التفاصيل
القضاء من التبعية الوظيفية إلى استقلالية السلطة

القضاء من التبعية الوظيفية إلى استقلالية السلطة

القاضي ناصر عمران

2022-01-27 13:30:00

لم تكن العدالة والحق ترفا فكريا لدى سكان وادي الرافدين بل هما منهج حياة وعقيدة راسخة شكلا ذراعي ميزان الحكم، لذلك يحتفل العراقيون في العشرين من كل شهر بعيد يسمى (نبتة الحياة) –العيد الأكثر شعبية في العراق القديم- والذي كُرس لإله العدالة (شمش) الذي أنجب ولدين هما (كيتو) و(ميشارو)، أي العدالة والحق، وليس هذا فحسب بل ان ملحمة كلكامش الخالدة والضاجة  بعبقها التراثي الانساني الذي يحاكي الدهور ويدعو البلاد للتغني به،  فهو الذي رأى كل شيء، وكل شيء هنا هي المعرفة ونتاجها(عشبة الخلود)  التي غامر من اجلها كلكامش في سفره الخالد ليقدمها حياة ابدية لسكان اور، وبالرغم من انه لم يحصل على  ذلك  الا انه سطر ملحمته الانسانية والتي شكلت علامة فارقة في رؤيتها الانسانية وسموها الروحي والتي  تختلف عن  ملاحم الامم الاخرى التي كانت تمجد الاستبداد  والقتل وانتصارات مضخمه لآلهة الحرب و الدمار.

ان تفرد ملحمة كلكامش باعتبارها دعوة للقضاء على الشر وتحقيق الامن والسلام عبر اشراك جميع المواطنين في القرار هو أمر رصده الباحثون بعد ان سبروا  غور رمال اوروك ولكش وكيش وبابل فوجدوا انها قد أينعت شرائع قانونية منذ شريعة أور نمو مرورا بمسلة حمورابي، وحين يحتفل القضاء في كل عام في الثالث والعشرين من كانون الثاني، فذلك ليس بالطارئ والغريب انما هو امتداد لعشق سومري قديم، يرى في الحق والعدالة مبتغاه.

ان القضاء العراقي يستمد شموخه التاريخي من مرجعية موغلة في القدم، قبل اكثر من  حوالي (2100) سنة قبل الميلاد حين وضع الملك العادل حمورابي مسلته القانونية التي تشكل تحفة تشريعية وقانونية لما تزل نصوصها تحوي في طياتها الكثير من الرؤى والمبادئ القانونية التي يتبجح عالم اليوم بانه يسعى الى تحقيقها ومن خلال ذلك تحقيق العدالة فحين نتصفح تاريخ القضاء العراقي نجده يتلمس طريقه منذ تأسيس الدولة العراقية ابان الحكم الملكي فبعد الدستور الاول المسمى بالقانون الاساس العراقي الذي حدد السلطات التشريعية والتنفيذية استطاع القضاء ان يحصل على تشريعه التنظيمي بالقانون رقم (31) لسنة 1929 المسمى قانون (الحكام والقضاة )  وبالرغم من صدور عدة قوانين اخرى في العهد الملكي الا انها كانت تدور بالقضاء  في فلك السلطة و بالرغم من صدور القانونرقم (26) لسنة 1963الذي أوجد مجلسا ً للقضاء يرأسه رئيس محكمة التمييز الا ان هذا المجلس لم يكن حكراً على القضاة  بل  ضم في عضويته ممثلين عن السلطة التنفيذية / وزارة العدل لتتغول بعد ذلك السلطة التنفيذية وتشكل مجلساً للعدل بدلاً من القضاء ويراسه وزير العدل، ليلقي بالمنجزات المتحققة ادراج الريح  ويعود القضاء لتبعيته الوظيفية ويدار من قبل وزارة العدل في ظل حكم دكتاتوري تسلطي فقدت فيه مفاصل الدولة حتى اعرافها الادارية فضلاً عن تنظيمها الاداري، وبعد سقوط النظام عزم القضاء على اعادة تنظيم اوضاعه وكانت خطوته الاولى تشكيل مجلس للقضاء خارج هيمنة  وزارة العدل وبالتالي السلطة التنفيذية فأعيد تأسيس (مجلس القضاء) بالأمر المرقم (35) في 18/9/2003 وجاء في ديباجته (ان السبيل الى فرض حكم القانون هو نظام قضائي من كادر مؤهل وحر ومستقل من التأثيرات الخارجية).ليترجم بعد ذلك استقلاليته المالية اولاً عندما صدر الامر المرقم (12) في 8/5/2004 وقضى بفصل موازنة مجلس القضاء عن وزارة العدل,  لتتلوه بعد ذلك خطوات  اخرى، حيث  تضمن  الباب السادس من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في 8/3/2004 على استقلال القضاء (كسلطة) مستقلة ع السلطتين التشريعية والتنفيذية يمثلها مجلس القضاء وله موازنة مستقلة عن موازنة وزارة العدل, ويتمتع بالاستقلالية كقضاء وقضاة، ولم يألون القضاة جهداً في تحقيق المحطة المهمة للاستقلالية والسلطة فتحقق لهم ذلك حين نص اول دستور دائم يصوت عليه الشعب في استفتاء شعبي على شكل الدولة وادارة الحكم والتداول السلمي للسلطة وتعدد السلطات في الدولة (السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية) وفق المادة (47) منه وتكون كل سلطة مستقلة بإدارة شؤونها عن الاخرى وفق (مبدأ الفصل بين السلطات ) فكانت حصة السلطة القضائية من نصيب الفصل الثالث من الدستور والذي نظم احكامها واستقلاليتها واستقلال القضاة في المواد (87_101 ) من الدستور،وبالرغم من ان القضاء لم يأخذ فرصته في الاعداد لتشريع قوانين السلطة القضائية  مثل قانوني  الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 وقانون هيئة الاشراف القضائي رقم 29 لسنة 2016 وهو الامر الذي عرض القانونين  للطعن الدستوري امام المحكمة الاتحادية العليا في الكثير من موادهما القانونية والتي حكم بعدم دستوريتها الا انهما مازالا نافذين ينظمان عمل جهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي وهما من مكونات السلطة القضائية، الا ان صدور قانون مجلس القضاء الاعلى رقم 45 لسنة 2017  بتاريخ 23 / 1 / 2017 وضع الاساس  العملي للاستقلالية السلطة القضائية  عبر تنظيم هرمية مجلس القضاء الاعلى باعتباره الهيئة الاعلى في السلطة القضائية، ولم يتوقف سعي القضاء بالتأكيد عند هذا الحد فهناك الكثير من التشريعات النافذة بحاجة الى تضمين هذه الاستقلالية والسلطة في نصوصها القانونية والخروج من هيمنة السلطة التنفيذية ولعل اهم هذه القوانين هو قانون التنظيم القضائي رقم 106 لسنة 1979 المعدل الذي مازال ينص على مقارنة المناصب في السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية سواء بالحقوق المالية أو الصلاحيات الإدارية وهو ما يخالف النصوص الدستورية التي تتحدث عن استقلالية السلطة القضائية.