التفاصيل
دائرة البحث الاجتماعي في قضاء الأحداث

دائرة البحث الاجتماعي في قضاء الأحداث

القاضي وائل ثابت الطائي

2022-02-16 08:00:00

إن الفكرة الأساسية من إيجاد قضاء الأحداث على مستوى مرحلتي التحقيق والمحاكمة هو السعي لإصلاح هذه الشريحة المعرضة للتشرد والانحراف والجنوح, والعمل الدؤوب على اتخاذ كافة الوسائل العلمية الحديثة في التعامل معها من اجل الوصول الى نتيجة واقعية متمثلة بتهذيب سلوكهم وإعادتهم الى المجتمع شأنهم شأن أقرانهم الآخرين، ومن أجل هذه الفكرة، ولغرض رسمها على ارض الواقع، وجدت محاكم الأحداث بكل تشكيلتها ومفاصلها وأهم ماتتميز به هذه المحاكم صلتها المباشرة بأصحاب الاختصاص في العلوم الاجتماعية والنفسية، وفي مقدمة ذلك مختصين في البحث الاجتماعي الذين يمارسون أعمالهم في كل دعوى من الدعاوى المعروضة امام محكمة الاحداث ولا يقتصر عملهم على بيان وقائع الدعوى وكيفية وقوع الفعل الجرمي بل تتركز دراستهم وبشكل مباشر بحالة الحدث الاجتماعية والوسط العائلي الذي كان فيه والمؤثرات التي دفعته نحو الجنوح وأسباب إقدامه على ارتكاب الأفعال المخالفة للقانون، من اجل ذلك وضع المشرع في قانون رعاية الأحداث في المادة (51/1) حكما إلزاميا على قاضي التحقيق بارسال الحدث الى مكتب الدراسة الشخصية الذي يتضمن البحث الاجتماعي والتقرير النفسي في حين ترك الامر بالخيار في اتخاذ هذا الاجراء في جرائم الجنح.

ولم يقتصر الأمر على مرحلة التحقيق فقد عمل المشرع على ان تكون تشكيلة المحكمة المؤلفة برئاسة قاض من الصنف الثالث على الأقل من عضوين يكون أحدهما مختص بالعلوم ذات الصلة بشؤون الأحداث ممن له خبرة لا تقل عن خمس سنوات في هذا المجال وبذلك جعل من الباحث الاجتماعي عضواً في المحكمة ليفحص عن قرب وضع الحدث من خلال وقائع الدعوى المعروضة أثناء المحاكمة. وحتى بعد صدور الحكم وعند فرض تدبير مراقبة السلوك نص المشرع في المادة (88/ثانيا) على ان يكون مراقب السلوك من الحاصلين على شهادة بكالوريوس في علم الاجتماع او الخدمة الاجتماعية او العلوم الاخرى ممن لجديه خبرة لاتقل عن ثلاث سنوات، ويلاحظ ان توجه المشرع في قانون رعاية الاحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983 على تطعيم الهيئة القضائية الثلاثية المشكلة في جرائم الجنايات بان يكون احد اعضائها من الاختصاص الذي سبق التنويه عنه.

ان التجارب العملية أظهرت بان عمل هؤلاء الاختصاصيين وتحديداً الباحث الاجتماعي كان له الأثر الطيب بشأن جنوح الأحداث، فآراؤهم ومعلوماتهم المقدمة الى المحكمة من خلال تقرير مكتب الدراسة الشخصية كان له أهمية في إعطاء تصور للمحكمة عن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الحدث الجانح وتشخيص حالات الجنوح وأسبابها في كثير من الدعاوى واقتراح طرق المعالجة، والحقيقة أن محكمة الأحداث وعند فرضها للتدبير في حالة ادانة الحدث كثيرا ما تتلمس من محتويات تقرير البحث الاجتماعي ما يرشدها الى اتخاذ التدبير المناسب والملائم لحالة الحدث الجانح.

ومع كل هذه الاهمية لابد من الاشارة ان قضاء الاحداث بأمس الحاجة الى زيادة فعالية هذه الاختصاصات واعطائها دورا ملموسا في الدعاوى المعروضة على هذا النوع من القضاء, ذلك لان واقع حال دائرة البحث الاجتماعي وبشكل عام تعاني من عدة مشاكل يأتي في مقدمتها قلة الكادر المتخصص في هذه العلوم الاجتماعية امام زخم الدعاوى التي تعرض عليهم حيث ان عملهم لا يقتصر على دعاوى محكمة الأحداث بل العمل الرئيسي هو البحث الجاري في دعاوى الاحوال الشخصية التي تتطلب ان تمر من خلال دائرة البحث الاجتماعي وهذه الدعاوى أعدادها لا تتلاءم مع عدد الباحثين الاجتماعيين الموجودين في دوائر الاجتماع, ويضاف الى ذلك ان دائرة البحث الاجتماعي ينبغي تفعيلها بشكل أكبر وتزويدها بالامكانيات الضرورية التي تجعل من عملهم بحثاً ميدانياً يعاين الباحث الاجتماعي عن قرب حالة الحدث داخل اسرته والمنطقة التي يسكنها والبيئات الاجتماعية الاخرى التي كان فيها وان لا يقتصر عمله على الجانب المكتبي النظري وهذا يقتضي زيادة امكانية هذه الدائرة من خلال رفدها بالكادر المتخصص مع تزويدها بالإمكانيات المادية التي تعينها على انجاز المهام الموكلة اليها.