التفاصيل
مناخات البنى المؤسسة للتطرف

مناخات البنى المؤسسة للتطرف

القاضي ناصر عمران

2021-12-14 07:47:00

يشكّل التطرف ظاهرة حياتية تستمد كينونتها الوجودية من مجموعة عوامل فاعلة تتسق بها وتمنحها النمو والتعافي لتشكل تغولاً اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً يوسم راهن يومنا ويرسم طريقا مجهولا لمستقبلنا، ويعد مفهوما عصيا على التحديد ولعل اشارته اللغوية في المعنى باعتباره (تجاوز حد الاعتدال) هو في حد ذاته غير دقيق بارتهانه الى مكان وزمان معينين فما يعنيه  الاعتدال في مرحلة زمنية معينة وفي مكان محدد قد لا يعني ذات مفهوم الاعتدال في مكان وزمان آخر، وحين نضعهما في ثنائيات معينة، فالتطرف والاعتدال مفهومان متغيران بحسب مناخاتهما البيئية والاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية،فحين يعرفه القاموس العربي بالغلو فان للمفهوم الانكليزي اللغوي معنى مقارب له  والذي يعني : "حالة الذهاب إلى أقصى الحدود"  والانغلاق العقائدي والجمود الفكري وهو أسلوب خطِر مدمِّر للفرد أو الجماعة"، وهُناك مرادفات لكلمة تطرف، ومنها:  الدوجماطيقية والتعصب.

 والتطرف: عملية بناء مؤسس لتنمية المعتقدات والعواطف والسلوكيات بشكل غير صحيح فضلاً عن المعتقدات الخاطئة والتي هي قناعات عميقة تتعارض مع القيم الأساسية للمجتمع، وبالنهاية  فإنَّ التطرف تعبير عن سلوكيات مُخالفة للقيم والمبادئ، الاجتماعية والثقافية  تتخذ هذه السلوكيات أفعالا مجرمة تنتهك الاسس الاجتماعية التي دأب المجتمع على تنميتها والتي تؤمن بحالة التنوع والاعتدال والوسطية سلوكا ومنهجاً وتعني كلمة مُتطرّف حسب ما يراه المفكرون بالتحديد: "الفرد الضعيف الذي يقوم بتغيير تصوراته ومعتقداته بسبب التعرض لتأثير (قد يكون عبر الإنترنت أو منشوراً أو اتصالا مباشرا بين شخص وآخر) ليصبح أكثر تطرفاً بطبيعته مما قد يؤدي إلى أعمال متطرفة" وهناك مجموعة كبيرة من المفاهيم تندرج تحت أنواع التطرف؛ ومنها التطرف العنيف والذي يُشير إلى التعبير عن الآراء والمُعتقدات بأعمالٍ إرهابية، كذلك الحال بالنسبة إلى التطرف الفكري والذي يغرس مفاهيم ومعتقدات خاطئة لدى الفرد مُخالفة للقيم الأخلاقية، والتطرف الاجتماعي والسياسي والعلمي. والتطرف هو أكثر الأسلحة الفتاكة التي تُدمر المُجتمعات، بكافة أشكاله وأنواعه، لذلك ينبغي على الفرد والجماعات مُحاربة جميع الأفكار والمُعتقدات التي ليس لها أي صلةٍ من الصحة، والابتعاد عن الجماعات المشبوهة، والحرص على التمسك بالأفكار والتعاليم المبنية على القيم الأخلاقية والتربوية. ويرى  العالم الامريكي الاجتماعي النفسي (اريك هوفر) ان الحجر الاساس في عملية التطرف هو الاحباط  وبذلك يقول: ( إن إحباطنا عندما نملك الكثير ونريد المزيد يفوق إحباطنا عندما لا نملك شيئاً ونريد القليل، نحن أقل تذمراً حين نفقد أشياءً كثيرة منا، حين لا نفقد إلا شيئاً واحداً). ويرى في اليأس والبطالة مناخا خصبا للتطرف : (ان اليأس الذي تسببه البطالة لا ينبع من خوف الفقر فحسب، وإنما من مواجهة مستقبل من الفراغ؛ والعاطلون ينزعون إلى اتباع الذين يبيعونهم الأمل قبل اتباع الذين يقدمون لهم العون.) فبضاعة الجماعات المتطرفة في الايقاع بضحاياه هو انهم يبيعون له الامل الخادع الوهمي وحين لا يجد هؤلاء الرعاية المطلوبة يكونون صيدا سهلا للمتطرفين.

