التفاصيل
الحماية الجنائية للفضاء السيبراني

الحماية الجنائية للفضاء السيبراني

القاضي د. صفاء الدين الحـﭽـامي

2022-02-16 08:07:00

يُعرّف الفضاء السّيبراني بأنه المجال المجازيّ لأنظمة الحاسوب والشبكات الإلكترونية حيث تُخزن المعلومات الكترونياً وتتم الاتصالات المباشرة عبر شبكة الاتصالات الدّولية المعروفة اختصاراً باسم الإنترنت، والتي أصبح استخدامها مع الوسائل الالكترونية أمراً لا مفرّ منه على جميع الأصعدة وفي جميع الدّوائر العامّة والخاصة أو على مستوى الأفراد العاديين، لِما تحقّقه من يُسر وسرعة في أداء الأعمال والتّعامل مع المعلومات, كما هو الحال مع التطبيقات الخاصة بالحكومة الإلكترونية، والصحة الإلكترونية، والتعليم عن بعد، والاستعلام، والتجارة الإلكترونية، وغيرها الكثير.

 وتستخدم عبارة “جرائم سيبرانيّة” في ذات المعنى مع الجرائم الإلكترونية,ويعرف الأمن السيبراني باسم أمن تكنولوجيا المعلومات أو أمن المعلومات الإلكتروني، وهو ممارسة الدفاع عن أجهزة الكمبيوتر والخوادم والأجهزة المحمولة والأنظمة الإلكترونية والشبكات والبيانات من الهجمات الضارة, ويرتبط الأمن السّيبراني ارتباطاً وثيقاً بأمن المعلومات, فالوصول إلى هذه الأخيرة، أو بثها أو الاطلاع عليها والمتاجرة بها، أو تشويهها واستغلالها، هو ما يقف في أغلب الأحيان، وراء عمليات الاعتداء على الشبكات وعلى الإنترنت, فالجريمة السيبرانية جريمة مستحدثة، مرتبطة أساساً بوجود نظام معلوماتي، وتُرتكب من مجرم متميّز ذي دراية كافية بطريقة عمل هذا النّظام واستغلاله في القيام بأعمال غير مشروعة, وهذه الجرائم إمّا أن يكون محلّها المال، وامّا أن يكون محلّها الأشخاص وامّا أن يكون محلّها الحقوق الذّهنية كحقّ المؤلّف, ولما لذلك من خطورة قصوى قد تؤدي للانهيار الاقتصادي كما حدث في عدد من الدول بسبب عمليات القرصنة المنظمة على بنيتها السيبرانية أو الانهيار الأمني بمعناه السياسي, كما يمكن ان تؤدي تلك التداعيات إلى انهيار أخلاقي واجتماعي.., فالتقنيات التي وسعت الآفاق سمحت للثقافة المحلية بالامتداد إلى المجال العالمي,وباتت تهدد الهوية الوطنية, مع تأثر الأجيال الصاعدة بما يصلها وبما تصل إليه عبر الإنترنت، حيث تبدو الهوية وكأنها خاضعة لعملية إعادة تشكيل، من خلال تكنولوجيا المعلومات، وحرص الغالبية العظمى من الناس، على استخدامها في تكوين مجتمعهم الخاص، وبيئتهم المميزة,وعلى الرغم من المخاطر المتزايدة التي تشكلها الهجمات الإلكترونية بكافة أشكالها، إلا إن اْلُمَشّرع لم يتخذ اجراء تشريعيا بشأن مسألة حماية الفضاء السيبراني, مثل ما فعلت أغلب دول العالم.

وقد تصدى القضاء العراقي لذلك ووسع نطاق النّص الجنائي ليستوعب هذا النّوع من الجرائم من خلال تكييف الوقائع المعروضة عليه الى النص القانوني الملائم وبما يضمن حماية الفضاء السيبراني, ذلك لأن التّفاعل الأبدي ما بين القانون والواقع يقتضي مواجهة مستجدّاته عبر تطويع نظريّات ومفاهيم ومبادئ وأفكار القانون القائمة، والمرونة في تطبيقها.

وعلى الرغم من ذلك نتمنى على اْلُمَشّرع أن يتصدّى ويضع القواعد القانونية الملائمة لحماية الفضاء السيبراني للاستفادة من هذا المستحدث العلمي، حتّى تُحفظ الحقوق المالية والشّخصية والفكرية المترتّبة عن التّطور التكنولوجي السيبراني الالكتروني من أيّ اعتداء محتمل، من خلال سنّ قواعد قانونية خاصّة تجرّم كلّ فعل يهدف إلى الاعتداء على هذه الفضاء، أو يهدف إلى استخدامه كوسيلة لارتكاب إحدى الجرائم.