التفاصيل
الاب القانوني / (دراسة في الفلسفة القانونية للسلطة الابوية)

الاب القانوني / (دراسة في الفلسفة القانونية للسلطة الابوية)

د. اسامة شهاب حمد الجعفري

2021-12-13 12:40:00

ما من جماعة تستطيع ان تعيش و ان تستمر في العيش من دون ان يقوم عليها من يوجهها و يحميها و يقيم التوازن بين المصالح في داخلها  , و هذه الوظيفة الاخلاقية الكبرى في توجيه الجماعة كبيرة كانت ام صغيرة تحتاج في أدائها "سلطة ", , و من هذه السلطات هي " السلطة الابوية" المعقودة للاب , فعلى الرغم من ان الاسرة ليست شخصاً معنوياُ الا ان القانون يخلق داخل الاسرة ولايات تتضمن سلطات , يسند مناطها الطبيعي للاب , و يباشر سلطته على الاشخاص و الاموال في داخل اسرته. . فهل اعتبر القانون هذه السلطة هي سلطة قوة تقوم على هيمنة الذكر الاكبر على افراد اسرته ؟ ام لم يعتبرها كذلك ؟ و اذا كان القانون لم يعتبرها سلطة ذكورية فما هي اثباتات ذلك بنصوص القانون ؟ ان الاجابة على هذه الاسئلة يقضي علينا ان نحدد الطبيعة القانونية للسلطة الابوية  و بيان الرقابة القضائية لها و المدى الزمني لهذه السلطة من خلال منهج استقراء النصوص القانونية التي تحكم السلطة الابوية في النظام القانوني العراقي.

اولاً : الطبيعة القانونية للسلطة الابوية:

السلطة الابوية هي ميزة يمنحها القانون للاب تتيح له صلاحية اصدار أوامر و توجيهات لاسرته المكونة من الزوجة و الاولاد القاصرين تمكنه من التدخل في النطاق القانوني للغير سواء كانت ولاية على النفس او الاموال , فهو يحكم شخص الغير , و ادارة اموال الغير , و يتمتع بمركز سيادي عن بقية افراد اسرته يفرض عليه هذا المركز السيادي "واجب" حماية اسرته و تعليم و تربية اولاده و تنشئتهم تنشئة اجتماعية تمكنهم من ان يعتمدوا على انفسهم و يعتمد المجتمع عليهم , فالسلطة الابوية هي حق مقرر للاب و في نفس الوقت هي واجب مفروض عليه قانوناً , و هي تتقرر لا لمباشرة حق ذاتي (اناني) لصاحب السلطة(الاب) , و انما تتقرر بالأحرى لتمكينه من ان يقوم بواجبه (الغيري) لمصلحة افراد العائلة , لان هذه السلطة التي منحها القانون للاب هي مقررة لمصلحتهم لا لمصلحته , فكانت الاسرة مكاناً خصباً لتلازمية (السلطة – الواجب) او الحقوق ذات الهدف الغيري, او ذات الغاية الاخلاقية الايثارية والتي لا تمت للانانية بصلة لذا لا يحق للاب ان يستعمل السلطة الابوية لتحقيق مصالحه الشخصية و اخضاع افراد عائلته لمزاجه الذكوري , بل هو ملتزم بان يستعمل هذه السلطة لصالح الاسرة , لذا فان الاب لا يستحق اجراً على قيامه بهذه السلطة لانه يتعارض مع الطابع الروحي السامي لتلك العلاقات داخل الاسرة  فتكون السلطة الابوية في طبيعتها القانونية هي سلطة ايثارية – غيرية مقررة لمصلحة الاسرة لا لمصلحة الاب .

ثانياً : الرقابة القضائية على السلطة الابوية:

ان السلطة الابوية غير خاضعة لمحض تقدير الاب لان اداء ممارستها خاضعة لمبدأ رقابة القضاء, و القضاء يراقب الاب عن مدى حسن اداء سلطته الابوية من ناحيتين :

الاولى : مراقبة السلطة الابوية على شخص ولده الصغير: تتضمن السلطة الابوية على شخص صغيره واجبين مهمين : اولهما: واجب الرعاية , و ثانيهما: واجب الرقابة

1-  واجب الرعاية : 

و هو سلطة الاب في رعاية ولده القاصر في نفسه و تربيته و تعليمه و اداء هذا الواجب من قبل الاب ضمن سلطته الابوية يكون تحت رقابة القضاء فالاب الذي اهمل صغيره اهمالاً ادى به الى التشرد او انحراف السلوك انما يرتكب جريمة يستحق عليها العقاب بموجب المادة (29) من قانون رعاية الاحداث  رقم (76) لسنة 1983 .  و قد يرتب على هذا الاهمال او التعسف في اداء السلطة الابوية الى انتزاع هذه السلطة من الاب او تقييدها بقرار قضائي اذا اقتضت مصلحة ولده الصغير ذلك او مصلحة المجتمع و ذلك بموجب المادة (2/ ثالثاً) من قانون رعاية الاحداث انف الذكر. و لا يحق للاب ان يعترض على طلب ولده الصغير البالغ من العمر15سنة ان اراد الزواج فله رفع طلبه للقاضي فان وجد القاضي منه اهلية كافية اذن له القاضي بالزواج رغماً عن رفض الاب اذا كان رفضه لا يستند الى اسس مقبولة و ذلك بموجب المادة (8) من قانون الاحوال الشخصية رقم 188  لسنة 1959.

