التفاصيل
الرجوع عن الشهادة

الرجوع عن الشهادة

القاضي وائل ثابت الطائي

2022-03-16 07:46:00

الشهادة من وسائل الاثبات المهمة التي يستعان بها في اثبات الادعاء والدفوع على مستوى الدعويين المدنية والجزائية, وان كان دورها في الدعوى الجزائية اكثر اهميةً واعظم خطراً عنها في الدعوى المدنية وذلك يرجع لطبيعة موضوع هذه الدعوى واختلافها عن مواضيع الدعوى المدنية بالاضافة الى ان التشريعات المنظمة لاحكام الاثبات المدني قيدت نطاق تطبيق هذا الدليل حيث لايستخدم الا بوقائع قانونية معينة وفي حدود قيمة محددة , والشهادة بهذا الوصف تعتبر من الحجج القانونية التي تُرفع بها النزاعات وتُحل بها الخصومات وان اختلفت طبيعتها بين موضوع وآخر وبين دعوى وأخرى.

ولأهمية هذا الدليل وكثرة استخدامه واللجوء اليه أردنا ان نقف على منعطف في مسيرته وطريقة استخدامه , هذا المنعطف يتعلق بحالة الرجوع في الشهادة وتحديداً في القضايا الجزائية حيث موارد تطبيق هذه الحالة يجد مكاناً أوسع بحكم ان هذه الدعوى تمر بمرحلتين الأولى مرحلة التحقيق التي يتولاها قاضي التحقيق والأشخاص المساعدين له والمرحلة الثانية مرحلة المحاكمة, والشاهد في كلا المرحلتين يدلي بافادته حول موضوع الدعوى (الفعل الجرمي) ويثبت من خلالها مشاهداته وسماعه لوقائعها ومدى ارتباط المتهم وعلاقته بارتكابها سواء كانت هذه الشهادة اثباتاً ضد المتهم او نفياً لصالحه وهذه الافادة للشاهد تدون في مرحلتي التحقيق والمحاكمة.

عند وصول الدعوى الى مرحلة المحاكمة وعندما تستمع المحكمة الى افادة الشاهد قد تجد مضمون ما أدلى به من افادة يختلف اختلافا كبيراً عمّا تم تدوينه سابقا في مرحلة التحقيق حيث ان الشاهد تراجع عن اقواله السابقة بقصد تبرئة المتهم ومساعدته في الافلات من العقاب أو بالعكس تأكيد ارتباطه بالجريمة وتورطه فيها , والرجوع بالشهادة قد يحصل عن وقوع الصلح والاتفاق بين ذوي المتهم وذوي المجنى عليه او عندما يحتدم النزاع ويتطور بينهما , وامام حالة رجوع الشاهد عن شهادته تجد المحكمة ان الوضع القانوني لهذا الدليل مرتبك قد تغير المضمون في اقوال الشاهد الذي غالبا ما يدعي بان شهادته التي ثبتها امام محكمة الموضوع هي الشهادة الصحيحة ثم يسرد مبيناً الاعذار عن سبب هذا الاختلاف والتباين الذي تعتبره المحكمة حالة رجوع عن الشهادة.

فاذا حصل الرجوع عن الشهادة ماهو الأثر القانوني المترتب عن هذا العمل؟ ومامدى تأثيره على حجية الشهادة؟ وماهو موقف القاضي من شخص الشاهد؟ الاجابة عن ذلك يكون من خلال الفقرتين الاتيتين:

1- تأثير الرجوع على حجية الشهادة في الاثبات:-

ان تعامل محكمة الموضوع (محكمة الجزاء) الجنايات او الجنح مع حالة الرجوع عن الشهادة ينبغي ان يكون تعاملاً دقيقاً لان الشهادة تعد من عناصر التدليل على الوقائع المادية للجريمة في الدعوى الجزائية, وامام حالة الرجوع ينبغي على القاضي ان يستخدم سلطته التقديرية استخداماً أمثل باعتبار ان القضاء الجزائي يمتلك سلطة أوسع في تقدير طرق الاثبات كافة بما في ذلك الشهادة.

ان على المحكمة وزن اقوال الشاهد المدونة في مرحلتي التحقيق والمحاكمة ومطابقتها مع الواقع ومقارنتها مع الادلة الاخرى ولها ان تستنتج ان الشاهد تعمد الرجوع عن اقواله مخالفاً للحقيقة قاصداً توهيم المحكمة حمايةً لشخص المتهم  لغرض تبرئته أو الوقوف ضده بقصد ادانته, وفي مثل هذه الحالة تجد المحكمة ان الافادة المدونة في مرحلة التحقيق هي الافادة الصحيحة وهي الاقرب ال الحقيقة لتطابقها مع وقائع الجريمة وبمقارنتها مع الأدلة الاخرى وان الشاهد أراد بهذا الرجوع اضفاء الضبابية على نظرة المحكمة ووضعها في متاهة تضليلاً وتلاعباً منه في الادلة, وفي مثل هذه الحالة ينبغي على المحكمة اسقاط افادته الاخيرة وعدم اعتمادها دليلاً في الاثبات وتأخذ بافادته الاولى, وقد تذهب المحكمة الى تقييم حالة الرجوع للخروج بنتيجة مفادها عدم الأخذ بمضمون الشهادة كلها المدونة في التحقيق او تلك المدونة في المحاكمة وعدم اعتمادها سببا من اسباب الحكم في ادانة المتهم أو الافراج عنه.

