التفاصيل
خريطة الإجراءات

خريطة الإجراءات

القاضية أريج خليل

2021-11-14 07:52:00

إن طموح الوصول إلى أداء وظيفي متميز لا ينحصر على وظيفة معينة فكل شخص يشغل الوظيفة العامة يسعى الى أداء أمثل في العمل للوصول الى نتيجة أدق، وهذا لا يتم الا عن طريق التحسين المستمر للأعمال وتنظيم إجراءات العمل وفقا للمواصفات القياسية المعتمدة من قبل نظم الجودة العالمية (الأيزو).

وان التحسين المستمر لا يقتصر على إجراءات العمل الإدارية فحسب، وإنما يمكن العمل به لغرض تحسين إجراءات العمل القضائي وتجويده، خاصة وان القضاة من اهم العناصر التي يجب ان تسعى الى أداء متميز ودقيق ورصين لارتباط الاجراءات الصادرة عنهم بسلامة وحرية الأفراد وأمنهم الاجتماعي، لذا فان تأهيلهم على احدث معايير التحسين المستمر في الأداء سيلقي بظلاله على ما يصدر عنهم من اجراءات وستكون بالمستوى الذي تطمح اليه مؤسستنا القضائية من الدقة والتميز.

ومن بين البرامج التأهيلية المهمة برنامج خرائط الاجراءات وهو ان يتم وضع خرائط للاجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق على سبيل المثال منذ تحريك الدعوى الجزائية وحتى صدور القرار الفاصل فيها، وبيان الخطوات التفصيلية للإجراءات التي يجب أن تمر بها كل دعوى وحسب نوع الجريمة وهذه تعتبر أفضل الوسائل لتحليل ودراسة الإجراءات كما انها تضمن عدم السهو ونسيان اجراء معين، فضلا الى ضمان القيام بالإجراء في وقته المناسب وبشكل مبسط، بحيث يصبح العقل مُهيأ لفهم كافة الآثار التي ستنتج عن كل خطوة كما سيكتشف القاضي نقاط الضعف في إجراءاته بسهولة وسيتوصل الى عدد الاجراءات غير المنتجة في الدعوى ويسهل عليه معرفة الإجراء الذي بسببه سيتأخر حسم الدعوى او الذي سيعرقل حسمها في الوقت المناسب فيكون من السهل ايجاد اجراءات بديلة او اقتراح إجراءات أبسط، ويتم وضع خريطة الاجراءات عن طريق وصف كل خطوة سواء في الدعوى المدنية او الجزائية ومن ثم يتم حساب الوقت الذي يستغرقه كل إجراء، فيقوم القاضي بوضع عمود يمثل الاجراءات المتخذة من قبله مع نتائج هذا الاجراء ويقابله عمود آخر مواز له يمثل الاجراءات المقترحة او البديلة فيسهل عليه المقارنة بينهما لوجودهما الى جانب بعض ويتم وضع ارقام متسلسلة في كلا العمودين ، فاذا توصل القاضي الى ان الاجراء الحالي المتخذ من قبله ادى الغرض المقصود فانه لا يحتاج الى اجراء آخر بديل عنه فيقوم بشطب الاجراء البديل او المقترح الذي يقابله بالتسلسل، اما اذا كان الاجراء المتخذ من قبله ادى الى تعثر في الإجراءات ولم يكن منتجا لحسم النزاع يتم الاعتماد على الإجراء البديل وشطب الإجراء الحالي المتخذ من قبله، ومن ثم يكتب القاضي الاجراءات المطلوبة منه مستقبلا ويضع وقت لكل إجراء ويقوم بتحليل الوضع حسب نوع الجريمة وجسامة خطورتها وخطورة المتهم واثر الجريمة الاقتصادي والاجتماعي وينظر في امكانية حذف بعض الخطوات غير الهامة او دمج بعضها مع البعض الآخر وتغيير تسلسل بعض الاجراءات حسب أهميتها في كشف الحقيقية.

   أمام كل إجراء يجب ان يوجه القاضي أسئلة لنفسه ويحاول الإجابة عنها حسب خبراته المتراكمة منها ما هي نتيجة هذا الإجراء؟ اين يجب ان ينفذ؟ هل هناك إجراء بديلا عنه ابسط ويستغرق وقتا اقل؟ من هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ هذا الاجراء؟ عند اجابته على كل هذه الأسئلة ستكون تحليل نتائج الاجراءات بالنسبة اليه ابسط وسيتوصل الى الحقائق المحيطة بكل إجراء.

هناك مقولة في علم الجودة كانت سببا في تجويد الإجراءات وان اتبعت سنتوصل الى ادق النتائج وهي (وثق ما تعمل .. واعمل ما وثقت) فالتوثيق بخطوات متسلسلة ومفهومة له اثر كبير في جودة المخرجات والتي ستتمثل بعدها بالقرار الصادر، بالإضافة إلى أن القاضي سيتعرف بسهولة على ان الإجراءات تقع ضمن صلاحياته واختصاصه من عدمه.

وحيث ان التجويد المستمر مطلوب اداريا وقضائيا، وبغية ان يساهم مجلس القضاء الأعلى في نشر الايجابية بين القضاة والموظفين وتشجيعهم على التحسين المستمر لأدائهم الوظيفي لذا اقترح ان يتم كتابة قواعد الجودة والتحسين المستمر على شكل لوحات مخطوطة توضع في اماكن العمل لتحفيز القضاة والموظفين على تحسين أدائهم الوظيفي وهذه القواعد من أهمها:

أولا / وثق ما تعمل .. واعمل ما وثقت.

ثانيا / دائما توجد طريقة أفضل لأداء العمل ... حاول أن تجدها.

ثالثا / لا يكفي ان تصنع خبزا ..عليك ان تحسن صنعه.

رابعا / الجودة لا تأتي صدفة ..بل انها نتاج نوايا حسنة وجهد صادق وتوجيه ذكي ، فهي تمثل اختيارك الحكيم العقلاني للبدائل المتاحة .

خامسا / الجودة تعني ان تؤدي عملك بالشكل الصحيح حتى لو لم يراقبك احد .

سادسا / الجودة تبدأ من الداخل ثم تحفر طريقها الى الخارج .

ان قدسية المهنة التي نمتهنها تجعلنا نبحث عن افضل السبل للارتقاء بواقعنا وبالعمل القضائي عن طريق اعتماد معايير عالمية لتجويد العمل والتحسين المستمر للأداء وكل ذلك يصب في مصلحة العمل القضائي وتحسين بيئة العمل.