل صادرا من الخصوم او اطراف الدعوى او من الغير من شهود وخبراء.

وهذا يستلزم بحث هذه المستلزمات الموضوعية والشكلية منها:-

اولا: المستلزمات الموضوعية لصحة الاجراء القضائي:

وهذه المستلزمات هي :-

1- ارادة الاجراء القضائي: الاجراء القضائي كعمل قانوني يجب ان تتوافر فيه الارادة, ولكن دور الارادة في الاجراء القضائي يختلف عن دورها في العمل القانوني, ذلك ان الارادة يفترض وجودها في العمل الإجرائي بتوافر الشكل القانوني, فالشكلية تحقق اكبر الضمانات الممكنة لصحة إرادة القائم بالعمل, على ان عدم وجود الإرادة على الرغم من توافر الشكل لا يجعل من الإجراء القضائي صحيحا ويستطيع من نسب اليه الإجراء التمسك ببطلانه كصدوره من شخص عديم الأهلية, وينبني على ذلك بداهة ان الإرادة لا يمكن ان تصدر من شخص معدوم الإرادة كالطفل غير المميز والمجنون ومن فقد الوعي لسكر او مرض او من انعدمت إرادته الذاتية تحت تأثير الإيحاء ونحو ذلك.

والارادة الواجب توافرها في الاجراء القضائي هي الارادة التي يرتب عليها القانون اثرا اجرائيا, فمتى وجدت ارادة سليمة متجهة لانشاء اجراء قضائي نشأ الاجراء القضائي مرتبا اثاره القانونية ولا عبرة بالارادة التي لم تتجه لاحداث اثر اجرائي, وان الارادة اذا شابها عيب انقطعت الرابطة بينها وبين الاثار القانونية التي يمكن ان ينتجها الاجراء القضائي لانه يكون عديم الاثر.

وذهب جانب من الفقه الى عدم الاعتداد بعيوب الارادة–وهذا ما لا نراه- اذ لا يشترط في الاجراء القضائي اتجاه الارادة الى ترتيب اثار هذا العمل, بل يكفي فقط ان يتم الاجراء القضائي اراديا طبقا للشكل المقرر قانونا بصرف النظر عما لو كانت هذه الارادة اتجهت او ارتضت هذه الاثار بخلاف التصرف القانوني, لان اثار هذا التصرف لا تترتب الا اذا اتجهت الارادة اليها والعيب في الارادة يقطع الرابطة بينها وبين الاثار القانونية للتصرف, وما يقال بهذا الصدد ان الاجراء القضائي وان لم يكن تصرفا قانونيا, الا ان اثاره من حيث المبدأ يحددها القانون, ولكن كيف نسلم بصحة الاجراء من شخص لم يُردْ القيام به, وان قام به بالشكل الذي يتطلبه القانون, ذلك ان القول لا يدور حول مدى قابلية الارادة على انتاج الاثر القانوني للاجراء القضائي بل مدار القول حول وجود الارادة او عدم وجود الارادة الحرة المتجهة لمباشرة الاجراء وان انعدام الارادة اساسا او كونها معيبة بدرجة تصل حد العدم وطلب صاحبها ابطال الاجراء القضائي الصادر عنه فنكون والحال هذا ازاء عدم, والعدم لا ينتج اثرا.

2- محل الاجراء القضائي: ويقصد به مضمون هذا الاجراء, وهو يختلف باختلاف الاجراءات القضائية, فالحجز محله الشيء المحجوز, وامر القاضي باحضار شاهد محله هذا الشاهد, ومحل الحكم الامر المقضي به, فلكل اجراء قضائي محل يرد عليه, ويكون لشكل الاجراء القضائي اثر مهم في تحقيق هذا المحل فمثلا يفرض القانون في عريضة الدعوى ان تشتمل على بيانات شكلية على ما يطالب به المدعي كما في نص المادة (46) من قانون المرافعات المدنية بمعنى ان محل الاجراء القضائي يدخل في الشكل الواجب لهذا الاجراء, ويشترط وجود المحل في الاجراء لاعتبار هذا الاجراء صحيحا من حيث الشكل الامر الذي يكون معه وجود المحل امرا ضروريا لصحة الاجراء من حيث الشكل وان انعدام المحل يؤدي الى رفض الاجراء شكلا دون التعرض للموضوع, ويشترط في محل الاجراء القضائي ان يكون موجودا ومعينا, وبالتالي لا يصح تعليقه على شرط او اضافته الى اجل بل يجب ان يكون محددا من حيث المقدار, وان يكون قابلا للتعامل فيه, اي ان يكون مشروعا, والقانون يحدد مضمون كل اجراء مقدما ولا يعطي للإرادة سلطان في تحديده لان يكون محلا للاجراء القضائي من الناحية القانونية, ولهذا الشرط اهمية خاصة بالنسبة لمحل الحجز, فالقانون يمنع الحجز على بعض الاموال, فاذا حجزت كان الحجز باطلا لعدم قابلية المحل للتعامل فيه.

3- السبب في الاجراء القضائي: يقصد بالسبب هنا الغرض الذي يسوّغ الاجراء القضائي, لذلك فهو فكرة تستهدف تحقيق غرض معين وهو وضع قيد على سلطان الارادة الممنوح للشخص في مجال التصرفات القانونية ولا يتمتع السبب في الاجراء القضائي بالاهمية نفسها التي يحتلها التصرف القانوني, وعلة ذلك ان الاجراء القضائي لا يعد تصرفا قانونيا وانما واقعة قانونية بالمعنى الضيق, تتجه فيها ارادة الشخص الى اجراء, ولكن لا دور لارادته في تحديد اثارها وان القانون هو الذي يحدد هذه الاثار, ذلك ان القاضي عند اصداره الحكم لا يطبق ارادته انما يطبق ارادة  القانون, والالتزام بالحكم مصدره القانون وليس ارادة القاضي.

كما ان الاجراءات القضائية تتم بالخصوم والشهود والخبراء تحت اشراف ورقابة القضاء صاحب الصلاحية التامة فيما يتعلق بموافقة الاجراءات للقانون وعدم موافقتها يضاف لذلك ان الاجراءات وقرارات القاضي سواء المتخذة اثناء سير الدعوى او التي تنتهي بها الدعوى, خاضعة لرقابة محكمة التمييز, وينبني على ذلك انها قد تنقض او تبطل, ولذلك فان الاجراء القضائي يعد صحيحا اذا تم بالشكل الذي استلزم القانون ان يتم به بغض النظر عن القصد منه سواء بالنسبة للخصوم او القاضي.