التفاصيل
شرط السمعة الحسنة للترشيح لرئاسة جمهورية العراق في ظل حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 17/اتحادية/2022 في 13-2-2022

شرط السمعة الحسنة للترشيح لرئاسة جمهورية العراق في ظل حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 17/اتحادية/2022 في 13-2-2022

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي/ عميد كلية القانون – جامعة بغداد

2022-03-14 21:17:00

حدد دستور جمهورية العراق لسنة 2005 شروطاً عدة في الترشيح لرئاسة الجمهورية ((1)) ، وأوجبها على المرشح لرئاسة الوزراء وزاد عليها ((2)) ؛ وتستقر أهمية الشروط ونطاقها في مهام المنصب وأهميتها مسقر القلادة على جيد الفتاة ، فإذا كان رئيس الدولة رمزاً لوحدتها ويحافظ على استقلالها وسيادتها وغيرها من الصفات والواجبات والمهام ((3)) فلا تثريب إن كان المشرع الدستوري قد أحكم نطاق شروط تولي المنصب مراعياً الجنبتين السياسية والقانونية مجتمعة ، إذ لا تغني إحداهما عن الأخرى ، بل سعى الى اقصى غايات المثالية في تحديده للشروط حين اشترط "السمعة الحسنة" في المرشح ((4)) ، مما يتطلب تحديد معنى الشرط وبيان ذاتيته المستقلة وأدلة انتفائه ؟ .

حددت معاجم اللغة معنى "السمعة الحسنة" بانها : " نقي السيرة " ((5)) ، وحددها القضاء المصري بأنها:" مجموعة من الصفات والخصال يتحلى بها الشخص فتجعله موضع ثقة المجتمع وتنأى به بعيداً عن مواطن السوء والشبهات " ((6)) .

ويظهر إن توجه المشرع الدستوري هو استقلالية شروط تولي منصب رئاسة الدولة وتأطير ذاتيتها المتميزة وإن كانت تلك الشروط متكاملة متراصة ، وبخلاف هذا الفهم يكون تنوع الشروط وتعددها الوارد في الدستور لغواً ، وهذا ما تتأباه الصياغة التشريعية المثلى .

ولكن إن كانت الالفاظ التي يستخدمها المشرع الدستوري في تعداد شروط تولي منصب رئيس الجمهورية قد قصد منها المشرع الاستقلالية والذاتية فإن تلك الالفاظ قد لا تكون دالة على معانيها بما يظهر الابهام والغموض والشك عليها ، ويعسر فهم نطاقها ودلالتها ، لذا فإن مما يُسهل الفهم ويوضح المعنى ويحدد النطاق هو مقاربة شروط تولي المنصب مع الواجبات والمهام ، فاختصاص رئيس الدولة بإصدار العفو الخاص ، والقوانين مثلاً ((7)) ، يتقارب مع شرط عدم المحكومية بجريمة مخلة بالشرف ((8)) ، ولكن الفهم يصعب من دون أن يستحيل كلما توارى معنى شرط تولي المنصب ولم يمكن مقاربته مع الواجبات والمهام ، وبخاصة إذا ما اقترب الشرط  من الحيز السياسي وابتعد عن النطاق القانوني أو التشريعي .

من الزاوية المتقدمة ظهر شرط  "السمعة الحسنة" بحاجة الى بيان دلالته ونطاقه ، فقد يكون الشرط المذكور متقارباً مع ما يمثله رئيس الدولة من رمزية لوحدة الدولة وممثلاً لسيادته ((9)) ، لذا تتسع دلالة الالفاظ المبينة للشرط لتستوعب "حسن السمعة الداخلية والخارجية" على حد سواء ، فواجبات رئيس الدولة تلك تتعدى نطاق الدولة المحلي وتمتد الى خارج ذلك النطاق ، " فحسن السمعة الدولية" قد لا يقل أهمية عن " حسن السمعة الداخلية" إذا ما سلمنا أن الدول تتعايش وتتفاعل مع المنظومة الدولية بل أن مديات تقدمها وتحسن احوالها السياسية والاقتصادية والمالية واستقرارها والحفاظ على امنها واحترام المجتمع الدولي لالتزاماته ازائها مرتهن بمديات ذلك التعايش والتفاعل والاقتراب .