2-  واجب الرقابة:

و هو سلطة الاب في رقابة ولده الصغير و منعه من الاضرار بالغير , فإن ارتكب ولده الصغير خطئاً الحق ضرراً بالغير فان الاب يكون مسؤولاً عن تعويض ذلك الضرر الذي احدثه صغيره بالغير , و افترض القانون إخلال الاب بواجب الرقابة على صغيره و تقصيره فيه بموجب المادة (218) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 .على اعتبار ان الاب اساء تربية الصغير في تقويم سلوكه تجاه الغير في المجتمع.

الثانية: مراقبة السلطة الابوية على اموال ولده الصغير : فسلطة التصرف باموال ولده القاصر ليست مطلقة و انما هي مقيدة على موافقة دائرة رعاية القاصرين و بالطريقة التي يحددها قانون رعاية القاصرين رقم (87) لسنة 1980 بموجب المادة (30) منه. فالقانون لم يعتبر الاموال التي تؤول لولده الصغير من جراء التبرعات او الاموال التي تقررها القوانين له كالرواتب او حصته من اموال النفط او غير ذلك لم يعدها القانون من اموال الاب و انما هي ملك خالص لولده الصغير لا يجوز له التصرف بها الا باعتباره نائباً عنه يدير امواله لصالح ولده الصغير . و في موضع اخر من القانون فان بلغ الصغير من العمر 15 سنة اعطاه القانون الحق له ممارسة التجارة باذن من الاب و ترخيص من المحكمة , فإن تعسف الاب و لم يطلب من المحكمة الرخصة بالإذن للصغير او كان مرخصاً و امتنع الاب عن الاذن فللمحكمة ان تأذن للصغير بالتجارة ان آنست منه رشداً بموجب المادة (101) من القانون المدني العراقي رغماً على ارادة الاب.

و هذه الرقابة القضائية هي آلية عمل تكبح التحكم الذكوري للاب على اسرته لتحقيق منافعه الشخصية , و ضمانة كافية لردع انحراف السلطة الابوية عن اغراضها النبيلة و هي تحقيق مصالح الاسرة و تحقيق التوازن بين مصالحها و مصالح الجماعات الاخرى , و ضبط مسارها الاجتماعي و الاخلاقي و منع الاب من التعسف عند ممارستها على الاسرة . ان السلطة الابوية هي وظيفة اخلاقية يضحي الاب فيها بكل ما يملك لصالح اسرته لا لصالح نفسه . لذا كانت السلطة الابوية في طبيعتها القانونية هي لتمكينه من ان يقوم بواجبه (الغيري) لمصلحة افراد العائلة.    لذلك هو لا يستطيع ان يتنحى عن مباشرة السلطة الابوية و لا يحق له ايضاً ان يتنازل عنها الا باذن القضاء , فالسلطة الابوية كما هي حق من حقوق الاب فهي بالوقت ذاته واجباً مفروض عليه غير خاضعة للتنازل لمنع وجود الفراغ الرعوي مفاجيء عند الاسرة  , لذلك جاءت القواعد القانونية التي تحكم السلطة الابوية بنصوص آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها .

ثالثاً : المدى الزمني للسلطة الابوية:

القانون عندما منح الاب السلطة الابوية لم يتعامل معه باعتباره السيد المطلق في اسرته او حاكماً لاسرته بقوته الذكورية فهو بعد  ان اخضع سلطته الابوية لرقابة القضاء فانه جعل منها سلطة مؤقتة محددة بزمن معين لا سلطة دائمية بدوام حياة رب الاسرة و تمتعه بالشخصية القانونية , و الغرض هو فسح مجال الواسع امام الأولاد الذكر منهم او الانثى لصناعة شخصيته المستقلة و تحمله المسؤولية الاجتماعية في مقتبل العمر لان المسؤولية تصنع شخصية قوية يمكن للمجتمع ان يعتمد عليها لان استمرار السلطة الابوية طيلة حياة الاب يعني ان الولد سيتصف بالاتكالية مما يخلق منه شخص خائف من المجتمع مهزوز لا يواجه الحياة , فان القانون بسبيل ذلك يُجبر الولد على الاستقلال و المسؤولية من خلال انهاء السلطة الابوية بزمن معين.

