التفاصيل
ملاحقة الفساد العابر للحدود

ملاحقة الفساد العابر للحدود

القاضي د. صفاء الدين الحـﭽـامي

2021-10-07 08:05:00

لا شك أن من أهم العوامل التي تُعيق ملاحقة المتهمين والمحكومين في جرائم الفساد ما طرأ من تطور هائل في مجال تكنولوجيا المعلومات ووسائل الانتقال بين الدول، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة هروب الأشخاص أو تهريب الأموال، وقد نتج عن هذا الاتساع أن تحولت هذه الظاهرة من هاجس وطني إلى قضية عالمية، سعت الدول إلى علاجها في البداية عن طريق عقد الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف للتعاون في مجال تسليم المتهمين والمحكوم عليهم، واسترداد عائدات الجرائم، ثم تنامى الاهتمام بهذا التعاون, فنتج عن ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2004، التي جاء في ديباجتها (أن الدول الاطراف في هذه الاتفاقية، إذ تقلقها خطورة ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها.. واذ تقلقها كذلك حالات الفساد التي تتعلق بمقادير هائلة من الموجودات، يمكن أن تمثل نسبة كبيرة من موارد الدول... مما يجعل التعاون الدولي على منعه ومكافحته أمرا ضروريا..)وعلى هذا الاساس شجعت الاتفاقية التعاون الدولي وتعزيزه في مجال تسليم المجرمين، وتقديم المساعدة القانونية المتبادلة لأغراض مكافحة الفساد بشأن حركة العائدات الإجرامية أو الممتلكات المتأتية من ارتكاب جرائم الفساد وتنفيذ عمليات الحجز والتجميد والاسترداد المباشر لتلك الاموال والتصرف فيها, ونصت صراحة على أنه لا يجوز للدول الأطراف أن ترفض طلب تسليم لمجرد أن الجرم يعتبر جرماً يتعلق بأمور مالية.

ولاريب في أن هذه الوسائل في مجال التعاون الجنائي الدولي من شأنها أن تعزز فاعلية مكافحة الفساد في الدول التي تصبح أطرافا في هذه الاتفاقية الدولية.

وجمهورية العراق من الدول التي احترقت بنار الفساد الذي نخر جسم المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، لذا سارعت إلى الانخراط في المسعى الدولي لمكافحة الفساد و الوقاية منه, وانضمت للاتفاقية بالقانون رقم (35) لسنة 2007 واصبحت الاتفاقية نافذة وواجبة التطبيق في العراق شأنها شأن اي قانون آخر صادر عن السلطة التشريعية.

وقد حرص القضاء العراقي على تطبيق الاتفاقية, في مجال تسليم المتهمين والمحكوم عليهم في جرائم الفساد، واسترداد عائدات الجرائم, المعروضة من هيئة النزاهة وكما هو معلوم بأن ولاية القضاء لا تسري خارج حدود الدولة, لذا يتم متابعة تنفيذ تلك الاجراءات خارج حدود الدولة من قبل السلطة التنفيذية, التي بذلت ومازالت تبذل جهداً مطلوباً ومحموداً ولكنه غير كافٍ.

لذا نتمنى على السلطة التنفيذية اتخاذ الاجراءات اللازمة بحق الدول التي لا تقدم التعاون الدولي في مجال مكافحة الفساد, وذلك وفقاً القواعد القانون الدولي, ومنها اتفاقية فينا لقانون المعاهدات التي تنصت على ان كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية, ولا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة.

كما نتمنى على السلطة التشريعية مراقبة أداء السلطة التنفيذية في ذلك, واتخاذ الإجراءات التشريعية المناسبة التي تعين السلطة التنفيذية على النهوض بواجبها وتيسر لها أداء مهمتها.