التفاصيل
الولاية الكاملة للقضاء

الولاية الكاملة للقضاء

القاضية أريج خليل

2021-12-14 07:48:00

  إن دستور جمهورية العراق لعام ٢٠٠٥ حدد اختصاص كل سلطة من السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحيث اضطلعت السلطة التشريعية بمهمة تشريع القوانين لذا يكون من البديهي ان يقوم المشرع بتنظيم تشكيل المحاكم وبيان أنواعها ودرجاتها وشروط تعيين القضاة ونقلهم وانتدابهم وكيفية الأشراف على أعمالهم، والمشرع عندما يمارس هذا الاختصاص المتعلق بتشريع القانون فانه يكون مقيدا بمراعاة نصوص الدستور، وقدر تعلق الأمر بالتشريعات القضائية فان المشرع يكون مقيدا عند تنظيمه شؤون القضاء بالحفاظ على الولاية الكاملة للقضاء والتي منحها الدستور له ولا يجوز للمشرع ان يمس هذه الولاية او ينتقص منها باي وسيلة وإلا عد ذلك خروجا على أحكام الدستور كما لا يمكنه ان يقتطع جزءا من الوظيفة القضائية ويسندها الى جهات اخرى غير قضائية او يمنع القضاء من النظر في بعض النزاعات، كون المشرع عند ممارسته لصلاحياته عليه ان يحترم حق الافراد في اللجوء للقضاء كونه حقا دستوريا لذا لا يجوز اصدار تشريعات تتضمن مصادرة هذا الحق.

وتأكيدا لمبدأ استقلال القضاء يجب ان تنفرد السلطة القضائية وحدها بمهام القضاء وان تمتد ولاية القضاء لتشمل المنازعات كافة وان عدم مراعاة ذلك من قبل السلطة التشريعية عند اصدار التشريعات فيه إهدار لمبدأ استقلال القضاء وانتقاصا من ولايته وهو امر غير جائز خاصة وان احترام أحكام وإجراءات القضاء هو مظهر من مظاهر سيادة القانون وانه يقوي مكانة الدولة ويعزز هيبتها.

ومن مظاهر مصادرة حق التقاضي من قبل السلطة التشريعية هو لجوء المشرع الى إسناد الوظيفة القضائية إلى جهات غير قضائية وهذا يعد انتهاكا لحق الافراد في اللجوء الى قاضيهم الطبيعي، فتضمنت بعض التشريعات تشكيل لجان ادارية من عناصر غير قضائية وقد اعتمد المشرع العراقي اسلوبا مختلفا اعتبره بعض الفقهاء لا يمثل انتهاكا لاستقلال القضاء، حيث نصت بعض التشريعات على تشكيل لجان ادارية للنظر في بعض المنازعات برئاسة قاضي وعضوية اثنين من الموظفين تابعين للسلطة التنفيذية واجاز المشرع الطعن بقراراتها امام محكمة التمييز الا ان هذا الاسلوب ايضا يعد تدخلا في شؤون القضاء وانتقاصا من ولايته الكاملة فضلا الى انه يحرم المتقاضي من درجة من درجات التقاضي وهي الاستئناف لذا فتعتبر ايضا تشريعات تصادر حق التقاضي او تقيده وهي من وجهة نظرنا تشريعات غير دستورية كونها تنال من مبدأ استقلال القضاء وتنتقص من ولايته التي كفلها الدستور.

  الا ان الدستور العراقي ضمن للقضاء وسائل لحمايته من اي تدخل في اختصاصاته او اي محاولة للحد من دوره او تقييد ولايته الكاملة عن طريق تشكيل المحكمة الاتحادية العليا التي تتولى عدة اختصاصات حددتها المادة ٩٣ من الدستور ومن أهمها الرقابة على نصوص القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية وهي ابرز الوسائل التي تحمي بها السلطة القضائية استقلال القضاء وفي حالة صدور اي قانون ينتقص من ولاية القضاء يمكن الطعن به امام المحكمة الاتحادية العليا والحكم بعدم دستوريته فيكون ذلك مانعا للمشرع من انتهاك ولاية القضاء عند سنه لأحكام القانون وتعتبر المحكمة الاتحادية من أفضل الوسائل الرقابية لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم كونها بأيادي مستقلة محايدة.

  فأي تشريع يصدر ويكون مخالفا لمبدأ دستوري كمبدأ استقلال القضاء يجب ان  يتم الطعن بعدم دستوريته كون ان استقلال القضاء ضمانة لسيادة القانون وسلامة المجتمع وأمنه، لذا اقترح تشكيل لجنة لمراجعة القوانين النافذة لغرض تحديد كافة النصوص القانونية التي تتضمن التدخل في وظيفة القضاء او تمس الضمانات المقررة للأفراد في اللجوء الى قاضيهم الطبيعي أو التي تقيد ولاية القضاء في حدود ضيقة كالنصوص القانونية التي تحصن بعض القرارات من رقابة القضاء او تمنع القضاء من النظر في بعض المنازعات بل وأكثر من ذلك ان تقترح اللجنة زيادة عدد التشريعات التي تعزز مبدأ استقلال القضاء والتي تقوي ضمانات القضاة وبالشكل الذي يضمن احترام السلطة التشريعية لهذا المبدأ وعدم الانتقاص من ولاية القضاء بأي شكل من الأشكال.