و القانون اعتمد عدة معايير فاصلة لانهاء السلطة الابوية , منها ما يكون انتهاء الطبيعي للسلطة الابوية و منها ما يكون انتهاء قضائي و منها ما يكون انتهاء فعلي واقعي :

1-  الانتهاء الطبيعي للسلطة الابوية :

و تنتهي السلطة الابوية انتهاءاً طبيعياً ببلوغ الصغير سنة الرشد الذي قدره القانون بعمرين اثنين هما:  1- بلوغ الصغير سن (18) سنة بموجب المادة (106) من القانون المدني العراقي 2- بلوغ الصغير سن (15) على ان يكون مأذون بالتجارة فانه يكون بمثابة بالغ السن الرشد الطبيعي بموجب المادة (99) من القانون المدني العراقي . و القانون عندما قدر هذين العمرين الذي بهما يخرج الولد الى الفضاء السلطة على نفسه و امواله فانه قدر انه كان قبل بلوغه سن الرشد منذ ولادته كان بحاجة الى الرعاية و الرقابة بسبب حالته الجسدية و العقلية التي تفرض عليه واقع الضعف و القصر لذا فان القانون لاجل رعاية هذا الكائن البشري الضعيف خلال هذه المدة منح الاب السلطة الابوية لتمكينه من رعاية ولده و حمايته و تلبية حاجاته الاساسية و الضرورية لحين ان يتمكن الولد من رعاية نفسه و امواله بنفسه و رعاية مصالحه و الدفاع عنها بنفسه .لذا فان السلطة الابوية تنتهي ببلوغ سن الرشد هذا لان الغاية من وجودها انتهت فهي تنتهي بانتهاء حالة الضعف و القصر .

2-  الانتهاء القضائي للسلطة الابوية :    

القضاء و هو يمارس واجب الرقابة على السلطة الابوية قد يضطر الى انتزاع السلطة القضائية من الاب بسبب تعسفه في استعمالها او انحرافه عن طبيعتها القانونية الايثارية و عن غايتها الاخلاقية مما تكون وجودها عند الاب خطراً على الصغير او على المجتمع  فينتزعها من الاب و يعهد بها الى أقارب الصغير الامناء بموجب قانون رعاية الاحداث  رقم (76) لسنة 1983

3-  الانتهاء الفعلي للسلطة الابوية

قد لا تنتهي السلطة الابوية انتهاء طبيعي ببلوغ سن الرشد و لا تنتهي بانتزاعها من الاب بقرار قضائي , و انما قد تنتهي فعلياً كأمر واقع حتى قبل بلوغ سنة الرشد و حتى عندما يمارسها الاب وفق غايتها الايثارية لصالح الولد و ذلك من خلال الاستقلال الاقتصادي للولد الذكر او الانثى , اذ قد يحصل الولد على فرصة عمل او اموال تمكنه من عدم الاحتياج للأموال من جهة الاب , فالمادة (59) من قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 لم تلزم الاب بالنفقة على الولد القادر على الكسب الا اذا كان عاجزاً او طالب علم و لم تشترط بلوغه سن الرشد , و القانون في هذه المادة يشجع افراد الاسرة نحو الاستقلال الاقتصادي و يجبرهم على تحمل مسؤوليات انفسهم بانفسهم حتى قبل بلوغ سنة الرشد رغبة منه في تعجيل انهاء السلطة الابوية حتى قبل اوانها القانوني و منع الاتكالية, فالاستقلال الاقتصادي ينهي السلطة الابوية فعلياً و مبكراً.

مما تقدم , يمكننا ان نرى ان الاب الذي يتربع على الهرم الاسري في النظام الاجتماعي و القانوني العراقي و الذي يملك زمام السلطة الابوية لم يمنحه القانون هذه السلطة لكونه ذكر او نصرة للجنس الذكري و انما منحها للاب لكونه الطرف الاقدر على حماية الاسرة و رعاية مصالحها و صيانة توازن الجماعة الزوجية , لما يتمتع بقية افراد الاسرة (الزوجة- الصغار) من ضعف و عجز عن اقامة هذه الحماية و صيانتها , لذا كلف القانون اقدرهم لممارسة هذه السلطة التي هي في طبيعتها واجب ايثاري - اخلاقي , لا يتقاضي على ممارستها اجر , هذه السلطة لا يجب ان يمارسها الاب لاشباع رغبات تكوينه الذكوري في التحكم و انما لتنظيم الحرية و تشجيع المبادرة و الحث على المشاركة و ابعاد الاسرة عن الاتكالية و تقريبها من الاستقلال الفكري و الاقتصادي  و تكوين بيئة اسرية تفاعلية تقوم على توازن الحقوق و الالتزامات , و الاب رائد هذا التكوين الاسري. فجاء التنظيم القانونية للسلطة الابوية من هذا المنظار من خلال تحديد طبيعتها القانونية و اخضاعها للرقابة القضائية و تحديد مداها الزمني المؤقت فان القانون بهذا التنظيم القانوني للسلطة الابوية لا يعتبرها سلطة ذكورية بل هي سلطة انسانية ايثارية .