التفاصيل
شرط التكامل وضرورة الاحالة في صياغة احكام المحاكم الدستورية

شرط التكامل وضرورة الاحالة في صياغة احكام المحاكم الدستورية

أ.د. علي هادي الهلالي - عميد كلية القانون - جامعة بغداد

2022-01-29 21:21:00

اذا كان الحكم افراغ  للقناعة القضائية المتحصلة بعد تمحيص وبحث تجريه المحكمة وهو عنوان الحقيقة القضائية وانعكاسا لحكم القانون على الواقع ومرآة لعقيدة القاضي، فإن حكم القضاء الدستوري يزيد على ذلك لاقترابه من صفات القاعدة القانونية بحسبان  بتاته والزامه وابتعاده عن نطاق التجريح والمطاعن أمام محكمة أعلى، لذا إن كان القاضي  يجوز له عند صياغة  الحكم القضائي الإحالة الى النصوص والاحكام القانونية والشواهد القضائية وغيرها بحدود الضرورة وبقيود الحاجة وبباعث التكامل ولكن بقيود اخصها أن لا تكون الإحالة مؤدية الى الابهام والغموض (1) فإن القاضي الدستوري يتقيد  بضابط التكامل عند صياغة حكمه بحسبان نهائية احكامه وبتاتها والزامها (2)، ولكن هل تمتنع عليه الإحالة؟

لا يتصور أن يعزل القاضي الدستوري حكمه عن متبنياته الدستورية والتشريعية والقضائية والوقائع، بل أن مقومات حيثيات حكمه تستند الى تلك المتبنيات، ويستوسق الحكم الدستوري بها، وتتكامل حيثياته منها ولكن هل للاحالة قيود؟ وهل  يرتقي وصف المتبنيات المحال اليها في الحكم إلى ما يتصف به الحكم  الدستوري نفسه بحسبان انها أدرجت فيه ؟ ، بمعنى: لو أحال القاضي الدستوري الى نص دستوري غير  النص الذي تدور حوله الدعوى الدستورية فهل تعد تلك الإحالة بمثابة تفسيرا عرضيا  لذلك النص؟ وماذا  لو أحال الى نص تشريعي فهل تعد تلك الإحالة اكساء الدستورية له وعدم قبول الطعن الدستوري فيه مجددا وبخاصة اذا لم تتصدى لبحث دستوريتها ؟ وماذا لو أحال الى اعمال قانونية مارستها احدى السلطات فهل  ان تلك الإحالة تلبس تلك الاعمال لبوس المشروعية ؟ وماذا لو أحال الى ممارسة أو عمل قامت به احدى  السلطات فهل أن تلك الإحالة تكسيها الالزام وتحولها الى قاعدة عرفية دستورية ملزمة؟

إن أنواع الإحالة المتسائل عنها، وغيرها، لا تحيط بجميع صور الإحالة اللازمة لاخراج الاحكام القضائية الدستورية الى حيز الوجود، لذا  يجب أن نحدد ضوابط للاحالة، وحدودها، وأثرها، حتى يكون ايراد  الاحالات في الاحكام القضائية بحدود الضرورة التي تقتضيها  اصدار الاحكام وتمام حيثياتها وبيانها وليست مدخلا لغموضها أو تعارضها.

إن إحالة القاضي الدستوري الى نص دستوري أو قانوني أو عمل قانوني أو وقائع  وايرادها في  صياغة الحكم الذي يصدره، سواء أكانت الإحالة الى تمام النص أم أجزائه أم كانت اقتباسا نصيا  له أم  بحدود الإشارة الى رقم المادة، فإنها ترتبط بحيثيات الحكم لا بفقرته الحكمية، وتتصل باسانيده وليس بما توصل اليه، بمعنى: إن الإحالة ترتبط بالتسبيبات وليس بالنتائج.

ومن الواضح أن لا مناص من الإحالة بالمعنى المتقدم كون النص القانوني المراد الحكم بدستوريته، أو النص الدستوري المراد تفسيره، وغير ذلك من الاحتمالات التي تستوعبها اختصاصات المحاكم الدستورية، لا تكون منبتة الصلة عن غيرها من النصوص التشريعية والدستورية التي تدور في فلكها، ولكن الإحالة مقيدة بضرورة الوصول الى النتيجة الحكمية لا أن تكون الإحالة استعراضا بحثيا مجردا  تجريه المحكمة الدستورية، ولا أن تكون إحالة مؤدية الى ربط النصوص المحال اليها بالنتيجة الحكمية التي توصلت اليها المحكمة، أي: أن لا تكون مبتغاها ادراجها بما توصلت اليه المحكمة من  قناعة ترتبط بمدى دستورية النص أو بتفسيره، بمعنى: أن لا تدخل بالنطاق الذي فصلت به المحكمة وقالت كلمتها الأخيرة  فيه، إذ لا يصح أن تدخل بذلك النطاق وإلا استعصم النص المحال اليه بالنتيجة الحكمية التي توصلت اليها المحكمة رغم كون النص لم يكن داخلا  في البحث المعمق للمحكمة ولم تحط بتفاصيله، فضلا عن كونه لم يكن ضمن مندرجات الدعوى الدستورية أو الطلب التفسيري.

ولكن المحكمة الاتحادية العليا سارت بمنحى آخر حينما توصلت الى تفسيرات دستورية من خلال دعاوى فحص الدستورية، مثلما  توصلت  الى  تفسير نصوص دستورية صريحة أو مبادئ دستورية عامة وهي تبحث في مدى دستورية نصوص قانونية ((3))، بينما كان الأولى أن تكون الاحالات الى النصوص المحال اليها متوقفة بحدود الاسناد للتسبيبات دون ان تبلغ مبلغ الإحالة التي تحسم معنى النص أو دستوريته حتى لا يكون حسما متعجلا دون تبصر، وبالمسار نفسه فإن الإحالة الى وقائع مادية أو اعمال  قانونية لا يستتبعها  الحكم عليها أو تأطيرها بالمشروعية، فالاحالة الى الانتخابات أو إجراءاتها بمناسبة البحث في دستورية قانون انتخابي، مثلاً، لا يكون حاكما عليها بالصحة، كما أن الإحالة الى وقائع التصويت لاقرار القانون بمناسبة البحث في جانب موضوعي لذلك القانون لا يكون حاكما  على تلك الوقائع بالصحة أو الدستورية طالما لم يكن الطعن منصبا عليها ولم تكن المحكمة قد استفاضت ببحثها فيها، كما أن الإحالة الى القانون الأجنبي أو معاهدات أو اتفاقيات أو إعلانات دولية بمناسبة البحث بمدى دستورية نص يعنى بحق من حقوق الانسان مؤطرا  تأطيرا دوليا  في تلك النصوص المحال اليها لا يعني بالضرورة أن تلك النصوص تمثلا  مصدرا  أو مرجعا  في تفسير النص القانوني محل البحث أو بيان نطاقه او تقرير دستوريته.

مجمل القول أن ضرورة الإحالة يجب أن تكون بينة جلية في الحكم القضائي، وأن لا تؤدي الى الغموض والابهام لحكم  المحكمة، وأن تكون بحدود الاسناد وليس التقرير والحكم على المحال اليه.

((1))  د. اشرف توفيق شمس الدين. اصول اللغة القضائية، دار النهضة العربية للنشر، 1998 ص59

 ((2)) المادة/ 94 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، والمادة/195 من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014 المعدل النافذ.

((3)) أ.د علي هادي الهلالي، النظرية العامة في تفسير الدستور، منشورات زين الحقوقية، بيروت/لبنان 2011، ص ص 218 ـ 226