ان الاخذ باحدى الفرضين السابقين يدخل بما للمحكمة من حق مطلق في تقدير اقوال الشهود والاخذ بافاداتهم او طرحها على ضوء ماتسفر عنه الوقائع ومايتضح من الادلة الاخرى المتوافرة في الدعوى, وهذا الذي تمارسه المحكمة يدخل في دائرة الاقتناع الوجداني لها الذي يُعد فقهاً وقضاءً الدليل الاول في القضايا الجزائية وكذلك يدخل في القدرة الاجتهادية التي تمتلكها المحكمة, وفي كل الاحوال ينبغي على المحكمة ان لاتخرج عن القاعد الاساسية بأن ( التجريم يجب ان يبنى على الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال) ,لذلك توصف هذه السلطة الممنوحة للمحكمة مع انها سلطة تقديرية الا انها سلطة دقيقة وشفافة ينبغي استخدامها بمثالية عالية بالاستعانة بقدرة القاضي وعلميته وكفاءته واسلوبه في التعامل مع وقائع الدعوى وأدلتها.

2- تأثير الرجوع على شخص الشاهد:-

ان الرجوع عن الشهادة بما له تأثير على قرار الحكم ,وكما بينا سابقاً, يُعد تصرفاً من الشاهد أقدم على ارتكابه عن عمد أو نتيجة خطأ أدى في النهاية الى حالة ارباك في تقييم الشهادة التي أدلى بها , فاذا كان اقدام الشاهد على مثل هذا العمل عن عمد فانه ينطوي تحت مظلة جريمة شهادة الزور التي ورد تعريفها في المادة (251) من قانون العقوبات(شهادة الزور هي أن يعمد الشاهد بعد أدائه اليمين القانونية أمام محكمة مدنية أو ادارية او تأديبية او امام محكمة خاصة أو سلطة من سلطات التحقيق الى تقليل الباطل او انكار حق او كتمان كل أو بعض مايعرفه من الوقائع التي يؤدي الشهادة عليها) وبذلك يترتب وفق هذا النص مسؤولية الشاهد فرض العقوبة عليه طبقاً للجريمة التي ارتكبها.

ان الاصل في الشهادة ان يكون الشاهد قد تحرى الصدق وتجنب الكذب وهذا الامر ينبغي ان نفترضه في شخص الشاهد ولكن في حالة الرجوع عن الشهادة قد لانقف امام حالة تعمد في تغيير الحقيقة في بعض الوقائع حيث يحصل هذا نتيجة خطأ او بسبب اهمال او سهو او تسرع ففي مثل هذه  الافتراضات وعندما تكون الدعوى المعروضة امام المحكمة لاتشكل جناية او جنحة خطرة وعندما تقتنع المحكمة بموقف الشاهد يمكن بما لها من سلطة عدم تطبيق نص المادة (252) عقوبات لانه لم يرتكب هذا الفعل عن عمد وقد يكون هناك خطأ اداري او مكتبي او سبب آخر حال دون اتضاح الحقيقة التي اراد ايصلها الشاهد آخذين بمبدأ حسن النية تجاهه ولكن يبقى هذا الفرض ضيق النطاق في التطبيق ولا يشمل الا حالات قليلة جداً لان الشاهد ينبغي عليه عند الإدلاء بشهادته ان يأخذ الحيطة بما يقوله امام المحكمة آخذا بالاعتبار ما يؤدي قوله من نتائج قانونية.

الرجوع عن الشهادة في الفقة الاسلامي:-

تناول فقهاء المسلمين مسألة الرجوع عن الشهادة بشكل مفصل وتعرضا للبحث الى جميع الاثار المترتب عليها في القضايا المدنية والجزائية وبما يتلائم مع القواعد الكلية التي يقوم عليها هذا الفقه ,ففي القضايا الجزائية اي في جرائم الحدود والقصاص والتعزير جاءت آرائهم لتستوعب الحالات الثلاثة :-

الحالة الاولى حالة الرجوع عن الشهادة قبل الحكم

الحالة الثانية : حالة الرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم

الحالة الثالثة : حالة الرجوع عن الشهادة بعد الحكم وقبل  الاستيفاء اي قبل التنفيذ.

وكذلك تناولوا في مدوناتهم الفقهية هذه المسألة من جانب مسؤولية الشاهد عن رجوعه في الشهادة وتحمله ما يترتب عن هذا الفعل من تعويض او تحمل دية او غيرها من الاحكام الاخرى التي لايسع الحديث عنها في هذا المختصر.