ولكن هل أن شرط "السمعة الحسنة"  بنطاقيه (الوطني والدولي) يستوجب التحقق من تطابق دلائله الداخلية (الوطنية) والخارجية (الدولية) أم أن تحقق احداهما يكفي ؟ ، وما هي النسبة التي تؤيد قيامه أو تعارض تخلفه ؟ ؛ أظن أن المشرع الدستوري قد اكتفى بالإشارة الى دالة اثباته بتصويت الغالبية ممن يمثل الشعب في المجلس النيابي على تولي المنصب ، ولم ينص على مؤشر تحققه أو تخلفه قبل التصويت((9)) ، بمعنى: سيكون توافر شرط "السمعة الحسنة" اصلاً والمنازعة بانتفائه استثناءاً ، أي: أنه لا يتطلب لقيامه اثبات وجوده ولكن ادعاء انتفائه يشترط الاثبات ، إذ لا يصح أن يطالب المرشح لتولي المنصب باثبات شرط "السمعة الحسنة" بدليل كتابي أو سواه وإلا لكان تكليفه بمستحيل ، فلا يمكن اعتبار تقديم وثيقة " عدم المحكومية " مثلاً دليلاً لازماً للتحقق من توافر الشرط بل ربما مؤشراً على تأييد تحقق الأصل  وبالنتيجة لا يعد حائلاً دون اثبات تخلف تحقق الشرط حتى في حالة تقديم تلك الوثيقة من قبل المرشح نفسه ، وبخاصة أن هذه الوثيقة هي لإثبات شرط آخر من شروط تولي المنصب وهو شرط عدم المحكومية، وبخلاف هذا الفهم ستكون شروط تولي المنصب متداخلة في المفهوم والاثبات والنفي وهذا ما لا يمكن قبوله في التعامل مع الصياغات التشريعية وبخاصة الدستورية منها .

إن التحليل المتقدم باعتبار شرط "السمعة الحسنة" أصلاً ثابتاً لا يثقل المرشح باثبات وجوده بل يكلف المعارض بنفيه يجد مرتكزه بمبادىء دستورية عدة أخصها: "مبدأ المساواة" ((10)) ، و"تكافؤ الفرص" ((11)) ، و "الأصل البراءة" ((12)) ، وغيرها من المبادئ التي يتفرع منها " الحق في السمعة الحسنة " لدى الافراد كافة ما لم يستمكن الدليل المناهض من نفي وجوده .

ولعل ما يؤيد التحليل المتقدم أن الشرط نفسه لم يكن صريحاً بيناً ضمن الشروط التي حددها المشرع الدستوري في النائب لعضوية مجلس النواب ((13)) ، والوزير ((14)) ، رغم اشتراك رئيس الجمهورية و النائب في تأدية القسم الدستوري نفسه ((15)) ،   كما يؤيده خلو الدساتير المقارنة من التصريح به ((16)) .

استناداً إلى ما تقدم قبلت المحكمة الاتحادية العليا الطعن في انتفاء شرط "السمعة الحسنة" من أحد مرشحي رئاسة الجمهورية في القضية بالعدد (17/ اتحادية/2022 في 13-2-2022 ) ، وبغض الطرف عن التداخل البين في الاسانيد التي بدت في الحكم متشابكة وبخاصة في نوع الاختصاص الذي مارسته المحكمة فيما إذا  كانت قد استندت الى اختصاصها في الرقابة على دستورية القوانين (المادة /93 – أولاً) أم استندت الى اختصاصها في  الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية (المادة /93 – ثالثاً) من جهة ، وعدم بروز تحقق شرط المصلحة في قبول الدعوى ومدى صحة مخاصمة قرار مجلس النواب المتخذ في 31-1-2022 المتضمن قبول ترشيح (ه ز ) لمنصب رئاسة الجمهورية وعدم سمو القرار المخاصم الى منزلة القوانين من جهة أخرى .