 ان وجود متطرفين بالتأكيد يعني في طرفه الآخر ان هناك معتدلين قادرين على التأثير والتأثر بالضد من هؤلاء، وكما يقول هوفر (لا شيء يعزّز ثقتنا بالنفس ويساعدنا على العيش معها كالقدرة المستمرة على الإبداع: أن نرى الأشياء تنمو وتكبر بين أيدينا يوماً بعد يوم).

 ان  الهيكلية التنظيمية لحالة التطرف تشكل ثنائية مهمة اولها الهيكلية البنيوية للتطرف وهذه مرتبطة بالناحية البايلوجية الجينية التي تتم الاشارة اليها منذ مرحلة الطفولة وتتمثل بمجموعة من الصفات وهي العناد والميل الى العنف والرغبة في الاستحواذ على الاشياء وتدميرها بعد ذلك، وظهور ملامح التطرف يستدعي فهم مجتمعي للتعامل مع حالات التطرف البنيوي اولا لدى الاطفال ومحاولة الحد منها وتشذيبها وهي اول اسس مكافحة التطرف ثم بعد ذلك تأتي الهيكلية البيئية والتي تشمل البيئة بجميع مكوناتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهذه هي البيئة الخصبة والمناخات المهمة لتنمية التطرف وبناء أسسه، ويرى (هوفر)  في كتابه (المؤمن الحقيقي) فانه اضافة الى الاحباط فان الجماعات المتطرفة تصطاد وتخلق المتطرفين عبر طرق معينة اهمها انها تقدم لهم الامل المفقود فيتبعون المتطرف باعتباره ضوءاً في نهاية نفق حياتهم البائسة، لذلك تجدهم يضخمون ذواتهم عبر الشحن والتغذية الذاتية الراجعة التي ترى في المجتمع او النوع والطائفة والمذهب والمنطقة والامتداد العشائري والقبلي والاكثر الديني هو منتج ذاتي  لابد من تحصينه عبر الغاء الاخر والقضاء عليه، او مصادرة حقوق وحريات الآخرين، ويرى ان هناك محبطين مؤقتين ومحبطين دائمين، تعمل الجهات المتطرفة على استمالتهم والاستحواذ عليهم.

 ان الخطاب المتطرف هو الخالق الحقيقي للمناخات المؤسسة لبنى التطرف والمؤدي بالنهاية الى الإرهاب، والجماعات المتطرفة ترى في الحرية والجمال أعداءها الأزليين لذلك تعمل على استعباد الاخر عبر هيكلية تنظيمية قائمة على الخضوع التراتبي داخل الجماعات بالشكل الذي لا يترك للمتطرف مساحة من الحرية للتفكر والتمعن اضافة الى ان اي رؤى جمالية تعتبر منافية للفكر المتطرف لذلك وعند سيطرة الجماعات المتطرفة الارهابية عملت على الغاء المناهج الاكاديمية عبر مناهج جديدة متطرفة اضافة الى تحطيمها للتماثيل والنصب الفنية والتراثية وهو ما لمسناه وشاهدناه عند تحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان ومدينة الحضر الاثرية في الموصل. ان تجريم التطرف لم يكن بعيداً عن لحاظ المشرع ولكنه موزع في القوانين العقابية ونصوص التجريم الوارد القوانين الاخرى والامر بحاجة معالجة تشريعية يكون محورها تجريم التطرف العنيف يستوعب حالات التجريم المنتشرة في القوانين ليتخذ التطرف قاعدته القانونية الجزائية المجرمة، واذا كانت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف العنيف تعمل على ضرورة العمل لمنع عودة الفكر المتطرف والحد من خطاب الكراهية، فان وجود تنظيم تشريعي موحد يجرم التطرف بكل اشكاله وأنواعه، امر لا غنى عنه لتحقيق ذلك في الجانب العلاجي من الإستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف العنيف.