        إلا أن المحكمة استوقفت "بحق" عند استقلالية شرط "السمعة الحسنة" وذاتيته الخاصة عن باقي شروط الترشح لرئاسة الجمهورية الأخرى ، فضلاً عن كونها قد ربطت "بحق" بين فهم مدلولات شروط الترشح لرئاسة الجمهورية من جهة و المهام والصلاحيات التي يتولى رئيس الجمهورية ممارستها من جهة أخرى ، وهذا ما يستقيم مع وجوب اقتران الشروط بالمهام كما اوضحنا ، ولكن المحكمة جنحت الى هدم اصل "السمعة الحسنة" بثبوت وجود قرار برلماني صادر بأغلبية 158 عضواً في الدورة البرلمانية السابقة والمتضمن سحب الثقة من المرشح "ه ز" .

ان المسار القضائي في هدم وجود شرط "السمعة الحسنة" عند ثبوت قرار برلماني سابق بالأغلبية ومصطبغ بالصبغة السياسية فيه ركون الى التثبت من قيام شرط "السمعة الحسنة" وانتفائه بدلائل سياسية فقط مما يجعله مرتبطاً بمفاهيم سياسية مرنة، بخلاف التثبت من باقي شروط تولي المنصب التي  تستقيم على دلائل قانونية أو كتابية موثقة ، ولكن مرتكزات هذا المسار القضائي لا تكفي " بمفردها"  في نفي تحقق شرط "السمعة الحسنة" وبخاصة أن القرارات ذات الصبغة السياسية تكون متذبذبة بين فترة وأخرى ولا أدل على كون المجلس النيابي نفسه الذي اصدر قرار سحب الثقة بحق المرشح "ه ز " في وقت سابق ، قد منع استبعاد أي مرشح من الانتخابات بسبب فقدانه شرط حسن السيرة والسلوك بموجب قراره بالعدد 2535 في 19/ 3/ 2014 ، وأيد المنحى نفسه في قبول ترشيح الشخص نفسه في الوقت الحاضر بموجب قراره المطعون بعدم دستوريته ، لذا كان على المحكمة استشراف المستقبل وأن يكون حكمها مبيناً لإطار متكامل لشرط "السمعة الحسنة" وأن تكون دلائل نفيه (قانونية – سياسية موثقة) ، لا أن تكون سياسية مجردة لا تدعمها أدلة قانونية أو دلائل تستجمعها المحكمة من بينات ثابته ، وأن تؤسس عقيدتها القضائية بربط شرط "السمعة الحسنة" بوجهيها الداخلي والخارجي بمدى قدرة المكلف برئاسة الدولة على أن يكون رمزاً لها ، والذي لا يقف عند حدود سمعته بالداخل فقط  .

((1)) المادة /68 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .

((2)) المادة /77 من الدستور .

((3)) المواد 67 و 73 من الدستور .

((4)) المادة /68 – ثالثاً من الدستور .

((5)) معجم المعاني الجامع .

((6)) المحكمة الإدارية العليا المصرية  الطعنان 4490 ، 5110 لسنة 55 ق – جلسة 26- 6 – 2010 مجلة هيئة قضايا الدولة – العدد الثالث – السنة الخامسة والخمسون – 2011 .

((7)) المادة /73 من الدستور .

((8)) المادة /78 من الدستور .

((9)) المادة /70 من الدستور .

((10)) المادة /14 من الدستور .

((11)) المادة /16 من الدستور .

((12)) المادة /19- خامساً من الدستور .

((13)) المادة /49 من الدستور .

((14)) المادة /77 - ثانياً من الدستور .

((15)) المادة /50 من الدستور .

((16)) المادة /141 من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014  .